خلفت
الحرب التي شنتها أمريكا ودولة الاحتلال ضد
إيران تداعيات كارثية كبدت اقتصاديات
الخليج خسائر تجاوزت الـ700 مليار دولار، وكشفت عن خلل في نموذج أمني تبناه مجلس التعاون لنحو 4 عقود، يستند إلى مظلة أمريكية أثبتت الأحداث الأخيرة أنها لم تعد صالحة لمستقبل المنطقة.
بهذا الشأن، نشرت صحيفة "
نيويورك تايمز" مقالا يسلط الضوء على تبدد مشاعر الأمان لدى سكان دول الخليج العربية الثرية الذين اعتادوا منذ عقود طويلة على مشاهدة حروب المنطقة عبر شاشات التلفزيون، حيث كانت المعارك تدور في دول الجوار، مثل اليمن، وسوريا، وغزة، لكنها لم تصل إليهم.
اظهار أخبار متعلقة
مراسلة نيويورك تايمز في شبه الجزيرة العربية "فيفيان نيريم"، أكدت في مقالها، أن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران، قلبت شعور دول الخليج بالأمان، وأضعفت اقتصاداتها الغنية بالطاقة، ودفعتها إلى إعادة النظر في استراتيجياتها الدفاعية.
كما أن القواعد العسكرية الأمريكية على أراضي دول الخليج جعلتها أهدافاً لآلاف الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية بدلاً من أن توفر لها الحماية.
ورغم أن القتال يبدو أنه انتهى، على الأقل في الوقت الراهن، فإن كثيرين في دول الخليج يخشون من أن الاتفاق الذي يتبلور بين الولايات المتحدة وإيران لن يفعل الكثير لتقليص التهديد الذي تمثله طهران بالنسبة لهم، بحسب محللين.
خلال هذا الأسبوع، عقد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو اجتماعات مع عدد من القادة العرب في المنطقة، سعياً إلى طمأنتهم في إقرار ضمني بهذه المخاوف، وقال للصحفيين في الكويت الأربعاء إن الولايات المتحدة "لن تقدم على أي خطوة من شأنها تقويض أمن حلفائها".
خرجت دول الخليج من هذه الحرب مختلفة عما كانت عليه مع انكشاف نقاط ضعفها، فكثير منها يتجه الآن إلى تعزيز قدراته العسكرية، وزيادة الإنفاق على التسليح وأنظمة الدفاع، ويعكس هذا التوجه تحولاً واضحاً عن المشاريع التنموية الطموحة والمتفائلة التي طبعت المنطقة خلال العقد الماضي.
وقال خالد الجابر، المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية، وهو مركز أبحاث مقره قطر: "لقد خلّفت الحرب جرحاً عميقاً، وسيستغرق التعافي منه وقتاً طويلاً جداً".
أما المشاهد التي شهدتها مدن خليجية مثل دبي والدوحة خلال الأشهر الماضية، بما في ذلك الانفجارات الضخمة والأبراج الفاخرة التي تصاعدت منها ألسنة اللهب والدخان، فكانت حتى وقت قريب من الأمور التي لم يكن معظم السكان يتخيلون حدوثها.
فقد احتمى الآباء والأمهات مع أطفالهم في الممرات بينما كانت هواتفهم تصدح بإنذارات تحذر من صواريخ قادمة، وأُغلقت المدارس لأسابيع في
الإمارات، وغادر بعض الأجانب الأثرياء البلاد، ولم يجد كثيرون في المنطقة مقارنة تاريخية لما يحدث سوى الغزو العراقي للكويت قبل نحو ثلاثة عقود.
ورغم أن دول الخليج تمكنت من اعتراض الغالبية العظمى من الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة، فإن أكثر من 30 شخصاً قُتلوا وأُصيب العشرات.
وقال محمد بهارون، رئيس مركز "بحوث" للدراسات في دبي، إن "الحرب أرست سوابق خطيرة في المنطقة"، معتبراً أن تصرفات الولايات المتحدة والاحتلال وإيران خلقت "نهجاً متساهلاً في اللجوء إلى القوة العسكرية"، وأضاف: "بات الأمر أشبه بقانون الغرب الأمريكي القديم، حيث جرى خرق وقف إطلاق النار مرات عدة بسهولة، ومن دون أن يثير ذلك أي استغراب".
وعلى ما يبدو، فإن الحرب قد عمّقت الخلافات بين بعض دول الخليج بدلاً من توحيدها، بينما تتبع كل دولة خليجية نهجها الخاص في التعامل مع إيران؛ فقد عززت الإمارات تحالفاتها مع الولايات المتحدة وتل أبيب.
في المقابل، لعبت قطر دور الوسيط الرئيسي في الجهود الرامية إلى التوصل لاتفاق بين واشنطن وطهران، أما السعودية فسعت إلى إبقاء خياراتها مفتوحة، بمحاولة التأثير في قرارات إدارة ترامب مع الحفاظ في الوقت نفسه على قنوات الاتصال مع المسؤولين الإيرانيين.
أما سلطنة عُمان فقد أثارت استياء الرئيس ترامب بعد انخراطها في محادثات مع إيران بشأن احتمال فرض رسوم على الخدمات في مضيق هرمز، الممر البحري الذي تعبر منه صادرات النفط والغاز الخليجية.
ومن أبرز التحولات التي أفرزتها الحرب هو الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز من جانب إيران، وأصبح احتمال أن تعيد طهران إغلاقه مستقبلاً هاجساً يخيّم على المنطقة، ما دفع دول الخليج إلى إعادة التفكير في كيفية دخول وخروج النفط والمواد الغذائية وسائر السلع من وإلى أراضيها.
