اتهام فيلم "برشامة" بالإساءة للإسلام والإفلاس الأدبي.. ومدافعون: "يكشف التناقضات"

أرشيفية
أثار فيلم "برشامة" للممثل الكوميدي هشام ماجد، والممثلة ريهام عبدالغفور، جدلا واسعا عند عرضه بمنصات العرض عبر الإنترنت خلال عيد الأضحى، وذلك لما حمله من "إفيهات" اعتبرها مشاهدون مسيئة للدين والفقه الإسلامي ورموزه، ما اعتبره منتقدون: "إفلاس أدبي وانحدار فني".

الفيلم تجمع أغلب مشاهده لجنة امتحانات الثانوية العامة (منازل) داخل مدرسة حكومية بإحدى قرى الريف المصري، في أحداث بطلها هشام ماجد، بدور (عبدالحميد) القروي المتدين، وريهام عبدالغفور أو الراقصة "فاتن" التي تصحب ابنتها الرضيعة إلى لجنة الامتحان وتجمعها سيارة أجرة هي وعبدالحميد، فتبول رضيعتها على ملابسه، فتبدأ مفارقات عديدة على إثر تلك الواقعة.

وذلك إلى جانب الكوميدي الشاب مصطفى غريب في دور "حليلة" نجل عمدة القرية الذي يحلم والده "باسم سمرة"، بحصوله على الثانوية العامة لتوريثه المنصب، مع حاتم صلاح أو "حجاج" صاحب السوابق والسجين السابق، إلى جانب الممثل كمال أبورية، مراقب اللجنة المريض والذي يتعرض لإغماءة طويلة، فتتحول الأحداث إلى صراع بين عبدالحميد المتمكن من امتحان اللغة العربية والرافض للغش، وبين كل من في اللجنة.

إفيهات مثيرة للجدل


وتداول مشاهدو الفيلم عبر منصة "يانغو بلاي" عددا من الجمل والإفيهات التي قرأوا في سياقها إساءة لرمز وشخصيات وقضايا دينية، كالتالي:

حليلة: "على فكرة الغش حلال لو في الضرورة". عبدالحميد: "أنا دارس فقه ابن حنبل ومقالش كدة". حليلة: "للأمانة مش ابن حنبل اللي قال". عبدالحميد: "اومال ابن مين اللي قال؟". حليلة، ساخرا: "ابن عمي".

عبدالحميد: "خلينا نعمل الصح عشان ربنا يسترها معانا". حجاج: "منا بعمل الغلط وربنا بيسترها معايا وهو ده التحدي". عبدالحميد: "الغش أخرته النار هتتحرقوا". حليلة: "منا غشيت قبل كدة وما اتحرقتش".



عبدالحميد: "بس ده ما يرضيش ربنا". حجاج: "لا لا محنا هنتوب في الآخر، أنا ياما غلطت وتوبت واتقبلت تاني يوم". حليلة: "انت بتعرف؟ طب أنا توبت إمبارح اسأل لي".

حليلة: "مش عارف إيه الإصرار إننا ندخل النار، هيدوك بونص؟". حجاج: "قسماً بالله لو الجنة كدة لأخد جهنم بالحضن".

عبدالحميد: "انتي تعرفي ربنا منين دنتي لو موجودة أيام الكفار كان نزلك سورة زي سورة أبولهب". "ده كل غزوات التاريخ الإسلامي كانت هتبقى ضدك".

وذلك إلى جانب الخوض في مسائل فقهية مثل "بول الصغير" و"مصافحة النساء"، ونسب أقوال فيها لأئمة المسلمين مثل الإمام "أبوحنيفة النعمان" (699- 767)، والإمام "أحمد ابن حنبل" (780-855 م)، على نحو خاطئ.







مسار خطير


الجدل الواسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إثر تداول عدد كبير من المقاطع دفع حزب "النور" السلفي للتقدم بطلب إحاطة لـ"مجلس النواب"، ومطالبا السلطات بوقف عرض الفيلم.

وقال بيان للحزب: "تلاحظ انزلاق بعض المصنفات الفنية -ومنها فيلم برشامة- إلى مسار خطير يتجاوز حدود الترفيه المباح، ليسقط في فخ الجرأة والتهجم على العقيدة والشرع، عبر تمرير صدمات قيمية ومغالطات فقهية مغلفة بضحكات رخيصة... ".

وتحدث عن "تزييف الفقه وتشويه صورة الرموز الفقهية؛ عبر تقديم قوالب مشوهة تدعي التفقه وتفتي بالباطل"، و"زج أسماء الإمامين أبي حنيفة وابن حنبل في إفيهات رخيصة مبتذلة لتمرير مغالطات شرعية"، و"تسطيح مكانة الفقه الإلهي، والاستخفاف بمقام التوبة والوعيد الإلهي".

