تتزايد الضغوط الدولية على الولايات المتحدة تجاه الإسراع في إنهاء الوضع الحالي بمنطقة الخليج وضرورة تأمين عودة إمدادات الطاقة عبر مضيق
هرمز، وسط تحذيرات من زيادة هشاشة الاقتصاد العالمي، بسبب تباطؤ تدفقات النفط.
وأدى ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة متوسط أسعار الإنتاج الصناعي والمنتجات الغذائية والزراعية في العالم، فضلاً عن ارتفاع تكاليف النقل والشحن وسلاسل التوريد العالمية، وهو ما أسهم في تراجع معدلات النمو، وأثر بشكل أكبر على الفئات الأكثر احتياجاً.
ويعد مضيق هرمز أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، إذ كان يعبره نحو خُمس شحنات النفط والغاز العالمية، قبل أن تتراجع حركة الملاحة فيه بصورة حادة منذ اندلاع الحرب في 28 شباط/فبراير، مع بدء الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران.
بعد نحو أربعة أشهر من الحرب، أدركت واشنطن حجم المأزق الذي هي فيه، مع تصاعد نبرة التذمر في الداخل الأمريكي الذي بات يدفع ضريبة قرارات اتضح أنها لم تكن مدروسة، مع زيادة أسعار الوقود وارتفاع معدلات التضخم ضمن سلسلة تداعيات سببها الرئيس خروج مضيق هرمز عن السيطرة.
على إثر ذلك، كثفت أمريكا جهودها نحو خلق طرق ومسارات جديدة بعيداً عن صواريخ ومسيرات إيران، وبما يضمن استمرار تدفق النفط إلى الأسواق العالمية من منطقة الخليج، وهو ما سيعزز من موقفها أيضاً خلال المفاوضات مع طهران التي ما زالت متعثرة.
العراق يوقع اتفاقية مع سوريا بمباركة أمريكية
وعقب توقيع وزير النفط العراقي باسم العبادي، الجمعة، اتفاقية مع سوريا لمد أنابيب نفط وأخرى مع شركات أمريكية، كشف موقع "بلومبيرغ" عن إشراف الولايات المتحدة على إحياء المفاوضات بين بغداد ودمشق بشأن خط كركوك -
بانياس.
ونقل الموقع عن مصادر مطلعة أن المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا والعراق توم باراك عقد اجتماعات مع مسؤولين من العراق وسوريا، لإيجاد مسار تصدير بديل يتجاوز مضيق هرمز ويقلل من قدرة إيران على التأثير في إمدادات الطاقة العالمية.
ووفق "بلومبيرغ" فإن العراق يواجه أزمة حقيقية بسبب اعتماده شبه الكامل على المضيق، إذ تمر عبره 95 في المئة من صادراته النفطية، وبحسب بيانات شركة "فورتكسا" للطاقة، تراجعت الصادرات البحرية العراقية في أيار الفائت إلى 8 في المئة فقط من متوسط عام 2024.
مشروع قد يعيد رسم خريطة الطاقة
والجمعة، قال توم باراك إن نموذجاً جديداً للتكامل الإقليمي بدأ يلوح في الأفق، عبر تحالفات الربط بين دول الشرق الأوسط بقيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وبالشراكة مع رؤية رئيس الوزراء العراقي الشاب والجريء، حسب تعبيره.
وأضاف باراك في تدوينة على منصة "إكس"، أن هذه الشراكات تسهم في تشكيل ممر استراتيجي جديد يربط العراق وسوريا وتركيا ودول الخليج، بما قد يقلل من أهمية مضيق هرمز خلال السنوات المقبلة.
وأشار إلى أن الشركات الأمريكية الكبرى، التي تقترب قيمتها السوقية من تريليون دولار، تقود موجة من الدبلوماسية الاقتصادية والاستثمار، بهدف تحويل المنطقة من ساحة أزمات إلى فضاء للفرص والتنمية.
وفق مبدأ "التسليم الاحترازي".. الانتقال من النووي إلى هرمز
وقال باراك خلال كلمته في قمة الأعمال الأمريكية العراقية في واشنطن، إن "المنطقة شهدت خلال الفترة الماضية تحولات كبيرة"، مبيناً أن "ما بدا حالة من الارتباك والفوضى، في ظل التطورات المرتبطة بإيران، أفضى في الواقع إلى إعادة تشكيل التحالفات الأمنية والاستراتيجية".
