بعد كمين قتل فيه 50 جنديا.. هل بدأ مقاتلو الطوارق حرب استنزاف للجيش المالي؟

كمين دام في شمال مالي.. هل بدأت حرب استنزاف بين الطوارق وباماكو؟ - الأناضول
في تطور لافت للصراع بين الجيش المالي وحلفائه الروس من جبهة مقاتلي الطوارق من جهته أخرى، نفذت "جبهة تحرير أزواد" قبل يومين كمينا لقافلة عسكرية مالية في شمال البلاد خلف أكثر من 50 قتيلا من الجيش المالي.

وقال الناطق الرسمي باسم "جبهة تحرير أزواد" محمد المولود رمضان، إن قوات الجبهة نصبت يوم السبت الماضي كمينا لرتل عسكري مشترك يضم قوات مالية وعناصر من الفيلق الإفريقي الروسي، في منطقة "تابريشات" الواقعة على الطريق الرابط بين بلدة "أنفيف" ومدينة "غاو" شمالي مالي.

وقال المولود رمضان في تصريح خاص لـ"عربي21" إن الكمين أسفر في حصيلة أولية عن مقتل 50 عنصرا من الجيش المالي، وتدمير 3 دبابات وعدد من الشاحنات وصهاريج نقل الوقود".

وأشار إلى أن مقاتلي الجبهة تمكنوا أيضا من غنم 5 سيارات عسكرية وكميات من الأسلحة والذخائر. 

اعتراف باماكو

من جهته اعترف الجيش المالي بتعرض قافلة عسكرية تابعة له لكمين نفذته جبهة تحرير أزواد، بينما كانت القافلة تغادر مدينة النفيس الإستراتيجية متجهة إلى غاو، كبرى مدن شمال مالي، بعد أسابيع من المعارك للسيطرة على المنطقة.

وأكد مسؤول محلي مقرب من المجلس العسكري الحاكم في باماكو أن الحصيلة الأولية للهجوم "فادحة جدا" مؤكدا مقتل العشرات من الجنود في الكمين.

وقالت هيئة الأركان العامة للجيش المالي، في بيان إن قواتها تمكنت من "تحييد العشرات من عناصر جبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين في منطقة تابريشات ومحيطها".

وأشار البيان المالي إلى أن سلاح الجو نفذ ضربات دقيقة استهدفت 3 مواقع للمسلحين، ردا على الكمين الذي استهدف قافلة الجيش وحلفائه الروس.

وبحسب الأركان المالية، فقد أسفرت العمليات الجوية عن "تدمير سيارتي بيك آب عسكريتين في تابريشات، وتدمير مركبتين أخريين وتحييد نحو 20 مسلحا إثر ضربتين جويتين بالقرب من منطقة إرسان (20 كلم من تابريشات)"، مؤكدة أن القافلة العسكرية تمكنت لاحقا من "مواصلة مسارها". 


هل هي حرب استنزاف؟

ويرى الصحفي المتابع للشأن الأفريقي محمد الأمين عبدوتي أن الكمين الذي نصبته جبهة تحرير أزواد للجيش المالي يؤكد أن مقاتلي الطوارق خصوصا جبهة تحرير أزواد، انتقلوا إلى تطبيق استراتيجية حرب الاستنزاف طويلة الأمد.

وأوضح في تصريح لـ"عربي21" أن هذه الاستراتيجية تقوم بالأساس على تجنب المواجهات الكلاسيكية والمفتوحة مع الجيش المالي المدعوم بالقدرات العسكرية الروسية، واللجوء بدلا من ذلك إلى استدراج القوات النظامية بعيدا عن قواعدها المحصنة نحو فخاخ محكمة في عمق الصحراء، حيث تفقد الآليات الثقيلة جزءا كبيرا من فاعليتهما التكتيكية.

