سلطنة عُمان.. كيف أصبحت الوسيط الذي لا يغيب عن أزمات المنطقة؟

امتدت الوساطات العُمانية من الحرب العراقية الإيرانية إلى الملف النووي الإيراني واليمن- جيتي
أعلنت إيران، الأحد، إحراز تقدم في محادثاتها مع سلطنة عُمان بشأن إدارة الملاحة في مضيق هرمز، بالتزامن مع توقف الهجمات الأمريكية الموسعة ضد إيران عقب تحذيرات من وزارة الحرب الأمريكية بشأن استنزاف منظومات الدفاع الجوي "باتريوت".

وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن طهران استضافت جولات من المحادثات الفنية بين نائبَي وزيري خارجية إيران وعُمان لبحث آليات إدارة المضيق بما يراعي الحقوق السيادية للدولتين الساحليتين، واصفا المحادثات بأنها "مفيدة"، وفق بيان لوزارة الخارجية الإيرانية.

لم تكن هذه، ولن تكون على الأرجح الأخيرة، المرة التي تجد فيها سلطنة عُمان نفسها في قلب أزمة أخرى تعصف بالمنطقة، إذ تكرر المشهد نفسه مع أزمة اليمن، والملف النووي الإيراني، والتوتر الخليجي القطري، وصولا إلى الأزمة الحالية بين واشنطن وطهران، مما يطرح تساؤلًا حول العوامل التي جعلت هذه السلطنة الصغيرة نسبيًا محطة عبور إجبارية لأبرز أزمات الإقليم الكبرى.

بداية الحياد إلى الاتفاق النووي الإيراني

يعود تاريخ الوساطة العمانية إلى الحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980 و1988، حين حافظت مسقط على حيادها وعلى علاقاتها بطهران رغم أن الرأي الخليجي العام كان داعما لبغداد، بل وقادت محادثات سرية بين الطرفين المتحاربين سعيا لوقف الحرب،

وتكرر هذا النمط الحيادي عام 2015 حين أطلقت السعودية عملية "عاصفة الحزم" ضد جماعة أنصار الله الحوثي في اليمن بمشاركة تحالف خليجي وعربي، فيما امتنعت عُمان عن المشاركة، لتتحول لاحقا إلى محور مهم للوساطة والمفاوضات الرامية لإنهاء حرب استمرت أكثر من خمسة أعوام، وبرر وزير الخارجية العماني الأسبق يوسف بن علوي هذا الموقف حينها بالقول: "عُمان بلد سلام، ولا يمكننا القيام بجهود للسلام في الوقت الذي نكون فيه جزءا من حملة عسكرية".


وشكلت مسقط أولى محطات التفاوض غير المباشر بين واشنطن وطهران، في قناة سرية مهدت لاحقا للمفاوضات الدولية الأوسع بصيغة "5+1" مع إيران، والتي أفضت في نهاية المطاف إلى خطة العمل الشاملة المشتركة المعروفة بالاتفاق النووي الإيراني لعام 2015.

ولم يكن ذلك مفاجئا بالنظر إلى ثقة الطرفين الأمريكي والإيراني بمسقط كوسيط، وهي الثقة التي تراكمت عبر عقود من السياسة الخارجية العمانية القائمة على مبدأ عدم الانحياز الذي كرّسه السلطان الراحل قابوس بن سعيد بقوله: "سياستنا الخارجية تتلخص في الحياد، وعدم التدخل مطلقاً في شؤون الآخرين".

ويبدو الموقع الجغرافي عاملا مهما، إذ يشكل الموقع الاستراتيجي لسلطنة عمان عنصرا أساسيا في توجيه سياساتها نحو الوساطة، فهي تطل على ثلاثة بحار مهمة هي بحر العرب وبحر عمان والخليج، وتمتد سواحلها على أكثر من 3 آلاف كيلومتر من مضيق هرمز الذي تتشارك الإطلالة عليه مع إيران، وهو أحد أبرز ممرات عبور شحنات الطاقة في العالم.

ولخص بن علوي، في مقابلة تلفزيونية سابقة، فلسفة هذا الدور بالقول: "نحن لا ننحاز لهذا الجانب أو ذاك، بل نحاول أن ننقل للطرفين ما نعتقد أنه جيد بالنسبة إليهما".

تاريخ حافل.. 

ساهمت عُمان مرارا في تطبيع العلاقات السعودية الإيرانية؛ ففي عام 1991 نجحت مسقط في إعادة التواصل بين الرياض وطهران، ثم لعبت إلى جانب العراق دورا غير مباشر في تسهيل استعادة العلاقات بين السعودية وإيران برعاية صينية في آذار/مارس 2023.

وتابعت السلطنة مسارها لاحقا بالعمل على إعادة العلاقات بين إيران والبحرين، والمساهمة في إعادة التواصل بين إيران ومصر بعد انقطاع دام سنوات.

كما لم تفوت مسقط فرصة لرعاية صفقات تبادل السجناء والمعتقلين بين الدول، من بينها صفقات بين إيران وبلجيكا، وبين إيران والولايات المتحدة، إضافة إلى رعايتها الإفراج عن رهائن سفينة "غالاكسي ليدر" التي احتجزها الحوثيون في تشرين الثاني/نوفمبر 2023.

وفي أزمة المقاطعة الخليجية لقطر عام 2017، لم تلعب عمان دور الوسيط المباشر، لكنها دعمت بمواقفها وسياساتها الحيادية جهود الوساطة الكويتية لإنهاء الأزمة.

