صراع الذهب على حدود السودان.. هل أنهى الجيش المصري عصر "الدهابة" والمعدنين؟

عمال بأحد المناجم المحلية للبحث عن الذهب في السودان- جيتي
كشفت صفحات ومواقع سودانية عن قيام طائرات عسكرية مصرية الثلاثاء والأربعاء الماضيين، بضرب مواقع التنقيب العشوائي وغير القانوني عن الذهب في "جبل العقيدات" بمثلث حلايب، وملاحقة دهابة ومعدنين سودانيين ومن جنسيات أخرى، ومقتل وإصابة العشرات، وترحيل المئات عبر معبر "أرقين" الحدودي بين البلدين.

وعبر مقاطع مصورة قال معدنون سودانيون ومنقبين عن الذهب يومي 16 و17 حزيران/يونيو الجاري، إن 4 طائرات مصرية ضربت مئات المعدنين بمنطقة العلاقي شمال ولاية البحر الأحمر السودانية واستهدفت مناجم التعدين هناك.


وكشفت مقاطع عبر الإنترنت هروب المعدنين السودانيين عبر دروب صحراوية وبينهم مصابين.


وتشير الأنباء إلى ترحيل السلطات المصرية أعدادا كبيرة من السودانيين العاملين في الأراضي المصرية في مجال التنقيب عبر شاحنات بمعبر "أرقين" الحدودي بين البلدين.

وفي المقابل، كشفت مقاطع قيام سودانيون بمنع خروج البضائع إلى مصر ضمن حملة "يرجع فاضي" ردا على أزمة المعدنين.

وبينما يصل عدد المعدنين السودانيون إلى نحو مليوني شخص وفق بعض التقارير يقدمون نحو 80 بالمئة من ذهب السودان، فإن من لا حقهم الجيش المصري يقولون إنهم ينقبون بأراضي سودانية، بينما تؤكد صفحات مصرية أنهم اخترقوا الحدود، وأن مناطق التنقيب تلك أراضي مصرية خالصة، وجرى تخصيصها لشركات خاصة للتنقيب عن المعادن.

لأجل الشركات الخاصة

وبتواصل "عربي21"، مع أحد الدهابة المصريين للكشف عن حقيقة الأمر، قال (محمد. ص): "التنقيب عن الذهب الآن يساوي الموت"، موضحا أنه "بالنسبة للمنقبين المصريين فقد جرى حصارهم بشكل كبير مع توسع أعمال شركة تابعة للجيش وشركات تعمل معها من الباطن، وغادر كثير من الشباب ذلك العمل خوفا على حياته، ويسعى البعض ممن ليس لهم معلومات جنائية للعمل مع الشركات الجديدة".

وعن الدهابة السودانيين، أوضح أنهم "ليسوا سودانيين فقط، بل إنهم من دول أفريقية عديدة وخاصة تشاد، ولأن الجبل ممتد بين الأراضي المصرية والسودانية فقد دأبوا على التنقيب في امتداد الجبل بما لديهم من سابق خبرة ومعدات".

وتوقع أن "تكون العمليات الأخيرة ضد المنقبين السودانيين بطلب من الشركات المصرية التي دفعت مبالغ طائلة للحصول على حق التنقيب عن الذهب ولديها أحدث معدات، وأن الجيش قرر تلك الحملة لطرد الدهابة ولتسليم الشركات تلك المواقع، التي لا يمكنهم دخولها".

ساويرس يكشف الحقيقة


ويتطابق رأي المتحدث لـ"عربي21"، مع ما كتبه عبر موقع "إكس"، أبرز المستثمرين المصريين بقطاع الذهب، رجل الأعمال نجيب ساويرس، الذي أكد صحة خبر حملة الجيش المصري على المعدنين السودانيين وترحيل المئات منهم، كاشفا عن أن هذا التحرك مدفوع بطلب من شركات التنقيب الخاصة.

وقال ساويرس: "تحية وشكر وتقدير إلى استجابة قواتنا المسلحة لنداء الشركات والعاملين بقطاع التعدين في مصر، لمواجهة إجرام عصابات التعدين العشوائي وفرض سلطة الدولة وترحيل المعدنين الأجانب".


الملياردير المصري، الذي يُمثل المعدن الأصفر نحو 70 بالمئة من إجمالي محفظته الاستثمارية، وتبلغ استثماراته في هذا القطاع نحو 1.5 مليار دولار، أكد أن هذا التحرك من الجيش المصري "سيؤدي لزيادة الاستثمارات العالمية بمجال التعدين وطفرة بموارد الدولة".

