فتحت زيارة المبعوث الرئاسي
الأمريكي الخاص توم باراك إلى
العراق، باب التساؤل واسعة بشأن طبيعة المرحلة
الجديدة بين البلدين، وما إذا كانت واشنطن تسعى إلى إعادة رسم أولويات بغداد
الأمنية والاقتصادية والسياسية، مقابل استمرار دعمها للحكومة العراقية.
وخلال اجتماع عقد، الاثنين،
جدد رئيس الوزراء العراقي علي
الزيدي والمبعوث الأمريكي التأكيد على الشراكة
الاستراتيجية بين البلدين، مع التركيز على ملفات الأمن والطاقة والاستثمار، إلى
جانب ضرورة استكمال خطط حصر السلاح بيد الدولة وحل جميع الجماعات المسلحة.
ولم يقتصر اللقاء على تأكيد
المبادئ العامة للشراكة، بل حمل رسائل سياسية واضحة بشأن مستقبل العراق الداخلي
وعلاقاته الإقليمية، خاصة مع الحديث عن زيارة مرتقبة للزيدي إلى البيت الأبيض
منتصف تموز/ يوليو المقبل، بدعوة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
سوريا حاضرة
وعلى وقع الزيارة، كشفت
مصادر عراقية لـ"
عربي21"، طالبة عدم الكشف عن هويتها، إن الإجراءات
المتعلقة بإعادة تنظيم الفصائل ليست وليدة زيارة باراك، بل بدأت قبل ذلك بفترة،
عبر تشكيل لجان مختصة والعمل على إعادة هيكلة بعض التشكيلات المسلحة ضمن إطار الدولة.
وأكدت المصادر العراقية
وجود توجه نحو إعادة ترتيب بنية هيئة الحشد الشعبي، من خلال تدوير بعض القيادات
الحالية وإعادة تنظيم التسلسل الإداري والعسكري، بما يؤدي تدريجيا إلى تقليص حضور
المسميات الفصائلية التقليدية وإبراز قيادات أقل ارتباطا بالخطاب العقائدي أو الحزبي.
ويعتمد نجاح هذا المسار
يعتمد على توافقات داخلية وإقليمية معقدة، خصوصاً في ظل ارتباط بعض الفصائل
بعلاقات وثيقة مع إيران، التي تتابع أي تغييرات تمس النفوذ السياسي والعسكري
لحلفائها في العراق.
في المقابل، ذكرت المصادر
أنه برز ملف، هو العلاقات العراقية السورية كأحد المحاور المهمة التي رافقت زيارة
باراك، خاصة بعد أن سبق الزيدي زيارة الأخير بإرسال رئيس جهاز المخابرات الوطني
حميد الشطري إلى دمشق ولقائه الرئيس السوري أحمد الشرع.
وأفادت المصادر بأن واشنطن
تشجع بغداد على توسيع التعاون مع
سوريا في المجالات الأمنية والاقتصادية
والسياسية، في إطار رؤية أمريكية تهدف إلى دمج سوريا الجديدة في محيطها العربي
والإقليمي، وتعزيز الاستقرار على الحدود المشتركة.
لكن هذا التوجه- طبقا
للمصادر- يضع
الحكومة العراقية أمام معادلة حساسة، نظرا إلى أن الانفتاح على دمشق
لا يحظى بإجماع داخل القوى الشيعية العراقية، كما أنه يثير تحفظات لدى بعض الأطراف
القريبة من إيران.
ووفقا لما تقدم، فإن حكومة
الزيدي تجد نفسها أمام خيارين صعبين: إما المضي في تعزيز العلاقات مع الإدارة
السورية الجديدة بما ينسجم مع الرؤية الأمريكية، أو المخاطرة بتراجع مستوى الدعم
السياسي والاقتصادي الذي توفره واشنطن للحكومة العراقية، طبقا للمصادر.
إلى جانب الملفات الأمنية،
حملت زيارة باراك رسائل اقتصادية مهمة، حيث أشاد الجانبان بمنح الرخصة التشغيلية
لشركة "ستارلينك"، وإطلاق مفاوضات مع شركة "شيفرون" لتطوير
حقول نفطية عراقية، فضلاً عن إعادة تنشيط عمل شركات أمريكية أخرى في قطاع الطاقة.