و"تجسيد مشاهد كاملة تظهر استخدام المساجد ومنابرها وميكروفوناتها كأدوات لتيسير الغش"، و"الوصول إلى ذروة التجاوز اللفظي بإعلان تفضيل جهنم علانية، والتعامل مع المعصية والستر الإلهي كنوع من الندية والتحدي مع الخالق عز وجل".


ولاقى موقف حزب النور من الفيلم، انتقادات واسعة، من إعلاميين مدافعين عن الفيلم مثل نشأت الديهي، ومن أصحاب التوجه العلماني، فيما وصلت الانتقادات حد قول معارضين: لماذا لم يخوض حزب النور ذات المواجهة في قضايا أخرى تهم المصريين، مشيرين لأزمات تمس ملايين المصريين كالغلاء والفقر ورفع الأسعار وأزمة المعتقلين السياسيين، إلى جانب تفاقم أزمات الدين الخارجي وبيع الشركات العامة والأراضي الاستراتيجية.

في غياب الإبداع


الكاتب والباحث الإعلامي خالد الأصور، وفي إجابته على السؤال: هل ترى الأمر فيه إساءة مقصودة أم أنه يأتي ضمن حالة الإفلاس الأدبي والأداء الفني الهابط الذي منيت به مصر السنوات الأخيرة؟، أشار في بداية تعليقه إلى أنه في الأصل وعدد كبير من المثقفين المصريين يقاطعون "السينما تماما والتليفزيون وقنواته تماما".

وأضاف لـ"عربي21": "ويقينا هذه المقاطعة هي انعكاس لحالة من (القرف العام) ليس الفني فقط"، متسائلا: "أين سيناريوهات وحوارات على مستوى أعمال: مصطفى محرم، وعبدالسلام أمين، وأسامة أنور عكاشة، وحتى بلال فضل".

ولفت إلى الحالة الفنية في دول أخرى قائلا: "لننظر إلى إيران، تلك الدولة المحاصرة الممنوع عنها التكنولوجيا، وهي وسيلة أساسية في صناعة السينما، والمحاصرة في تسويق أعمالها الفنية؛ ومع ذلك تفوز السينما الإيرانية بجوائز عالمية، مرارا وتكرارا، منها درة هذه الجوائز السعفة الذهبية لمهرجان (كان)"، مشيرا إلى فيلم (كان مجرد حادث) 2025.

وأكد أن "ذلك الفوز لم يكن عن طريق ميزانيات ضخمة، ولا تكنولوجيا وحيل سينمائية مبهرة، بل عن طريق قصة وسيناريو وإخراج وتمثيل مبهر، لقضايا إنسانية تخاطب العقل والروح، حتى ولو كانت كوميدية".

وختم بالقول: "ما يحدث عندنا ليس سينما بل عبث سينمائي، حتى السينما العبثية لها بعض المنطق والضوابط، عندنا سينما فوضى".

إظهار تناقض وليس سخرية


 وعلى الجانب الآخر وفي تعليقه، قال الناقد الفني جمال عبدالقادر: "عندما رأيت الفيلم لم أشعر بوجود إساءة للدين أو الرموز الإسلامية، والنص قائم على إظهار التناقض بين ما يقوله الناس ويؤمنون به، وبين ما يفعلونه، كأن يؤمنون بأن الغش حرام ومع ذلك يصرون عليه، وهذا ليس سخرية من الدين، بل على العكس هذا كشف لحجم التناقض".

 وفي حديثه لـ"عربي21"، أضاف عبدالقادر: "لو أن العمل به سخرية من الدين أو الرموز الدينية والمذاهب الإسلامية لم تكن الرقابة لتوافق عليه، وهي في الأساس تبحث دائما عن أسباب ومبررات لمنع الأعمال، خاصة وأنه ليس لدينا سقف حريات عالي يسمح بمناقشة كل شيء".

وأوضح أن "أغلب المعترضين رأوا مقاطع عبر مواقع التواصل الاجتماعي دون مشاهدة الفيلم كاملا، وسمعوا جملا خارج السياق، ففُهم الأمر كإساءة، وبدأ الهجوم على الفيلم رغم أنه موجود بالسينمات منذ عيد الفطر الماضي، وشاهده أكثر من 200 ألف مشاهد وحقق إيرادات أكثر من 200 مليون جنيه".




وتساءل: "هل كل من شاهدوا الفيلم لنحو 3 أشهر غير غيورين على الدين، وليس لديهم مانعا من إهانة الرموز الدينية والأحاديث النبوية، أم أن الأزمة في فهم البعض لحوارات مقتطعة من السياق، بينما هدف تلك الحوارات كشف تناقضات المجتمع".

