لماذا أعفى الزيدي مسؤولين كبارًا في العراق من مناصبهم؟

أجرى رئيس الوزراء علي الزيدي سلسلة تغييرات مفاجئة في مواقع أمنية ومالية بارزة شملت إقالة واستبدال ثلاثة مسؤولين- مكتب رئاسة الوزراء
أثارت سلسلة التغييرات المفاجئة التي يجريها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في مفاصل الدولة، تساؤلات عن دوافعها وتوقيتها، خاصة أنها جاءت بعد ساعات من مباحثات أجراها مع المبعوث الرئاسي الأمريكي توم باراك، وقبل أسابيع من زيارته إلى واشنطن.

وبينما لم تعلن الحكومة العراقية عن أسباب هذه القرارات، تباينت تفسيرات المراقبين حيالها، إذ رأى البعض أن ما يجري قد يكون جزءا من عملية أوسع لإعادة هيكلة مؤسسات الدولة، بما ينسجم مع طلبات واشنطن من بغداد، لكن آخرون يصفونها بأنها "مناورة صورية".

ومنذ الخميس، أجرى رئيس الوزراء علي الزيدي، سلسلة تغييرات مفاجئة في مواقع أمنية ومالية بارزة شملت إقالة واستبدال ثلاثة مسؤولين كبارا، عبد الكريم البصري، رئيس جهاز الأمن الوطني، وقاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي، وعلي العلاق محافظ البنك المركزي.

وكذلك ذكرت وسائل محلية، أن الزيدي يتوجه لإجراء تغييرات في وزارة الداخلية تشمل وكلاء الاستخبارات، وشؤون الشرطة، ومديري عام الأمن والأفراد، والقانونية، وقائد حرس الحدود، وإعفاء 50 ضابط برتبة فريق في وزارة الدفاع، وإحالتهم إلى التقاعد.

"لوازم الزيارة"

وبخصوص توقيت الإجراءات، قال الباحث العراقي، سعدون التكريتي، إن "التغييرات المتسارعة في المواقع الحكومية، التي يجريها الزيدي دون معارضة معلنة من الإطار، هي استكمال لازم لشكل الحكومة قبيل زيارة واشنطن ولقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب".

وأوضح التكريتي لـ"عربي21" أن "الزيدي سيذهب بشكل جديد من العراق يقدمه عربون تعاون وتحالف واتفاق مع أمريكا، وذلك للحفاظ على النظام السياسي، وهذا أصل مهم لدى القوى الشيعية ولن يتم التضحية به، بالتالي سيجبرون على تنازلات من أجل ذلك".
وتوقع الباحث أن "الزيدي في غالب الظن سيلقى أحضانا حارة من ترامب وإدارته، وسيعود بطاقة وسلطة أكبر".

وخلص إلى أن "الزيدي وقبل زيارة البيت الأبيض وبعد توم باراك، سيحمل في حقيبته إلى واشنطن ملفات جاهزة يقول إنها تمت، منها ملف الفصائل: تسليم السلاح والدمج في مؤسسات الدولة".
وكذلك، من الملفات التي يحملها الزيدي، هو "ملف تهريب الدولار وغسل الأموال، والإصلاح الاقتصادي والاستثمار، وتغييرات في المناصب وإحالة للتقاعد، إضافة لاستكمال الكابينة الوزارية"، وفقا للتكريتي.

وأعلن المتحدث باسم الحكومة العراقية حيدر العبودي، الأحد، أن استكمال التشكيلة الوزارية لحكومة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي سيتم قبل زيارته المرتقبة إلى الولايات المتحدة منتصف يوليو/تموز المقبل، مؤكدا أن الحكومة تمضي نحو تثبيت الكابينة الوزارية بشكل كامل.

وتأتي قرارات الإقالات بعد نحو يومين من مباحثات أجراها الزيدي في بغداد مع المبعوث الرئاسي الأمريكي الخاص توم باراك، أسفرت، وفق بيانات حكومية، عن تفاهمات استراتيجية وأمنية واقتصادية بين بغداد وواشنطن.