وتتبنى الحكومة الإماراتية استراتيجية تقوم على “صفر اعتماد على مضيق هرمز”، من خلال توسيع موانئها الواقعة خارج المضيق وإنشاء خطوط جديدة لأنابيب النفط وشبكات السكك الحديدية، بحسب ما قاله وزير التجارة الإماراتي مؤخراً لوكالة بلومبرغ.
أما سلطنة عُمان، التي تُعرف عادة بهدوئها وتمتلك موانئ على بحر العرب، وهي تبعد مئات الأميال عن مضيق هرمز، فقد تحولت إلى مركز لوجستي محوري لجيرانها، إذ تُنقل البضائع منها براً إلى بقية دول الخليج.
ورغم كل ما تقدم، يبقى هناك سؤال يخيّم على كل هذه التحولات، مفاده: "هل انتهى الصراع فعلاً؟"، وهنا يجيب الباحث القطري الجابر: "نحن مرعوبون من احتمال أن يتحول هذا الصراع إلى حرب مستمرة".
ورحّب قادة الخليج علناً بالاتفاق الرامي إلى إنهاء القتال، بعدما تسببت الحرب في كوارث لبلدانهم إلى حد جعل قلة منهم يرغبون في استمرارها، وفي اجتماع لمجموعة السبع عُقد الأسبوع الماضي في فرنسا، وجّه الشيخ محمد بن زايد، الزعيم القوي للإمارات، رسالة شكر إلى ترامب.
وقال وهو يميل إلى الأمام في مقعده: "شكراً لك على دعمك والتزامك تجاه أصدقائك. هذا يعني لنا الكثير، وقد أظهرت لنا من هو الحليف الحقيقي".
لكن خلف الكواليس، يقول محللون إن كثيراً من المسؤولين الخليجيين يشعرون بمزيج من الإحباط وخيبة الأمل تجاه الولايات المتحدة، فالاتفاق الأولي بين واشنطن وطهران لم يتطرق إلا قليلاً إلى مخاوف الحكومات الخليجية، مثل ترسانة إيران من الصواريخ والمسيّرات أو دعمها للميليشيات.
كما رفعت إدارة ترامب مؤقتاً العقوبات النفطية المفروضة على إيران، وهو ما قد يمنح طهران دفعة اقتصادية.
وكتب عبد الرحمن الراشد، الكاتب السعودي القريب من قيادة المملكة، في مقال حديث في صحيفة "الشرق الأوسط"، أن الاتفاق الأمريكي-الإيراني "يعيد تأهيل نظام طهران بوصفه قوة إقليمية"، وأضاف: "الفوائد المالية التي قد تجنيها طهران ستجعل من إيران وحشاً أكبر مما كانت عليه من قبل".
كما لمح مسؤولون أمريكيون إلى إمكانية مساهمة دول الخليج في صندوق لإعادة إعمار إيران بقيمة 300 مليار دولار، وهي فكرة قوبلت ببرود في المنطقة، وقال الجابر إن كثيرين يشعرون بأن إدارة ترامب تنظر إلى دول الخليج "كما لو كانت جهاز صراف آلي".
وجاءت زيارة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو هذا الأسبوع إلى الإمارات والكويت والبحرين لتسلط الضوء على هذه التوترات، رغم حرصه على التأكيد أن المسؤولين الأمريكيين يأخذون آراء دول المنطقة في الاعتبار، وقال: “في حين أننا نريد التوصل إلى اتفاق، فإننا لا نريد اتفاقاً بأي ثمن".
وقال روبيو للصحفيين في أعقاب اجتماع مع وزراء خارجية دول الخليج في البحرين يوم الخميس، إن الوزراء “شاركوا معنا مخاوف ملموسة للغاية”، وإنه تعهد بأن تكون حكوماتهم “شريكة في كل خطوة” من المفاوضات مع إيران.
وأضاف أنه لم يطرح خلال اجتماعاته فكرة مساهمة دول الخليج في صندوق إعادة الإعمار البالغة قيمته 300 مليار دولار، بل أبلغه المسؤولون الخليجيون بأن من “المهم جداً بالنسبة لهم” الحصول على تمويل خاص بإعادة إعمار بلدانهم.
اظهار أخبار متعلقة
وقال وزير الخارجية البحريني عبد اللطيف الزياني خلال اجتماع مع روبيو، إن المنطقة ترحب بوقف الأعمال العدائية “بعد التحديات الجسيمة التي واجهناها"، وأضاف: “اليوم نرى بارقة أمل".
ومع ذلك، يرى مهدي غلوم، الباحث البحريني، أنه بعد الحرب “هناك انطباع في الخليج بأن قوة الردع تجاه إيران قد تراجعت”، في إشارة إلى أن التهديدات الأمريكية والإسرائيلية لإيران قد تصبح أقل فاعلية في المستقبل.
ورغم الأضرار الكبيرة التي لحقت بإيران جراء حملة القصف، فإن نظامها تمكن في النهاية من البقاء، كما أدرك أنه يمتلك أدوات ضغط قوية، من بينها سيطرته على مضيق هرمز.
واعتبر غلوم أن الوقت قد حان لكي تنخرط دول الخليج في محادثات منفصلة مع إيران، وربما تسعى إلى إبرام اتفاق لعدم الاعتداء مع جارتها، وأضاف أنه قد تكون هناك "نعمة خفية" في الطريقة التي دفعت بها الحرب دول الخليج إلى تعزيز قدراتها والتكيف مع الواقع الجديد.