استيقظت مدينة سان وسط
مالي، على وقع انفجارات واشتباكات عنيفة، إثر هجوم مسلح استهدف قاعدة للجيش، في مواجهة استمرت لساعات وأسفرت، وفق مصادر أمنية ومحلية، عن مقتل ما لا يقل عن عشرة جنود.
وتمكن المهاجمون خلال الهجوم من فرض سيطرة مؤقتة على الموقع العسكري، قبل أن تستعيد القوات المالية السيطرة على القاعدة، فيما واصلت السلطات حصر الخسائر وتقييم الأضرار الناجمة عن الهجوم.
ويأتي الهجوم في وقت تشهد فيه مالي تصعيدا أمنيا متواصلا، وبعد أسابيع من هجوم دموي استهدف قافلة عسكرية في شمال البلاد، وأسفر عن مقتل ما لا يقل عن 50 جنديا، بحسب المعطيات الواردة في تقارير سابقة.
ولا تبدو التطورات الأخيرة مجرد سلسلة من الهجمات المنفصلة، إذ تكشف عن مشهد أمني وسياسي شديد التعقيد، تتداخل فيه حركات أزوادية ذات مطالب انفصالية، وتنظيمات مسلحة ذات توجه مسلح عابر للحدود، إلى جانب قوى سياسية معارضة تسعى إلى إنهاء الحكم العسكري وإعادة البلاد إلى المسار الدستوري.
من حركات أزوادية متفرقة إلى جبهة موحدة
لفهم المشهد الحالي في مالي، تعود
جذور الصراع في الشمال إلى الحركات الأزوادية التي كانت تنشط قبل عام 2024، وفي مقدمتها الحركة الوطنية لتحرير أزواد، ومجموعة إمغاد وحلفائها للدفاع عن النفس، والمجلس الأعلى لوحدة أزواد، والحركة العربية لأزواد.
وتتركز هذه الحركات في شمال مالي، وهي منطقة قريبة من الحدود الجزائرية، يغلب على سكانها الطوارق، إلى جانب مجموعات عربية وفلانية.
وخاضت الحركات الأزوادية على مدى سنوات مواجهات مع الحكومة المركزية في باماكو، قبل أن تنخرط في مسار سياسي أفضى إلى توقيع اتفاق الجزائر للسلام عام 2015، الذي شاركت هذه القوى في مساره السياسي والاندماجي.
غير أن المشهد تغير بصورة جذرية بعد الانقلاب العسكري الذي وقع في باماكو في آيار/مايو 2021، وما تبعه من توجهات للسلطة الانتقالية، وصولا إلى قرارها في أيلول/سبتمبر 2023
إلغاء العمل باتفاق الجزائر للسلام.
ومع تصاعد مساعي السلطة المركزية لاستعادة السيطرة على مدن الشمال، والاستعانة بمجموعة فاغنر الروسية، اتجهت الحركات الأزوادية نحو إعادة تنظيم صفوفها.
وفي 30 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، أعلنت الحركات الأربع حل نفسها وتشكيل كيان سياسي وعسكري موحد حمل اسم "جبهة تحرير أزواد"، بقيادة سياسية وعسكرية واحدة وراية مشتركة.
وجاء الإعلان عقب مؤتمر عقد بين 26 و30 تشرين الثاني/نوفمبر في منطقة تين زواتين قرب الحدود الجزائرية المالية، بمشاركة عدد من أبرز القيادات الأزوادية، بينهم بلال آغ شريف، ومحمد مولود رمضان، والعباس آغ أنتيلا، ومحفوظ آغ عدنان، إلى جانب شخصيات أخرى.
وأعلنت الجبهة نفسها "الممثل الشرعي الوحيد لشعب أزواد"، مع توحيد الكتائب المسلحة تحت راية ما وصفته بـ"الجيش الأزوادي الموحد".
من الحكم المحلي إلى المطالبة بالانفصال
أسهم توحيد الفصائل الأزوادية في تعزيز قدرتها على خوض مواجهات أكثر تنظيما مع الجيش المالي والقوات المرتبطة به، بما في ذلك مجموعة فاغنر.
وشهدت المنطقة سلسلة من المعارك، من بينها مواجهات في نيسان/أبريل 2025، قبل أن تتجه الجبهة، بحسب المعطيات الواردة في التقرير، إلى تنفيذ هجمات واسعة بهدف استعادة مواقع ومدن في شمال البلاد.
ولا تقتصر أهمية هذا التحول على الجانب العسكري، بل تشمل أيضا طبيعة المطالب السياسية.
ففي السابق، كانت الحركات الأزوادية تركز على مطالب تتعلق بالحكم المحلي وإدارة مناطق الشمال ضمن الدولة المالية، إلا أن توحيدها في إطار جبهة واحدة ترافق مع تحول في مطلبها المركزي باتجاه المطالبة بالانفصال الكامل وتأسيس دولة أزواد، إلى جانب اعتماد علم خاص بها.
وترتبط الجبهة بعلاقات وثيقة مع الجزائر، التي تنظر إلى الحركات الأزوادية باعتبارها طرفا أساسيا في أي مسار سياسي يتعلق بالأزمة المالية، في ظل الموقع الجغرافي الحساس لشمال مالي والحدود المشتركة مع الجزائر.
تنظيم عابر للحدود
في الجهة المقابلة، يبرز تنظيم "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين"، الذي لا ينطلق في مشروعه من البعد المناطقي أو القومي، بل يتبنى مشروعا عابرا للجغرافيا يقوم على إقامة دولة إسلامية وتطبيق الشريعة في مالي.