كما شملت التفاهمات بين
باراك والزيدي، مشروع إعادة تأهيل خط أنابيب كركوك – بانياس، الذي يمكن أن يوفر
منفذاً إضافياً لتصدير النفط العراقي عبر الأراضي السورية، إضافة إلى مشروع إنشاء
محطة عائمة لاستيراد الغاز الطبيعي المسال في خور الزبير.
وتعكس هذه المشاريع رغبة
مشتركة في تحويل العلاقة بين بغداد وواشنطن من إطارها الأمني إلى شراكة اقتصادية
واستثمارية أوسع. وقد تكون الأشهر المقبلة حاسمة في تحديد ذلك، والتي يمكن أن
تشهدها سياسة العراق الداخلية والخارجية، ولاسيما بعد لقاء الزيدي بترامب.
"تغيير هادئ"
تعليقا على ذلك، قال أستاذ
العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية، عصام الفيلي، إن "واشنطن كان تبحث عن
متغير في العراق عندما احتدم الصراع على السلطة، شريطة أن يكون قريبا من العملية
السياسية وليس من القوى التقليدية، بالتالي فإن دعم الزيدي يأتي في إطار ما يعرف
بالتغيير الهادئ البناء".
وأضاف الفيلي
لـ"
عربي21" أن "الزيدي شخصية اقتصادية لديه واضح، ويعس لأن يكون
العراق جزءا من محور عملية التغيير، فهو يرى أن الولايات المتحدة تمثل شريكا
إستراتيجيا، لذلك هو بدأ بجملة من الإجراءات تتناغم مع رؤية الإدارة الأمريكية".
وتابع: "وهنا أتحدث عن
حصر السلاح والعودة إلى مفهوم الدولة، ومكافحة قوى الخارجة على القانون، والتي
تمثل تهديدا لعلاقة العراق الخارجية ومنها الولايات المتحدة الأمريكية، لذلك جاء
توم باراك إلى بغداد حتى يعلن دعمه للزيدي لكن هذا الأمر مقابل جملة من الاشتراطات".
وأوضح الفيلي أن "أولى
الاشتراطات، هو تفكيك السلاح، والقضاء على اقتصاديات الأحزاب التي تشكل تحديا
كبيرا، وتنفيذ بعض العقوبات على المصارف، إضافة إلى عودة النازحين إلى مناطقهم
لعودة السلم والوئام المدني، وهذا يتطابق مع رؤية الزيدي".
وعن الشرط الأمريكي المتعلق
بسوريا مقابل دعم واشنطن، قال الفيلي إن "الانفتاح الاقتصادي يتلاءم مع مصلحة
العراق، خاصة لو ذهبنا إلى تفعيل خط كركوك- بانياس النفطي، لكان العبء قليل جدا
طيلة الأربعة أشهر التي تحكمت فيها إيران في مضيق هرمز وخلقت أزمة دولية".
الأمر الآخر، بحسب الفيلي،
هو أن "العراق انفتح على النظام السياسي السوري الجديد في عهد رئيس الحكومة
السابقة محمد شياع السوداني، واليوم هناك زيارات مستمرة من رئيس المخابرات
العراقية، وتنسيق أمني بين الطرفين بخصوص تهديدات تنظيم الدولة".
وعن مدى قدرة الزيدي على
الموازنة بين إيران ومواليها الرافضين للانفتاح على دمشق، وبين واشنطن الضاغطة
بالاتجاه الآخر، قال الفيلي إن "إيران ذاتها تريد أن تقيم علاقات مع سوريا،
لكن في الوقت نفسه الجهات القريبة منها في العراق تضغط لعدم إقامة بغداد أي علاقة
معها".
