تدمير الجسور والمنشآت الحيوية.. هل تتحول سواحل إيران الجنوبية إلى "نورماندي" جديدة؟

رجحت معظم التقديرات العسكرية أن تركز واشنطن على عزل بندر عباس وابعاد القوات الإيرانية عن هرمز- جيتي
قبل واحد وثمانين عاما، شهدت شواطئ نورماندي واحدة من أكبر العمليات العسكرية في التاريخ، عندما عبرت آلاف السفن والطائرات لقوات الحلفاء إلى فرنسا في مشهد غير مسار الحروب.

واليوم، ومع تزايد التوتر في المياه الإقليمية في مضيق هرمز، تعود إلى الأذهان صور مشابهة من القصف، والتحركات البحرية، وحشود القوات الأمريكية قرب السواحل الإيرانية، ويطرح هذا المشهد حول ما إذا كان فعلا ما يجري اليوم يقارن بما حدث في نورماندي، أم أن التشابه يقتصر على الصورة العسكرية، بينما تختلف الظروف والأهداف وطبيعة الحرب بين الماضي والحاضر.

ولتسليط الضوء على التفاصيل، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية "سنتكوم" تنفيذ ضربات على إيران لليلة السابعة على التوالي، مستهدفة عدة جسور بهدف قطع طرق الإمداد المؤدية إلى مدينة بندر عباس الساحلية والقاعدة البحرية القريبة من مضيق هرمز.

وأكدت القيادة المركزية الأمريكية "سنتكوم"، في بيان رسمي، أنها استهدفت "عشرات المواقع العسكرية الإيرانية" في الليلة السابعة على التوالي من الهجمات، شملت مواقع مراقبة ساحلية ومنظومات دفاع جوي و"بنية تحتية لوجستية عسكرية" وقدرات بحرية.

كما أغلقت الطرق السريعة الرابطة بين بندر عباس والمحافظات المجاورة بالكامل.

وقال مسؤول أمريكي لمنصة "أكسيوس" الأمريكية إن "الذخيرة والإمدادات والتعزيزات تنتقل عبر بندر عباس إلى أجزاء أخرى من المضيق"، في تفسير مباشر لاستهداف الجسور المؤدية إلى المدينة.


وشملت الأهداف جسورا رئيسية تحمل حركة المرور خارج المدينة باتجاه الساحل وشمالاً نحو مدينة شيراز، أكبر مدن جنوب إيران، وصولا إلى وسط البلاد، إضافة إلى نقطة تقاطع على خط سكة حديد بندر عباس ومطار إيرانشهر شرقاً. كما أن برج المراقبة في ميناء "الشهيد كلانتري" بمدينة تشابهار دُمّر خلال الضربات ذاتها.

ويبدو أن الضربات على الجسور والطرق السريعة والسكك الحديدية موجهة لعزل بندر عباس، الميناء الرئيسي لإيران، عن الطرق المؤدية إلى وسط البلاد وصولا إلى العاصمة طهران.

ودعت وزارة الطاقة الإيرانية، للمرة الأولى منذ بدء الحملة الجوية الأمريكية، السكان في المحافظات الجنوبية إلى ترشيد استهلاك الكهرباء، معلنة تعرض البنية التحتية للطاقة لهجمات، من دون أن توضح ما إذا كانت الهجمات طالت محطات توليد أو خطوط نقل.

هل تستعد واشنطن لعملية إنزال برية؟

خلصت مؤسسة "كوينسي" لدراسات الحوكمة المسؤولة، في تحليل نشرته في وقت سابق، إلى أنه "من غير المرجح إلى حد كبير" أن تُقدم الولايات المتحدة على تنفيذ عملية إنزال برمائي تقليدي ضد أي من الجزر الإيرانية في الخليج، معتبرة أن المخاطر المرتبطة بذلك "تجعل الأمر غير عملي".

وأوضحت المؤسسة أن الصواريخ الإيرانية المضادة للسفن والصواريخ الباليستية والمسيّرات تحت الماء يمكن أن تستهدف بسهولة سفن الإنزال البرمائي والزوارق اللازمة لنقل مشاة البحرية من البحر إلى الشاطئ، وأن هذا الخطر يتضاعف إذا نجحت إيران في تلغيم جزء من المضيق.

في المقابل، أشارت شبكة "إيه بي سي نيوز" الأمريكية، نقلا عن جنرالات متقاعدين، إلى أن مشاة البحرية الأمريكية قد تحاول تنفيذ عملية إنزال برمائي رغم أن هذا النهج "سيترك القوات مكشوفة أثناء عبور المضيق"، مضيفة أن عمليات الإنزال بواسطة المروحيات تمثل مسارا بديلا لكنه يحمل نقاط ضعف خاصة به في مجال جوي متنازع عليه.


