رأت
تحليلات غربية أن الحرب التي خاضتها الولايات المتحدة ضد
إيران انتهت بإعادة
واشنطن إلى طاولة التفاوض دون تحقيق الأهداف التي أعلنتها عند اندلاعها، في وقت
تعززت فيه أوراق الضغط الإيرانية.
وأكدت
صحيفة الغارديان البريطانية أن الحرب التي شنها الرئيس الأمريكي
دونالد ترامب ضد إيران
لم تحقق الأهداف التي أعلنها، بل أعادت واشنطن إلى النقطة ذاتها التي كانت تقف عندها
قبل اندلاع المواجهة، بعدما اضطر البيت الأبيض للعودة إلى مسار التفاوض بشأن البرنامج
النووي الإيراني وسط ظروف أكثر تعقيدًا من السابق.
وأشارت
الصحيفة، في مقال للمدير التنفيذي السابق لمنظمة هيومن رايتس ووتش كينيث روث، إلى أن
ترامب قدم مثالًا على فشل إدارة التفاوض مع الأزمات الدولية، موضحة أن الرئيس الأمريكي
انتقل إلى الخيار العسكري قبل استنفاد الحلول السياسية، ليجد نفسه لاحقًا مضطرًا للبحث
عن مخرج دبلوماسي للحرب التي اختار خوضها.
ولفتت
إلى أن ترامب يراجع حاليًا مسودة مذكرة تفاهم صاغها دبلوماسيون أمريكيون وإيرانيون
بوساطة من قطر وباكستان، وتهدف إلى تمديد وقف إطلاق النار لمدة ستين يومًا تمهيدًا
للتوصل إلى اتفاق دائم. ورغم عدم الإعلان عن جميع تفاصيل المذكرة، فإن مضمونها الأساسي،
بحسب الصحيفة، يكشف أن الحرب لم تحقق أي مكاسب سياسية أو استراتيجية للولايات المتحدة.
وأكدت
الغارديان أن أفضل طريقة لفهم المأزق الحالي تتمثل في مقارنة ما تحقق بعد الحرب بما
كان يمكن تحقيقه عبر المسار الدبلوماسي. فترامب كان يؤكد أن هدفه منع إيران من امتلاك
سلاح نووي، بينما كانت طهران تنفي باستمرار سعيها لإنتاج قنبلة نووية، ما جعل القضية
الأساسية تتمثل في منعها من امتلاك الوسائل التقنية التي تمكنها من تصنيع هذا السلاح
مستقبلاً.
وأوضحت
الصحيفة أن الاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما عام 2015
كان قد نجح في فرض قيود صارمة على
البرنامج النووي الإيراني من خلال تقليص عمليات التخصيب
وإخضاع المنشآت لرقابة دولية دقيقة، وهو ما حدّ من قدرة إيران على تطوير سلاح نووي.
وأضافت
أن خطة العمل الشاملة المشتركة فرضت سقفًا لتخصيب اليورانيوم عند نسبة 3.67 بالمئة
فقط، وهي نسبة بعيدة جدًا عن مستوى التسعين بالمئة المطلوب لإنتاج سلاح نووي، كما تم
نقل كميات كبيرة من اليورانيوم الإيراني منخفض التخصيب إلى روسيا، ما جعل إنتاج قنبلة
نووية أمرًا بالغ الصعوبة.
اظهار أخبار متعلقة
لكن
الغارديان أشارت إلى أن انسحاب ترامب من الاتفاق النووي عام 2018 أدى إلى إزالة هذه
القيود بالكامل، ما أتاح لإيران توسيع برنامجها النووي ورفع مستويات التخصيب إلى نحو
60 بالمئة، وهو مستوى اعتبره خبراء قريبًا جدًا من العتبة المطلوبة لصناعة السلاح النووي.
وأكدت
الصحيفة أن المفارقة تكمن في أن ترامب يحاول اليوم التوصل إلى اتفاق يعيد إيران إلى
الالتزامات نفسها التي كانت قد وافقت عليها خلال عهد أوباما، عبر خفض مستويات التخصيب
والتخلص من مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، وهي النقاط التي كانت مطروحة بالفعل على
طاولة المفاوضات قبل أن يقرر اللجوء إلى الحرب.
وأشارت
إلى أن الرئيس الأمريكي كان يراهن على أن الضربات العسكرية والعقوبات الاقتصادية ستجبر
إيران على تقديم تنازلات كبيرة، خاصة في ظل الدعم الذي تلقاه من رئيس الوزراء الإسرائيلي
بنيامين نتنياهو، الذي كان يفضل الحل العسكري على المسار التفاوضي.
ورأت
الغارديان أن هذه الرهانات لم تتحقق، بل جاءت النتائج معاكسة للتوقعات، إذ عززت عمليات
الاغتيال والقصف نفوذ التيار المتشدد داخل إيران، وخاصة الشخصيات المرتبطة بالحرس الثوري،
بدلًا من إضعاف النظام أو دفعه إلى تقديم تنازلات سياسية.
