لوموند: هكذا قوت الحرب إيران بدلا من إضعافها

مفاوضات متعثرة بين الولايات المتحدة وإيران عقب الحرب- جيتي
مفاوضات متعثرة بين الولايات المتحدة وإيران عقب الحرب- جيتي
شارك الخبر
سلط تقرير لصحيفة "لوموند" الفرنسية الضوء على تعزيز الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تماسكها الداخلي وصلابة بنيتها السياسية والأمنية.

وقالت الصحيفة، في تقريرها الذي ترجمته "عربي21"، إن دونالد ترامب اعتقد أن بإمكانه إسقاط النظام الإيراني، غير أن الحرب التي يخوضها بالتنسيق مع إسرائيل قد أسهمت  في تعزيز صلابة مركز السلطة داخل إيران حول البُنى العسكرية والأمنية.

وأضافت الصحيفة، أن الحرب الإيرانية – العراقية (1980–1988) شكّلت أحد أبرز العوامل التي أسهمت في ترسيخ أركان الجمهورية الإسلامية الإيرانية الفتية، ففي السنوات التي أعقبت ثورة 1979، أتاح هذا الصراع للنظام تعزيز تماسكه الداخلي، وتهميش خصومه ثم إقصائهم تدريجيًا، إلى جانب تعبئة شرائح واسعة من المجتمع حول مشروع وطني وثوري جامع، فضلاً عن إخماد الأصوات المعارضة تحت ذريعة متطلبات الحرب وحالة الطوارئ التي فرضتها.

وبحسب الصحيفة فإنه يمكن تطبيق هذه القراءة على الحرب الأخيرة التي شنّتها إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران منذ 28 شباط /فبراير، قبل التوصل إلى وقفٍ هشّ لإطلاق النار في الثامن من نيسان/ أبريل؛ ففي الوقت الذي كان فيه كثيرون، وفي مقدمتهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يتوقعون أن يؤدي هذا التصعيد إلى إضعاف الجمهورية الإسلامية أو حتى التعجيل بانهيارها، جاءت النتائج في الاتجاه المعاكس تمامًا، إذ أسهمت في إعادة لحمة النواة الصلبة للنظام حول مؤسساته الأمنية والعسكرية، وفي صدارتها "الحرس الثوري".

وأوردت الصحيفة أن مجتبى خامنئي، البالغ من العمر 55 عامًا، عُين على رأس الجمهورية الإسلامية بعد أيام قليلة من وفاة والده، المرشد الأعلى السابق علي خامنئي، الذي قُتل في 28 شباط/فبراير خلال القصف الأميركي–الإسرائيلي، وذلك بسرعة لافتة ومن دون أي اعتراضات تُذكر.

وفي الظروف العادية، كانت عملية الخلافة ستستغرق وقتًا طويلاً من التفاوض وربما تشهد تنافسًا حادًا بين مختلف التيارات والفصائل. غير أنّ السياق الحربي، وما رافقه من أزمة شرعية داخلية عميقة عقب مجازر طالت مدنيين في كانون الثاني/ يناير، إلى جانب مخاطر تفتت النخب الحاكمة، دفع السلطة إلى تغليب منطق التماسك والاستقرار على أي انفتاح سياسي محتمل.

ومنذ نحو عشر سنوات، كانت عدة أسماء أخرى تُطرح لخلافة علي خامنئي، كما طُرحت حتى فكرة استبدال منصب المرشد الأعلى بمجلس جماعي. غير أنّ الحرب جاءت لتُقلّص بشكل حاد مساحة النقاش وتحدّ من هوامش أي تحول سياسي، ليأتي اختيار مجتبى خامنئي في إطار منطق يهدف بالأساس إلى تعزيز تماسك النواة الصلبة للنظام وترسيخ استمراريته.

وأفادت الصحيفة أن الحرب دفعت السلطة الإيرانية إلى إعادة تقييم عميقة لأهمية مضيق هرمز من الناحية الاستراتيجية. فبعد الضربات الأميركية – الإسرائيلية والإغلاق الفعلي الذي فرضته طهران للممر عقب اندلاع الحرب، أدركت السلطات أن سيطرتها على هذا الممر البحري تمنحها ورقة ضغط بالغة الأهمية. 