ونقلت الشبكة عن أحد الخبراء، قوله إن "الاستيلاء على الجزر الواقعة في مضيق هرمز هو بالضبط النوع من المهام الذي صُمم من أجله سلاح مشاة البحرية"، موضحة أن القوات التي يجري نشرها هي وحدات مشاة خفيفة تفتقر إلى المركبات المدرعة الثقيلة، بما فيها الدبابات، التي عادة ما تكون ركيزة العمليات البرية الهجومية المستدامة.

كما أن الحفاظ على تزويد هذه القوات بالغذاء والماء والذخيرة والمستلزمات الأساسية، يمثل "تحديا لوجستيا كبيرا"، وأن أي تقدم نحو البر الرئيسي الإيراني، في غياب هذه الموارد، سيكون "بالغ الصعوبة" ويترتب عليه "خسائر بشرية كبيرة"، بحسب ما ذكرته "إيه بي سي نيوز".

من جهتها، ذكرت شبكة "سي إن إن" عن مصادر مطلعة على المعلومات الاستخباراتية الأمريكية، أن إيران عمدت خلال الأسابيع الأخيرة إلى نصب فخاخ ونقل عناصر عسكرية ومنظومات دفاع جوي إلى جزيرة خارك، استعدادا لعملية أمريكية محتملة للسيطرة على الجزيرة.

ولا يخلو الأمر من شكوك إيرانية، فقد سبق أن حذر رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، من أن القوات الإيرانية "جاهزة للرد" في حال دخلت قوات أمريكية البلاد، متوعدا بأن هذه القوات "ستُشعل فيها النار"، وداعيا في الوقت نفسه إلى "الوحدة الوطنية" باعتبار أن الصراع بلغ "أخطر مراحله".

واتهم قاليباف، الولايات المتحدة بالتخطيط سرا لعملية غزو بري رغم ما بدا وكأنه سعي أمريكي متزامن لجهود دبلوماسية لإنهاء الصراع.

من جهته، قال النائب السياسي لقوات البحرية في الحرس الثوري الإيراني محمد أكبرزاده، بحسب ما نقلته وكالة "تسنيم"، إن ساحل إيران "سيتحول إلى مقبرة" إذا استؤنفت الضربات الأمريكية، مضيفا: "مقاتلونا اليوم يحملون في صدورهم الرغبة في القتال وجها لوجه مع العدو".

وأضاف أن الولايات المتحدة مُنيت بـ"هزيمة استراتيجية" في ملف مضيق هرمز، قائلا: "ادّعوا أنهم يستطيعون إعادة فتح المضيق، لكن بعد إغلاقه لم يتمكنوا رغم كل قوتهم من تحقيق أي شيء".

حجم القوات المنتشرة حتى الآن

نشر البنتاغون في الفترة الماضية، مجموعتين برمائيتين قرب الشرق الأوسط منذ بداية الحملة العسكرية ضد إيران المعروفة باسم "الغضب الملحمي"، تضم كل منهما قوات جوية وبرية قتالية تابعة لمشاة البحرية.

وذكر موقع "سيغنال أس سي في" الإخباري الأمريكي، أن العنصر الأساسي في إحدى المجموعتين، بقيادة سفينة الإنزال البرمائي "يو إس إس تريبولي"، وصل إلى مياه الشرق الأوسط ومعه نحو 3500 من البحارة وعناصر مشاة البحرية التابعين للوحدة البحرية الحادية والثلاثين.


وأضاف أن المجموعة الثانية، بقيادة سفينة الإنزال البرمائي "يو إس إس بوكسر" والتابعة للوحدة البحرية الحادية عشرة، لا تزال تعبر المحيط الهادئ وقد تستغرق أسابيع للوصول، إذا تقرر تكليفها بالمهمة.

على غرار نورماندي.. "مستحيل"

سبق إنزال نورماندي في السادس من حزيران/ يونيو 1944 أكثر من عام من التخطيط والحشد اللوجستي، وشارك في يومه الأول وحده نحو 156 ألف جندي حليف، ضمن عملية غزو مفتوحة استهدفت إسقاط نظام حكم قائم بالكامل واحتلال أراضٍ خاضعة له.

وبالمقارنة، أوضح موقع "ذا غلوبال أنغل"، في تحليل مستقل نشره، أن أي عملية إنزال شاملة على الطراز الأمريكي في نورماندي تُعد "مستحيلة لوجستيا" في ظل القيود الحالية، مشيرا إلى أن طبيعة إيران الجبلية ومساحتها الشاسعة وتعداد سكانها البالغ نحو 90 مليون نسمة تستلزم حشد أكثر من 500 ألف عنصر أمريكي، وهي عملية "لا تستطيع القاعدة الصناعية الدفاعية الأمريكية دعمها حاليا" في ظل استمرار تزويد أوكرانيا بالسلاح في الوقت نفسه.

تشير مجمل هذه المعطيات، إلى أن الحملة الجوية والبحرية الحالية تهدف بالدرجة الأولى إلى عزل القاعدة البحرية في بندر عباس وخنق قدرة الحرس الثوري على المناورة في مضيق هرمز، لا إلى تنفيذ عملية إنزال شاملة على غرار نورماندي 1944.