الأزمة اليمنية

اتسع الدور العماني في الملف اليمني ليشمل استضافة محادثات رسمية وغير رسمية بين الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا وجماعة أنصار الله الحوثي والمجلس الانتقالي الجنوبي، إلى جانب إيران والسعودية والإمارات، والولايات المتحدة وبعض دول الاتحاد الأوروبي.

ويرى الصحفي العُماني عوض باقرير أن عُمان تتعامل مع الأطراف اليمنية كافة بشكل مباشر وتقف على مسافة واحدة من جميع الأطراف، مضيفا أن الدبلوماسية العمانية "الهادئة" نجحت في عدد من المحادثات في سياق الحرب اليمنية منذ عام 2015 تحديدا، وأنه من خلال هذه الجهود أمكن التوصل إلى وقف الحرب وفرض هدنة بين "الفرقاء اليمنيين"، بحسب ما نقله موقع "يمن فيوتشر".


ويتفق معه في هذا الرأي الباحث باعبود بقوله إن عُمان حافظت على تواصل متوازن مع جميع الأطراف اليمنية، ما أتاح لها فرصة لعب دور الوسيط المحايد بعيداً عن الاصطفافات الإقليمية الحادة التي ميّزت مواقف بقية دول الخليج، بحسب المصدر نفسه.

وفضلا عن استضافة طاولات التفاوض، عملت عُمان كجسر دبلوماسي بين جماعة أنصار الله الحوثي وجهود الأمم المتحدة للسلام في اليمن، وتولت دور الوسيط في عمليات متكررة لتبادل الأسرى والرهائن بين الأطراف المتحاربة، إلى جانب دورها كمقدّمة رئيسية للمساعدات الإنسانية عبر أراضيها ومطاراتها للمناطق اليمنية المحاصرة.

في المقابل، رصد تحليل نشره موقع "نون بوست" تحولا لافتا في هذا الموقف العماني التقليدي مؤخرا، معتبرا أن مسقط انتقلت تدريجيا من موقع "الوسيط المحايد" إلى ما وصفه بـ"الشريك الصامت" للسعودية في الملف اليمني، وذلك بعدما رأت عُمان في تمدد نفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيا في محافظة المهرة الحدودية معها تهديدا مباشرا لأمنها القومي، ما دفعها للتنسيق الأمني مع الرياض في هذا الملف تحديدا.

أزمة هرمز.. الممر الحيوي الأهم

تصدّر مضيق هرمز، الممر الذي يشرف عليه البلدان معا، واجهة الأزمة الحالية، إذ أكد سلطان عمان هيثم بن طارق، في اتصال هاتفي مع القيادة الإيرانية أواخر حزيران/ يونيو الماضي، دعمه للتوصل إلى "تسوية سلمية ونهائية" تشمل الملف النووي وضمان استئناف وانسياب الملاحة عبر المضيق، كما أكد وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي منتصف الشهر الجاري أن "هناك مناقشات معقدة تجري حاليا للتوصل إلى ترتيب طويل الأمد يضمن حرية الملاحة في مضيق هرمز"، مشددا على أن بلاده "تعمل مع إيران والمجتمع الدولي" لتحقيق هذا الهدف، ووصف استمرار الحرب حينها بأنه "كارثة".

غير أن هذا الدور لم يخلُ من ضغوط مباشرة، إذ كشف مسؤول إيراني، بحسب ما نقلته "سي إن إن"، أن هدف طهران كان التوصل إلى آلية بالتشاور مع عُمان لضمان المرور الآمن للسفن، إلا أن ذلك "لم يتحقق بسبب الضغوط الأمريكية العلنية وغير العلنية على سلطنة عُمان".


كما أفاد مصدر إقليمي مطلع لشبكة "سي إن إن"، بأن عُمان تقدمت بمقترح جديد لواشنطن وحلفائها بشأن إدارة المضيق يقضي بعمل طهران ومسقط معا على تحديد إدارته المستقبلية، وهو ما قد يمنح إيران فعليا دورا رسميا في هذه الإدارة، فيما أوضحت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي أن ترامب يرفض فرض أي رسوم على المضيق باعتباره ممرا مائيا دوليا.

الحرب الأخيرة.. واشنطن أم طهران؟

لم يكن الحفاظ على هذا التوازن الدقيق بلا كلفة؛ فقد كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن الولايات المتحدة تمارس ضغوطا على سلطنة عُمان لدفعها إلى تقليص علاقاتها مع إيران، مطالبةً مسقط بحسم موقفها بين الشراكة مع واشنطن أو مواصلة علاقاتها مع طهران.

وتزايدت في الآونة الأخيرة علامات التباين بين واشنطن ومسقط بشأن التعامل مع إيران، بينما تواصل السلطنة اعتماد سياسة التوازن والحوار مع مختلف الأطراف في المنطقة، ومع تنامي المخاوف الأمريكية من هذا الدور، بدأت الإدارة الأمريكية تضغط باتجاه تقليص مستوى الانفتاح العماني على طهران وإعادة النظر في طبيعة العلاقة معها.

وفي هذا السياق، كشفت الصحيفة أن الولايات المتحدة تمارس ضغوطا على سلطنة عمان من أجل تقليص علاقاتها مع إيران، معتبرة أن سياسة الحياد التي تتبعها مسقط باتت تثير مخاوف داخل الإدارة الأمريكية.

وبينما تبذل مسقط اليوم جهودا في ملف هرمز الأشد تعقيدا من سابقاتها، يبقى السؤال المطروح: هل ستنجح عُمان في تكرار سيناريو 2015 وتفضي وساطتها إلى تهدئة دائمة، أم أن حدة الاستقطاب الحالي بين واشنطن وطهران باتت تفوق قدرة الوسيط الذي لم يكل يوما؟.