انقسام خامس بـ"الحركة المدنية" المعارضة للسيسي.. هل يُنهى تحالف الليبراليين واليسار؟

حزب "العدل" دعا إلى تقييم تجربة الحركة والتفكير جديا في إنهائها بعد أحدث أزماتها الداخلية- الأناضول
تشهد "الحركة المدنية الديمقراطية"، انقساما هو الخامس بين مكونيها الرئيسيين من أحزاب ليبرالية ويسارية منذ تأسيسها 13 كانون الثاني/ديسمبر 2017 كجبهة معارضة لسياسات رئيس النظام عبدالفتاح السيسي، ما يدعو للتساؤل حول مستقبل "الحركة" ومآلات التحالف الذي يمثل النخب المعارضة في الداخل، دون ظهير شعبي واضح.

ومن أحزاب التيار الليبرالي في الحركة: "المحافظين"، و"الإصلاح والتنمية"، و"الدستور"، و"العدل"، لتشكل أحزاب: التحالف الشعبي، والكرامة، والعيش والحرية، والعربي الناصري، وغيرها أهم ما في المكون اليساري بالحركة التي تضم 12 حزبا.

سلسلة من الأزمات

الانقسام بين التيارين المؤسسين للحركة، (الليبرالي) و(اليساري)، تفجرت أولى وقائعه في آب/أغسطس 2022، مع أزمة انتقادات متبادلة بين الناشط والناشر الليبرالي هشام قاسم، والوزير الأسبق للقوى العاملة اليساري كمال أبوعيطة، والتي أدت إلى سجن الأول في ٢٦ أيلول/سبتمبر عام ٢٠٢٣, مدة ٦ أشهر.

حينها دار سجال كبير بين اليساريين والليبراليين المصريين، بدأ بتصريح لأبوعيطة قال فيه: "اشتم رائحة أجندات أجنبية داخل التيار الليبرالي الحر نتيجة وجود هشام قاسم"، ليرد الأخير بالقول إن أبوعيطة، تورط باختلاس المال العام، واضطر لسداد تلك الأموال لغلق قضيته، ليتم اتهام قاسم، بالسب والقذف في قضية انتصر فيها اليسار على الليبراليين، وانتهت بحبس زعيم "التيار الليبرالي الحر" نصف عام.

أزمة الانقسام الثانية، جاءت على خلفية الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي انعقدت كانون الأول/ديسمبر 2023، حيث دعت أحزاب: (الاشتراكي المصري، والتحالف الشعبي، والدستور، والشيوعي المصري، والعيش والحرية، والعربي الناصري، والكرامة، والمحافظين، والوفاق) إلى عدم المشاركة ومقاطعة الانتخابات، كونها بـ"لا ضمانات".

على الجانب الآخر، قرر حزبا "المصري الديمقراطي"، و"العدل" المشاركة، وقدم الأول رئيس الحزب فريد زهران كمرشح رئاسي، "مكملا لديكور العملية الانتخابية هو ورئيس حزب الوفد حينها، عبدالسند يمامة، أمام السيسي"، وفق وصف المعارضة، وذلك في أزمة شهدت سجالا واسعا بين الرافضين والمؤيدين، دفعت بالحزبين الأخيرين لتجميد عضويتهما بالحركة.

وهو الانقسام الذي تكرر خلال عام 2025، أثناء انعقاد الانتخابات البرلمانية لاختيار أعضاء مجلسي "الشيوخ"، و"النواب"، إذ أعلنت الحركة المدنية رفضها القاطع خوض الانتخابات بالتنسيق مع أحزاب الموالاة (مستقبل وطن، وحماة الوطن، والجبهة الوطنية، والشعب الجمهوري) أو الأجهزة الأمنية.


لتفضل شخصيات ليبرالية وأحزاب مثل "الإصلاح والتنمية" ضم مرشحيها لـ"القائمة الوطنية"، ليفوز الحزب الذي يترأسه محمد أنور السادات من العائلة المصرية الشهيرة بـ9 مقاعد في مجلس النواب، و5 مقاعد بمجلس الشيوخ؛ لتتصاعد الأمور مع تبرؤ الحركة المدنية من نواب ومستقلين ادعوا تمثيلها بالبرلمان بعد فوزهم في الانتخابات.