ورأى محمد الأمين عبدوتي في حديثه لـ"عربي21" أن الاعتماد المتزايد على الكمائن المدروسة والعمليات الهجومية الخاطفة يؤكد أن جبهة تحرير أزواد باتت بالفعل تعتمد سياسية حرب الاستنزاف.

ولفت إلى أن هذه الاستراتيجية تقوم فبما يبدو على إبقاء الجيش المالي وحلفاءه الروس ممثلين في "الفيلق الإفريقي" في حالة استنفار دائم وإنهاك مستمر.

وأوضح أن الحركات الأزوادية تراهن على عاملي الوقت والجغرافيا القاسية لكسر إرادة باماكو العسكرية تدريجيا، بينما يبحث المجلس العسكري المالي عن انتصارات سريعة وحاسمة.

معارك مفتوحة

ومنذ سنوات تحتدم المعارك في إقليم أزواد بالشمال المالي، بين الحركات الأزوادية (الطوارق) والجيش المالي، وتعلن الحركات الأزوادية من حين لآخر، عن مهاجمة القوات المالية وقتل وإصابة بعض الجنود، بينما يتحدث الجيش المالي عن شن هجمات تستهدف من يصفهم بالمسلحين "الإرهابيين" في المنطقة.

وتصاعدت التوتر بين الطوارق والسلطات المركزية في باماكو منذ 2020 بعد الانقلاب العسكري في مالي الذي قاده الجنرال عاصمي غويتا، وهو عسكري شاب ولد 1980، والتحق بالجيش عام 2002، وبزر اسمه عامي 2020 و2021 بعد أن أطاح فيهما برئيسين مدنيين.

كما أشرف غويتا على العمليات العسكرية ضد الطوارق في شمال البلد سنة 2012، قبل أن يتدرج في المناصب العسكري، ليقود انقلابين عسكريين في مالي بين عامي 2020 و2021.

بعد وصوله للسلطة بادر غويتا، بطرد القوات الفرنسية من مالي وهو ما أكسبه شعبية كبيرة، حيث خرجت العديد من المسيرات في المدن المالية تؤيد قراره بشأن طرد القوات الفرنسية.

لكنه في المقابل توجه شرقا نحو روسيا، التي دعمته بالمال والسلاح، ما ساهم في تعزيز حضوره بقوة في المشهد السياسي المالي، حيث زودت روسيا على مدى السنوات الماضية الجيش المالي بمعدات عسكرية متنوعة بينها طائرات مقاتلة وسرب من الطائرات المسيرة، بالإضافة إلى عتاد عسكري متنوع.


صراع الـ40 عاما

ومنذ أكثر من 40 عاما، يواصل سكان إقليم أزواد بشمال مالي، صراعهم مع الحكومة المركزية في باماكو للمطالبة بالانفصال، حيث يتكون الإقليم الذي يضم أربع مدن رئيسية هي تمبكتو وكيدال وغاو، من عرقيات الطوارق (هم غالبية السكان) والعرب والفلان والسونغاي.

وتبلغ مساحة الإقليم 822 ألف كلم مربع أو ما يقارب الـ66 بالمئة من مساحة مالي الكلية البالغة مليونا و240 ألف كلم مربع.

وشكل الأزواديون سنة 1988 أول جبهة سياسية ذات نشاط عسكري عُرفت باسم "الحركة الشعبية لتحرير أزواد" إذ قادت تمردا عسكريا ضد باماكو سنة 1990، لكنها عانت بعد فترة قصيرة من أزمة داخلية انتهت بتفككها، وتحولها إلى عدة تشكيلات كان من أبرزها "الجبهة الشعبية لتحرير أزواد" و"الجيش الثوري لتحرير أزواد".

ومنذ استقلال مالي عن فرنسا 1960 يطالب سكان هذا الإقليم بالانفصال عن الجنوب المالي. وفي سبيل ذلك دخل الانفصاليون الطوارق منذ تسعينيات القرن الماضي في مواجهة دامية مع الجيش المالي، واستطاعوا في كثير من الأحيان السيطرة على بعض المناطق.