ولفت إلى أنه "على سبيل المثال تقول إحدى الحوارات، حليلة: (الغش حرام بس إحنا هنغش، حد قالي الغش حلال). عبدالحميد: (أنا دراس مذهب ابن حنبل ولم يقول بذلك). حليلة: (ابن عمي الذي قال)، فقام عبدالحميد وضربه، وفي مشهد ساخر آخر، عبدالحميد: (ربنا هيعاقبك على الغش). حليلة: (غشيت قبل ذلك ولم يحدث لي شيء). عبدالحميد: (لن يأتي لك العقاب وقتيا)".

وخلص للقول: "يعني أن الكلام فيه صد ورد، والأزمة في الاقتطاع على طريقة لا تقربوا الصلاة، مخاطبا حزب النور الذي تقدم بطلب إحاطة للبرلمان بالقول: هناك مشاكل كثيرة اجتماعية واقتصادية أولى بطلبات الإحاطة تلك".

طبخة وباظت


ويرى متابعون أن هشام ماجد خطا مؤخرا خطوات واثقة وجدية تضعه على قمة صناعة الكوميديا في مصر، مشيدين بعدم سيطرته على العمل وإتاحة المساحة لغيره من الكوميديين، ولكن هناك من وجه انتقادات فنية لفيلمه "برشامة"، بأنه ابتعد فيه عن كوميديا الموقف واعتمد على الإفيه، مؤكدين أن الفكرة ليست بحجم ما قدم مسبقا من أفكار غير تقليدية وخارج الصندوق.

واعتبر الكاتب الصحفي والروائي عبدالرحمن عباس، أن "برشامة" أول "طبخة" غير جيدة لهشام ماجد، قائلا عبر "فيسبوك": "رغم أنه "من أذكى وأظرف ممثلين جيله فالفيلم بالنسبة لي (طبخة وباظت)"، مرجعا ذلك إلى أن "ماجد أسس مشروعه الفني على الخيال الواسع، وأفكار خارج الصندوق ومساحات حلوة من المتعة مثل (سمير وشهير وبهير)، و(حملة فريزر)، و(اللعبة)، و(أشغال شقة)".




وأكد أن "(برشامة)، لوكيشن فرض عليك من البداية رتم معين وكل الإفيهات والجمل متعلقة فقط بالغش والامتحان"، معتقدا أن "الخطأ الأكبر بالفيلم كمية النجوم"، موضحا أن هذه مخاطرة تحتاج ضبط الإيقاع حتى لا تقلب الكوميديا إلى سخف" مشيرا إلى أن الموقف قلب من المخرج خالد دياب، وملمحا إلى أن الفيلم لم يكن أكثر من تجميع لنجوم في "طبخة باظت".

وهنا يؤكد الناقد الفني جمال عبدالقادر، أن "هشام ماجد لم يبتعد عن كوميديا الموقف وعندما تقدم فيلما قصته قائمة على لجنة امتحان ثانوية عامة منازل بها نماذج مختلفة من المجتمع قروي ملتزم، وراقصة درجة ثانية، وسيدة بالمعاش، وشخص مسجل وسجين سابق، وابن عمدة معاق ذهنيا".

وأوضح أن "تركيبة هذه الشرائح ووجودهم بمكان واحد ومعهم مراقب لجنة مريض يغمى عليه ويظنون أنه توفي، كل ذلك يؤكد أن الفيلم قائم على كوميديا موقف، وموقف عبثي عن طريقه شرَّح هذه النماذج من المجتمع وأظهر التباين بين القول والفعل".

وأضاف: "الناس تعلم أن الغش حرام ومع ذلك تريد أن تغش لكي تنجح، ولكل منهم له سببه، فمنهم من تريد زيادة معاشها الشهري، ومن تريد التعيين سكرتيرة بدلا من أن تكون راقصة".

وأكد أن "هشام ماجد، يعطي فرصة لغيره وطوال الوقت يفعل ذلك ما يحسب له، فهو واثق من نفسه ويعطي مساحات لكل من حوله من ممثلين، وهذا كان واضحا في جزئي مسلسل (أشغال شقة)، بترك مساحة لمصطفى غريب، لأنه في الأصل العمل الفني قائم على العمل الجماعي لا الفردي".

والسينما المصرية من أقدم سينمات العالم، حيث تأسست مع بدايات ظهور "الفن السابع"، عالميا نهاية القرن الـ19 وبداية القرن الـ20، وشهدت فتراتها الذهبية مشاركات تاريخية مرموقة؛ كفيلم "دنيا" لمحمد كريم، بالدورة الأولى لمهرجان "كان" عام 1946، مع تواجد مستمر لأفلام يوسف شاهين لعقود.