وفي 4 حزيران/يونيو الجاري وقبل تلك الحملة بنحو أسبوعين كان ساويرس، قد حذر من استمرار التنقيب العشوائي عن الذهب في مصر، مؤكدا عبر "إكس" أن شركات التعدين تعاني من ممارسات غير قانونية تصل إلى التهديد بالسلاح"، موضحا أن "بعض المتورطين في هذه الأنشطة ليسوا مصريين".

شرط الشركة الإسبانية


وفي معلوماته حول ما يجري على الحدود المصرية السودانية من صراع حول الذهب، قال رئيس تحرير موقع "International  Investigative Centre"  الاستقصائي، ناجي عباس، لـ"عربي21"، إن الحديث المثار عن توجيه الجيش المصري ضربات للدهابة السودانيين "أغلبه حقيقي؛ لكنه صراع حدود، ومصر تقول إنها قامت بعمليات داخل حدودها".

ويعتقد الصحفي المصري المعارض أن للأمر علاقة بعمليات التصوير الجوي الجديدة للأراضي المصرية للكشف عن المعادن وبينها الذهب، مؤكدا أن "ما نُفذ كان استجابة لشروط الشركة الإسبانية بتنظيف المنطقة محل التعاقد".

وتوقع ألا يؤثر ذلك التحرك المصري على علاقات الخرطوم والقاهرة خاصة وأنه يأتي في توقيت حرج، قائلا: "رسمياً لا تأثير للواقعة وذلك لاحتياج السودان إلى مصر في أزمة الحرب مع (الدعم السريع)"، مستدركا: "إلا لو تدخل طرف ثالث".

ولفت إلى أن ما يجري من تحريض واسع من منتمين لقوات الدعم السريع وقوات الجنجويد، لاستغلال تلك الواقعة ضد مصر، يأتي في ظل تعرض "مصالح الإماراتيين في التنقيب عن الذهب للخطر"، ملمحا إلى أن السودان من أكبر مستخرجي الذهب بالقارة السمراء بحوالي 60 طن سنويا.

وتتزامن حملة الجيش المصري على الدهابة السودانيين والتي لم يتم الإعلان عنها بشكل رسمي، مع تعاقد السلطات المصرية في أيار/مايو الماضي مع شركة "إكس كاليبور" الإسبانية، لعمل مسح جوي شامل للثروات المعدنية بالبلاد بتكلفة 60 مليون دولار.

كما تتزامن الحملة مع محاولات السلطات المصرية السيطرة على مواقع الدهابة المصريين، خاصة مع تصاعد أعمال العنف بين القبائل المنقبة عن الذهب، ومقتل 8 من الدهابة 30 نيسان/إبريل الماضي، بمنطقة أم الحويطات بمدينة سفاجا، ما تبعه مقتل أحد الدهابة في صراع بين منقبين في كوم إمبو بأسوان.

وفي حين قننت الحكومة المصرية البحث والتنقيب عن الذهب عبر قانون "الثروة المعدنية" رقم (198 لسنة 2014)، وحصلت شركات خاصة على رخص للتنقيب مقابل نسبة من الذهب تحصل عليها الدولة، أجرت القاهرة تعديلات عليه وعلى قانون (رقم 87 لسنة 2025)، بهدف جذب الاستثمارات، وطورت أنظمة التراخيص بالقطاع، لرفع مساهمة التعدين في الناتج المحلي من 1 بالمئة إلى 6 بالمئة.

وفي مقابل مواجهة المنقبين غير الشرعيين، وجهت الحكومة المصرية بدعم مستثمري قطاع التعدين بخفض قيمة إيجار مناطق البحث والاستكشاف حتى 60 بالمئة، وخفض نسبة مساهمة "هيئة الثروة المعدنية" من 25 إلى 10 بالمئة، وإصدار الموافقات خلال 30 يوما، وإتاحة استغلال أكثر من خام بمنطقة الامتياز الواحدة.

خلاف المعدنين وشركة مصرية

وحول معلوماته حول ما يجري على حدود مصر والسودان من صراع حول الذهب، قال الباحث والمحلل السوداني وائل نصر الدين، لـ"عربي21": "هناك مجموعة منقبين أهليين ومعدنين ينقبون عن الذهب بمنطقة الأنصاري السودانية خارج منطقة النزاع الحدودي؛ لكن بعضهم منذ فترة يدخل مناطق مصرية للتنقيب".