وقالت الحكومة العراقية إن الجانبين اتفقا، خلال اجتماع عُقد في 16 حزيران/يونيو الحالي، على حزمة إجراءات تشمل حصر السلاح بيد الدولة، والمُضي في نزع سلاح الفصائل المسلّحة، وتوفير ضمانات أمنية لحماية الشركات الاستثمارية الأمريكية العاملة في العراق.

"مناورة صورية"

من جانبه، قال الباحث العراقي في السياسات الاستراتيجية كاظم ياور، إن "مجيء الزيدي للسلطة له دوافع سياسية، بمعنى أن ترامب صاحب الفضل في هذا الأمر، كونه منع وصول نوري المالكي ومحمد شياع السوداني وشخصيات أخرى قريبة من الإطار التنسيقي، لرئاسة الحكومة".

وأضاف ياور لـ"عربي21" أنه "ليس شرطا أن تكون هذه الاقالات مرتبطة بزيارة توك باراك، وأن الأخير جاء إلى بغداد حتى يلقي الضوء على البيانات والمنهاج الحكومي للزيدي الذي تضمن حصر السلاح بيد الدولة، وهذا بحاجة إلى إبعاد بعض الشخصيات من المناصب العليا".

وما يتعلق بمسألة تقليص نفوذ المليشيات أو الشخصيات القريبة من الإطار في الوزارات الأمنية، قال ياور إنه "من المبكر القول إن الإعفاءات هي بالتخلص من رجالات الإطار أو المجاميع المسلحة في الحكومة، لأن البدلاء أتوا من الجهات ذاتها التي يختارها الإطار".

وأوضح ياور أنه "عندما جاء بديل قاسم الأعرجي ليتولى منصب مستشار الأمن القومي، كان قاسم العبودي القريب من الإطار، حتى باسم البدري الذي شغل حاليا منصب رئيس جهاز الأمن الوطني هو قريب من دولة القانون التي كان سلفه أبو علي البصري الذي ينتمي إليهم".

وأردف: "لا توجد في باطن الأمور حاليا مؤشرات يمكن القول إن هذه الإقالات تستهدف شخصيات كبيرة في البلد، وأن الزيدي إذا ذهب إلى الوقوف أمام قيادات عليا في البلد كانوا سببا في تمكين الفصائل في منظومة الحكم والمنظومة السياسية، فلا يستطيع الأخير في هذه الفترة اتخاذ خطوة واحد تجاههم".

 وتابع: "كذلك لن يحرك ضد رؤساء الأحزاب أو من شغل السلطة سابقا وكان له دور في الفساد الأمني والسياسي والمالي، لكن الذهاب إلى شخصيات ربما هم حلقة وصل ما بين الزعامات السياسية، وأفراد عاديين ضمن مؤسسة الحكم، بالتالي لن يؤثر إذا ذهبت هذه الحلقة، لأنه بالإمكان الاتيان بغيرها ضمن نفس السياقات والتوجهات السياسية".

ورأى ياور أن "ما يقوم به الزيدي حاليا ليس قلع النفوذ بالكامل، وإنما قص فروع الشجرة، وبالتالي تبقى أخرى تشكل بدائل كثيرة داخل مؤسسات الدولة العراقية".

ووصف الإعفاءات بأنها "مناورة صورية"، وأن الولايات المتحدة الأمريكية ربما تقدر حجم توغل هذه الفصائل والأحزاب داخل المؤسسات العراقية منذ أكثر من 20 عاما، وبالتالي لا يستطيع الزيدي القيام في وقت قصير بمهمة قلع هذه التأثيرات من جذورها.

وختم ياور حديثه، بالقول: "الزيدي ربما يقوم بعمليات طفيفة بسيطة يمكن أن تحسب إعلاميا بأنها إجراءات، لكنها باعتقادي تبقى قرارات ليس لها مضمون يمكن أن يتوقعه الشعب اتخاذه من الحكومة في المستقبل القريب".