وأردف: "هذه القوى ترى
أن العلاقة يجب أن تكون أولا إيرانية- سورية، ثم بعد ذلك تكون سورية- عراقية،
بمعنى رمي شباك التبعية على العراق، وهذا يناقض أي منطق عقلاني. بالنهاية الحكومة
العراقية تفضّل مصلحة البلاد بعيدا عن هذه الاشتراطات العقائدية الداخلية،
والاشتراطات الخارجية".
فيتو إيراني
وفي المقابل، قال الخبير
الأمني والإستراتيجي، معن الجوري، إن "تلبية الزيدي دعوة الرئيس ترامب لزيارة
واشنطن منتصف الشهر المقبل، سيترتب عليها الكثير، خصوصا تقديم ضمانات للبعد
الأساسي والمطلبي الأمريكي وهو حصر السلاح بيد الدولة وتفكيك المليشيات".
وأضاف المستشار السابق في
وزارة الدفاع العراقية لـ"
عربي21" أن "مسألة الضمانات ليست من
السهولة بمكان أن يعطي بها الزيدي سقفا زمنيا، ولا يمتلك الإدراك الكامل عنها،
وذلك لأن الغطاء السياسي لهذه الجماعات هو الماسك للسلطة اليوم في العراق".
الأمر الآخر، يتساءل
الجبوري: "هل يستطيع الزيدي ضمان المصالح الأمريكية، فإن كل رؤساء الوزراء
السابقين أعطوا ضمانات وحاولوا تنفيذها، لكن كان هناك سلاح خارج سيطرة الدولة،
وكذلك النفوذ الإيراني الذي مازال موجودا، بالتالي هذه تخلق عدم ثقة بين التعهدات
وبين المطالب الأمريكية".
ولفت إلى أن "المسألة
ليست صعبة لشخص الزيدي، وإنما لطبيعة العملية السياسية في العراق، لأن هذه القوى
تريد بقاء المنظومة الحاكمة على حالها باستثناء إعادة هيكلة السلاح وليس حلّ
المليشيات وسلاحها".
وأردف: "ماذا عن مصير
أكثر ربع مليون منسوب في الحشد والفصائل، فكيف سيتم تنظيمهم، وهل سيتم احتوائهم
بشكل كامل من الحكومة، لاسيما أن الأسلحة متوفرة لدى العشائر والشارع العراقي،
وتستطيع خلال ساعات جلبه إذا استشعرت بوجود خطر، مع وجود فصائل رافضة لتسليم
سلاحها".
ولفت إلى أن "زيارة
باراك إلى العراق هدفها إيصال المعلومة قبل وصول الزيدي إلى الولايات المتحدة
للقاء ترامب، ونحن نعمل أن الأخير لديه مطالب محددة وواضحة وصريحة، وأن المبعوث
الأمريكي حتما أوصل الفكرة، لكن التنفيذ على الأرض، كيف سيكون؟".
وعن الشرط المتعلق بانفتاح
بغداد على دمشق، قال الجبوري إنه "هذا حتما سيضر بالمصالح الإيرانية إذا ما
أخذنا بنظر الاعتبار الانفتاح الواسع على سوريا وتركيا، وستعتبره محورا سنيا في
المنطقة، لذلك لا يمكن لإيران أن تعطي الفرصة لهذا الشيء".
وتساءل الجبوري: "هل
ستترك إيران العراق بهذه السهولة، وتعطي هذه المساحة الجغرافية الواسعة للزيدي
ليقوم بإبرام اتفاقيات جديدة مع سوريا وتركيا، وبالتالي تؤثر على الجانب الإيراني،
خصوصا أنها مازالت تحت الضغوط والعقوبات الدولية، رغم توقف مساره بتوقيع الاتفاق
مع واشنطن".
وخلص إلى أن "العراق
يبقى بالنسبة لإيران الرئة الاقتصادية التي يتنفس منها، وبالتالي سيصطدم أي تقارب
بين بغداد ودمشق بعائق كبير اسمه طهران. لكن بحكم العلاقة الجغرافية سيكون انفتاحا
سواء مع تركيا أو سوريا، لكن ليس بالسهولة أن يخلقا اقتصادا قويا ويؤثر على الوضع
الاقتصادي في الإيراني".