وأضاف: "وبحسب إفادات ناجين من الحادث؛ هناك شركة مصرية افتتحت بهذه المنطقة وأصبحت تشتري إنتاجهم من الذهب، ويبدو أنه حدث خلاف بين الشركة والمعدنين الأهليين، وتدخل جيش مصر بقصف المنطقة وطرد المعدنين من داخل مصر لحدود السودان، مع وفاة عشرات بين سودانيين ومصريين وتشاديين وجنسيات أفريقية أخرى".

وأوضح، نصر الدين، "نشاط التعدين منتشر بمنطقة الساحل الأفريقي الممتدة من غرب أفريقيا لشرقها من (مالي والنيجر وتشاد وجنوب ليبيا وشمال السودان)، ويبدو أنه وصل مصر"، ملمحا إلى "وجود تقارير تؤكد وجود شبكات مصرية تعمل في مجال التعدين بموافقة الحكومة المصرية ويبدو أنه حدث خلاف مؤخرا".

ويعتقد أن "المسألة تؤثر على مستوى علاقة شعبي وادي النيل ولا تؤثر على الحكومتين، خاصة وأن هذه الحادثة تتزامن مع موجة تحريض إعلامي وصيد بالماء العكر من بعض محسوبين على الأجهزة المصرية بتحميل اللاجئين السودانيين مشاكل مصر وربطهم بالدخول غير الشرعي والتهريب، وكذلك بالسودان فإن (الدعم السريع) شغلها الشاغل ربط أزمات السودان بمصر، وتصدير المشاكل السودانية تجاه القاهرة".

ودعا المحلل السياسي السوداني، لحل للمسألة بقرار من الحكومتين، وتطبيق ميثاق الشرف الإعلامي، ومراعاة علاقات بين البلدين مقدسة لنحو 7 آلاف عام، ومحاسبة المحرضين".

سطوة الجيش

ووفق صفحة وزارة البترول، فإن شركات التعدين العاملة في مصر هي: "شلاتين للثروة المعدنية"، و"المصرية للثروات التعدينية"، و"السكري لمناجم الذهب"، و"حمش مصر لمناجم الذهب"، و"آتون ريسورسز للذهب"، و"إيقات لمناجم الذهب"، و"آخ جولد"، و"مناجم البحر الأحمر"، و"سنتامين"، و"باريك"، و"لوتس جولد كوربوريشن"، و"شمال أفريقيا للصناعة والتعدين"، و"ميداف"، و"العبادي للتعدين"، و"مناجم النوبة"، و"إبداع جولد".

"شلاتين للثروة المعدنية"، التي يمتلك الجيش 34 بالمئة من حصصها منذ تأسيسها عام 2012، بجانب الهيئة العامة للثروة المعدنية 35 بالمئة، وبنك الاستثمار القومي 24 بالمئة، والشركة المصرية للثروات التجريفية (7 بالمئة)، تعمل بمنطقة تصل مساحتها 13.67 ألف كيلومتر بالصحراء الشرقية التي تمثل امتدادا لـ"الدرع النوبي- العربي" الغني بالمعادن.


وتملك الشركة 7 امتيازات هي (الفاطري، والبرامية، وعتود، وأم العود، وحماطة، ووادي العلاقي، ومناطق (جبل ايقات، ووادي ميسح، وجبل الجرف، وجبل علبة، وأسوان)، بحسب موقعها عبر الإنترنت.

وخلال عهد رئيس النظام عبدالفتاح السيسي، سيطر الجيش على قطاع كبير من أماكن استخراج الذهب، من خلال شركة "شلاتين" والتي حصلت على دعم قانوني حكومي ودعم الجيش وحمايته للتنقيب في المناطق الشاسعة، ومنح التراخيص للمنقبين، في محاولة لتقنين عمليات الاستخراج غير الشرعية مقابل الحصول على 80 بالمئة من المستخرج والباقي للمنقبين.

ووفق متحدث سابق من الدهابة لـ"عربي21"، فإن "للجيش المصري مناطق نفوذ لا يمكن الدخول إليها للبحث عن الذهب، في مناطق وادي مسيح، وجبال علبة، والجرف، وإيقات، وفي أسوان، وجميعها محاط بحراسة مشددة من قوات الجيش ومن حرس الحدود والمخابرات الحربية"، بحسب قوله.