وأضاف أن الاهتمام انتقل من الملف النووي إلى مضيق هرمز، مشيراً إلى أن البرنامج الذي يجري العمل عليه بالتنسيق مع سوريا والأردن وتركيا ولبنان ومصر سيجعل من أهمية مضيق هرمز أمراً ثانوياً خلال عامين، من خلال الانتقال من نموذج النقل البحري عبر الممرات الضيقة إلى مسارات بديلة تعتمد مبدأ "التسليم الاحترازي".
ولفت إلى أن "المشروع يشمل أيضاً تطوير الممر الأوسط الممتد من تركيا عبر أذربيجان وتركمانستان وصولاً إلى آسيا الوسطى، بما يتيح نقل كميات كبيرة من الغاز إلى أوروبا عبر القنوات التجارية"، وأوضح أن "المرحلة الحالية تهدف إلى بناء نموذج مختلف بعيداً عن الإقصاء والتدخلات العسكرية".
شركة شيفرون الأمريكية ستنفذ المشروع
بدورها، رحبت الخارجية الأمريكية، الجمعة، بإعلان العراق وسوريا إعادة تشغيل خط أنابيب النفط بقدرة أولية تبلغ مليوني برميل يومياً، وأكدت وكالة الأنباء العراقية أن بغداد ودمشق وقعتا مذكرة تفاهم لتأهيل أنبوب نفط حديثة – بانياس، وأن شركة شيفرون الأمريكية ستقوم بتنفيذ المشروع.
وذكرت الخارجية الأمريكية في بيان، إن حكومتي العراق وسوريا تقران بالهدف الاستراتيجي المتمثل في استعادة ممر حيوي للطاقة يربط إنتاج النفط العراقي بأسواق التصدير في البحر الأبيض المتوسط وما وراءه.
الخط سيؤمّن تصدير 2.5 مليون برميل يومياً
من جهته، قال عضو مجلس الشيوخ الأمريكي جو ويلسون إن إعادة تفعيل خط أنابيب كركوك-بانياس ستسهم في تعزيز صادرات النفط، مشيراً إلى دور خطوط الأنابيب بين العراق وسوريا في تعويض جزء من صادرات الطاقة المتأثرة بالأوضاع في مضيق هرمز.
وأوضح ويلسون، في منشور عبر منصة "إكس"، الجمعة، أن إعادة تشغيل هذا الخط سيؤمّن تصدير 2.5 مليون برميل يومياً عبر البحر الأبيض المتوسط أو عبر تركيا، وأضاف أن خطوط الأنابيب الجديدة الممتدة من العراق إلى سوريا ستعوّض جزءاً من حجم صادرات الطاقة التي فُقدت جراء غلق مضيق هرمز.
خلفية المشروع
شُيِّد خط أنابيب كركوك-بانياس عام 1952، وكان ينقل في أوج نشاطه نحو 300 ألف برميل يومياً من حقول كركوك شمال العراق إلى ميناء بانياس السوري على البحر المتوسط، قبل أن يتوقف تشغيله بشكل شبه كامل عقب الغزو الأمريكي للعراق عام 2003.
يمتد الخط لمسافة تقارب 800 كيلومتر، ما يجعل إعادة تأهيله يواجه تحديات أمنية ولوجستية جسيمة، بينها استمرار نشاط خلايا تنظيم "داعش" في مناطق قريبة من مسار الأنابيب المحتمل، فضلاً عن رفض بعض الميليشيات العراقية للمشروع بدعوى أن النفط قد يصل إلى "إسرائيل".
يرى مسؤولون أمريكيون أن المشروع، في حال اكتماله، سيمنح العراق منفذ تصدير بديلاً عبر البحر المتوسط لا يعتمد على مضيق هرمز، وهو ما من شأنه أن يقلّص قدرة إيران على التأثير في تدفقات النفط العالمية مستقبلاً.
كما يُنظر إلى المشروع كأداة لدعم أمريكا للاقتصاد السوري في مرحلة ما بعد الحرب، ويأتي هذا بعد أسابيع من إعلان واشنطن رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وهي خطوة قد تسهّل عمل الشركات الأمريكية في مشروع إعادة إعمار الخط.