وتشكل التنظيم في آذار/مارس 2017 نتيجة تحالف أربعة تنظيمات مسلحة متشددة، بينها كتيبة "المرابطون"، التي نشطت في منطقة غاو، وكتيبة إمارة الصحراء التابعة لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، إضافة إلى "كتائب ماسينا"، التي يقودها المالي محمد كوفا.
وتضم خلفية التنظيم شخصيات مسلحة بارزة، من بينها إياد آغ غالي، الذي سبق أن قاد تمرد الطوارق في شمال مالي بين عامي 1990 و1995، قبل أن يعمل دبلوماسيا لمالي في جدة السعودية بين عامي 2005 و2008.
وعاد إياد آغ غالي لاحقا إلى شمال مالي، وأسس تنظيم "أنصار الدين"، قبل أن يتحالف مع تنظيمات أخرى مرتبطة بالقاعدة، ليصبح لاحقا على رأس "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين".
وكانت الجماعة قد أعلنت مبايعتها زعيم القاعدة السابق أيمن الظواهري، وزعيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي أبو مصعب عبد الودود، الذي قتلته القوات الفرنسية في حزيران/يونيو 2020.
وعلى الرغم من الاختلاف الجوهري بين المشروع الانفصالي لجبهة تحرير أزواد والمشروع الجهادي لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، فإن الطرفين تقاطعا ميدانيا في مواجهة السلطة في باماكو.
وفي سياق الهجوم الأخير، أقرت جبهة الأزواد بوجود تنسيق ميداني مع "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين".
المعارضة تدخل على خط المواجهة
ولا يقتصر المشهد على الفصائل المسلحة، إذ برز في الأشهر الماضية تحالف سياسي معارض حمل اسم "القوى من أجل الجمهورية المالي".
ويضم التحالف شخصيات معارضة موجودة خارج البلاد، من بينها الإمام محمود ديكو المقيم في الجزائر، وهو أحد أبرز الشخصيات المؤثرة في الساحة المالية، وكان قد قاد حراكا شعبيا قبل انقلاب آيار/مايو 2021.
وأعلن عن تأسيس التحالف في كانون الأول/ديسمبر 2025 رافعا مطالب تتعلق بإنهاء المرحلة الانتقالية التي يقودها الجيش، والعودة إلى المسار المدني والدستوري، وإعادة الشرعية إلى مؤسسات الدولة.
كما يدعو التحالف إلى إعادة بناء الجيش على أساس جمهوري، وإطلاق حوار وطني شامل، وإعادة تأسيس مؤسسات الدولة، مع الحفاظ على وحدة الأراضي المالية.
وبذلك يلتقي هذا التحالف مع الفصائل المسلحة عند هدف إسقاط السلطة القائمة، لكنه يختلف عنها في تصور شكل الدولة ومستقبلها.
ثلاثة مشاريع في مواجهة سلطة باماكو
وتكشف خريطة القوى المعارضة في مالي عن ثلاثة مشاريع رئيسية تتقاطع عند معارضة السلطة الانتقالية، لكنها تختلف بصورة جوهرية في أهدافها النهائية.
فالتحالف السياسي "القوى من أجل الجمهورية المالي" يطرح نفسه بديلا مدنيا للسلطة العسكرية، ويتمسك بوحدة الأراضي المالية والعودة إلى النظام الدستوري.
أما جبهة تحرير أزواد، فتتجه نحو مشروع انفصالي يهدف إلى إقامة دولة مستقلة في شمال مالي.
في حين يتبنى "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" مشروعا إسلاميا عابرا للمناطق، يهدف إلى إقامة دولة تقوم على تطبيق الشريعة في مختلف أنحاء مالي.
وسبق للتنظيمات الجهادية المرتبطة بالجماعة أن حاولت فرض نموذجها على مناطق واسعة من شمال البلاد، خصوصا بعد سيطرتها على مدن بينها غاو وكيدال عام 2012.
سجل طويل من الهجمات
ومنذ تأسيس "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين"، نفذت الجماعة سلسلة من العمليات ضد القوات المالية والفرنسية.
وفي 5 آذار/مارس 2017، تبنت الجماعة
هجوما أسفر عن مقتل 11 عنصرا من الجيش المالي. وفي نيسان/أبريل من العام نفسه، أعلنت مسؤوليتها عن هجوم آخر أدى إلى مقتل جندي فرنسي.
وفي تموز/يوليو 2017، بثت الجماعة شريط فيديو ظهر فيه ستة رهائن غربيين، قبل أن تبث في تشرين الأول/أكتوبر من العام نفسه تسجيلا ظهر فيه 11 عسكريا ماليا مختطفا، قالت إنهم أسروا خلال عمليات نفذت بين تموز/يوليو 2016 وآذار/مارس 2017.
وفي 2 آذار/مارس 2018، أعلنت الجماعة مسؤوليتها عن هجومين في العاصمة البوركينية واغادوغو، استهدفا مقر رئاسة أركان الجيش والسفارة الفرنسية، وأسفرا عن مقتل ثمانية أشخاص.
وبحسب وكالة الأخبار الموريتانية المستقلة، التي نقلت إعلان الجماعة من تسجيل مصور، فإن الهجومين جاءا ردا على مقتل أحد قادة الجماعة في غارة نفذتها القوات الفرنسية.
وتشير هذه التطورات إلى أن الهجوم على قاعدة سان لا يمكن فصله عن أزمة أوسع تعيشها مالي، حيث تتقاطع مشاريع مسلحة وسياسية متعددة في مواجهة سلطة عسكرية تسعى إلى فرض سيطرتها على كامل البلاد، فيما يبقى السؤال الأكبر مرتبطا بإمكانية تحويل هذا التقاطع الميداني إلى تفاهم سياسي، أو أن يؤدي اختلاف الأهداف إلى فتح جولات جديدة من الصراع.