وأضافت
أن الرهان على اندلاع انتفاضة شعبية داخل إيران سقط هو الآخر، إذ انشغل الإيرانيون
خلال الحرب بمواجهة تداعيات القصف والبحث عن الأمن، بدلاً من الانخراط في احتجاجات
جديدة ضد السلطة.
وأكدت
الصحيفة أن ترامب لم يمتلك خطة بديلة في حال فشل الخيار العسكري، مشيرة إلى أنه أعلن
تدمير القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة الإيرانية، بينما أظهرت الوقائع أن معظم
الترسانة الإيرانية بقيت قائمة، في وقت استنزفت فيه الولايات المتحدة جزءًا مهمًا من
مخزونها العسكري.
كما
أشارت إلى أن الحرب منحت إيران ورقة ضغط استراتيجية جديدة مرتبطة بمضيق هرمز، الذي
يمر عبره نحو خمس إمدادات العالم من النفط والغاز الطبيعي المسال، إضافة إلى سلع استراتيجية
أخرى. واعتبرت الصحيفة أن التهديد بإغلاق المضيق أصبح أكثر واقعية بعد الحرب، بما يحمله
ذلك من مخاطر كبيرة على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.
وأضافت
أن الهجمات التي استهدفت منشآت نفطية وغازية في دول الخليج ساهمت في زيادة المخاوف
من اضطرابات طويلة الأمد في أسواق الطاقة، ما وضع الإدارة الأمريكية أمام ضغوط اقتصادية
وسياسية متزايدة.
وأكدت
الغارديان أن ترامب يدرك حساسية ارتفاع أسعار الوقود بالنسبة للناخب الأمريكي، خصوصًا
مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، الأمر الذي دفعه إلى إعطاء الأولوية لإعادة فتح
مضيق هرمز وضمان استمرار تدفق النفط، حتى لو جاء ذلك على حساب الملفات التي أعلن أنها
السبب الرئيسي للحرب.
وأشارت
إلى أن القضايا الأساسية المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني لا تزال مؤجلة إلى جولات
تفاوض لاحقة، في حين غابت ملفات أخرى تحدث عنها ترامب مرارًا، مثل برنامج الصواريخ
الباليستية الإيراني ودعم طهران لحلفائها الإقليميين، عن مسودة الاتفاق المطروحة حاليًا.
ورأت
الصحيفة أن المفاوضات الجديدة تعكس تراجعًا في الموقف الأمريكي مقارنة بالفترة السابقة
للحرب، إذ أصبحت إيران تتعامل مع واشنطن من موقع أكثر قوة، مستفيدة من حاجة الإدارة
الأمريكية الملحة إلى استقرار أسواق الطاقة وإعادة فتح طرق الملاحة.
وأضافت
أن طهران باتت تطالب بالإفراج عن أصولها المالية المجمدة ورفع جزء من العقوبات المفروضة
عليها قبل العودة إلى التفاوض بشأن الملف النووي، كما تطرح مطالب مرتبطة بتمويل إعادة
الإعمار بعد الحرب.
وفي
السياق ذاته، أشارت الغارديان إلى أن إيران تطالب أيضًا بربط أي اتفاق جديد بوقف العمليات
العسكرية الإسرائيلية في لبنان، معتبرة أن الحرب الدائرة هناك لا يمكن فصلها عن التفاهمات
الإقليمية الأوسع.
وأكدت
الصحيفة أن إسرائيل كثفت عملياتها العسكرية في لبنان بالتزامن مع الحديث عن مذكرة التفاهم
الجديدة، مشيرة إلى استمرار الضربات الجوية والتوغل في مناطق جنوبية، رغم وجود ترتيبات
لوقف إطلاق النار.
ورأت
الغارديان أن أحد أبرز الدروس المستفادة من هذه الأزمة يتمثل في ضرورة التخلي عن سياسة
الحروب المفتوحة والاعتماد على التفاوض كخيار أساسي لمعالجة الأزمات الدولية، معتبرة
أن تفضيل القوة العسكرية على الحلول السياسية أدى إلى تفاقم المشكلات بدلًا من حلها.
وأكدت
أن الولايات المتحدة لا تزال تمتلك أدوات ضغط فعالة على إيران من خلال العقوبات الاقتصادية
والأصول المجمدة، وهو ما يمنحها إمكانية التوصل إلى اتفاق تدريجي ومتوازن دون الحاجة
إلى اللجوء للمواجهة العسكرية.
وختمت
الصحيفة بالإشارة إلى أن أي تسوية واقعية يجب أن تركز على الهدف الأساسي المتمثل في
منع إيران من امتلاك القدرة على إنتاج سلاح نووي، عبر الجمع بين التخصيب المحدود والرقابة
الدولية الصارمة وآليات التخلص من مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، معتبرة أن هذا المسار
كان متاحًا قبل الحرب وما زال متاحًا بعدها.
وخلصت
الغارديان إلى أن ترامب قد يجد صعوبة في إقناع الرأي العام بأن ما جرى يمثل انتصارًا
سياسيًا أو عسكريًا، مؤكدة أن الوقائع الحالية تشير إلى أن الولايات المتحدة عادت إلى
طاولة التفاوض بعد حرب مكلفة، دون أن تحقق الأهداف التي أعلنتها عند بدايتها.