وقبل اندلاع الصراع، كان المضيق يؤمن مرور أكثر من 20 بالمئة من تجارة النفط والغاز والأسمدة في العالم. ومن خلال إثبات قدرتها على تعطيل هذا الشريان الحيوي بشكل مستدام باستخدام وسائل محدودة نسبيًا، مثل الطائرات المسيّرة والألغام والرقابة البحرية، استعادت إيران قدرًا من الثقة الاستراتيجية رغم العقوبات وعزلتها على الساحة الغربية.

وعلى الرغم من تفوقها العسكري، لم تتمكن الولايات المتحدة حتى الآن من إجبار طهران على إعادة فتح مضيق هرمز بشكل كامل. ولا تزال المفاوضات الرامية إلى إرساء وقف إطلاق نار دائم، وإعادة حركة الملاحة البحرية إلى طبيعتها في المضيق، وتسوية ملف 440 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 بالمئة، عالقة دون أي تقدّم يُذكر. وفي المقابل، تبدو طهران، التي ترى نفسها في موقع قوة، غير مستعدة لتقديم تنازلات جوهرية في هذه المرحلة.

اظهار أخبار متعلقة



واقع جديد

وبينت الصحيفة أن إغلاق مضيق هرمز أعاد وضع إيران في قلب المعادلة الدبلوماسية الإقليمية، وذلك رغم أن طهران لم تستثنِ أي دولة خليجية تحتضن قواعد أميركية من ضرباتها.

وفي هذا السياق، تبدو الجغرافيا وكأنها تستعيد ثقلها الحاسم؛ فبرغم التوترات القائمة، تجد عدة ممالك خليجية تعتمد على المضيق في تصدير مواردها الهيدروكربونية نفسها مضطرة إلى التكيّف مع النفوذ الإيراني والانخراط في تفاوض معه.

وتعكس المحادثات بين عُمان وإيران هذا الواقع الجديد. فبحسب التحذيرات المتكررة الصادرة عن البيت الأبيض ووزارة الخزانة الأميركية إلى مسقط، تبدو واشنطن قلقة بوضوح من احتمال قيام نوع من التعاون بين عُمان وطهران بشأن نظام "حق عبور" أو "رسوم عبور" في المضيق.

كما تفيد وكالة بلومبرغ بأن قطر تعارض فرض أي ضرائب دائمة على الملاحة في هرمز، لكنها لا تستبعد إمكانية التوصل إلى اتفاق بشأن "رسوم مؤقتة" تضمن إعادة انسياب حركة التجارة البحرية بشكل طبيعي.

ولم يعد المجتمع الإيراني، المنهك اقتصاديًا ومعنويًا بعد حرب دامية وما رافقها من مجازر، في هذه المرحلة قادرًا على التمرد. فشبه يوميًا، يتلقى الإيرانيون أنباء إعدامات تطال سجناء سياسيين، فيما تؤكد المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالشؤون الإيرانية ماي ساتو، أن هذه الإعدامات، التي تُستخدم لـ"بثّ الخوف في المجتمع وقمع الاحتجاجات"، قد تصاعدت بشكل ملحوظ منذ اندلاع الحرب.

وقد نُفّذ ما لا يقل عن 38 حكم إعدام بحق سجناء وُجهت إليهم تهم من قبيل "التعاون مع العدو" منذ 28 شباط/ فبراير، بالتوازي مع تصاعد الاعتقالات بتهم "التجسس" وتزايد عمليات مصادرة الممتلكات وفق الصحيفة.

وفي المقابل، يوظف النظام هذا الواقع لإظهار صورة القوة والتماسك، من خلال تنظيم تجمعات يومية في الساحات العامة لمدن إيران منذ بداية الحرب، حيث تُرفع شعارات التأييد للقوات المسلحة وللصراع ضد إسرائيل والولايات المتحدة. وتقدّم هذه المشاهد، من وجهة نظر طهران، دليلاً على وحدة وطنية متجددة واستعادة للشرعية الداخلية.

وفي ختام التقرير، نوهت الصحيفة بأنه على المدى القصير، تبدو الحرب قد عززت الجمهورية الإسلامية بدل أن تُضعفها. غير أن التحدي الأخطر الذي يواجه النظام يبقى اقتصاديًا بالأساس، إذ أن استمرار العقوبات دون أي انفراج محتمل مع واشنطن، إلى جانب التضخم المتسارع، وتراجع القدرة الشرائية، وارتفاع معدلات البطالة عوامل قد تتحول إلى تهديد أعمق وأكثر تأثيرًا على استقرار النظام من أي ضغط عسكري خارجي.
التعليقات (0)