وشهد أيار/مايو 2024، أزمة داخلية معقدة حول مستقبل الحركة وتشكيلها الداخلي، كشفت عنها منصة "فكر تاني"، حيث رأي فريق بضرورة هيكلة الأبعاد الإدارية وتوزيع المناصب وتفعيل لجان جديدة دائمة، فيما طالب معسكر الشباب بالتركيز على المضمون لا الشكل، مطالبين بضخ دماء جديدة وتوضيح سياسة الحركة وبوصلتها للفترة المقبلة.

الأزمة الأخيرة.. هل تكون النزاع الأخير؟

الأزمة الخامسة، وهي الأحدث، والتي تفجرت بين التيارين بسبب بيان "الحركة المدنية" الرافض لقرار السلطات المصرية الشهر الماضي، بهدم قصر على نيل القاهرة لرئيس حزب "المحافظين" الليبرالي أكمل قرطام، معتبرة أن هدم القصر يمثل "خروجا عن الدستور وتجاهلا لأحكام القانون"، ومشبهة الواقعة بما يجري في جزيرتي "الوراق" و"القرصاية".

ما تبعه سيل من الانتقادات قادته أحزاب يسارية وشخصيات ورموز محسوبة عليها، بدعوى عدم استشارتها في البيان، إلى جانب مساواة النص بين قضية الملياردير المصري وأزمة تهجير الحكومة لأهالي جزيرتي "الوراق" و"القرصاية" بنهر النيل، ما دفع الحركة لحذف البيان، والاعتذار عنه.

وفي انتقاده، شدد رئيس حزب "التحالف الشعبي الاشتراكي" مدحت الزاهد على أهمية الالتزام بآليات التشاور والحوار داخل الحركة، مؤكداً في تصريحات صحفية أن أي بيانات أو مواقف يفترض أن تكون نتاج توافق بين مكوناتها المختلفة.

وفي حين انتقد نقيب الصحفيين اليساري خالد البلشي، البيان، معتبراً أنه يعكس "خللاً سياسياً" في ترتيب الأولويات، وجه سهام نقده إلى رجل الأعمال أكمل قرطام الشخصية التي صدر البيان لدعمها، مشيرا إلى أن الحركة تجاهلت -بحسب تعبيره- قضايا عشرات الصحفيين الذين فقدوا وظائفهم أو لم يحصلوا على حقوقهم المالية في مؤسسات يملكها "قرطام".

زاد الموقف تأزما، إعلان حزب "العدل" -(ليبرالي) يترأسه عضو مجلس النواب عبدالمنعم إمام- الانسحاب الكامل والنهائي من الحركة، ودعوته كافة الأطراف والشركاء لإجراء تقييم موضوعي لمسيرتها ومستقبلها، ومطالبته بالتفكير الجاد في إنهاء التجربة وحلها.

لذلك يرى مراقبون أن "الأزمة الأخيرة تظل كاشفة عن حجم التباينات داخل مكونات الحركة، وقد تكون النزاع الأخير الذي يعصف بمستقبلها مع تصاعد ردود أفعال الجانبين).

الأمر الذي يدعو للتساؤل: هل أوشكت الحركة المدنية الديمقراطية على الانقسام؟، وهل اقترب تحالف الليبراليين واليسار في مصر من خط النهاية؟، وكيف تعود تلك الحالة على النظام المصري؟.

عدد من أعضاء الحركة من الليبراليين واليساريين، فضلوا عدم الإجابة على تساؤلات "عربي21"، مشيرين إلى أنهم يواجهون "موقفا حرجا" ولا يستطيعون "التصريح الآن حول ما يجري داخل الحركة من تباينات حتى موعد الاجتماع القادم الجمعة المقبلة، بمقر حزب "المحافظين" بحي جاردن سيتي بالقاهرة.

سلبيات جسيمة.. ومحاولة إنقاذ

أحد رموز الحركة المدنية الديمقراطية في مصر الدكتور سمير عليش، تحدث إلى "عربي21"، قائلا: "نعم هناك سلبيات جسيمة في أسلوب التصدي للخلافات في وجهات النظر داخل الحركة المدنية الديمقراطية مما يهدد تماسكها".

القيادي بحركة "كفاية"، وعضو مجلس أمناء "الحركة المدنية"، كشف عن حراك يجري خلف الكواليس لرأب الصدع، مؤكدا أنه "تجرى حاليا مناقشات تفصيلية مع بعض القيادات بالحركة من ذوي المصداقية والقبول لدى كافة التيارات داخل الحركة".

ولفت إلى وجود مساعي "قد تنتهى إلى وضع حلول جذرية لمثل تلك الأحداث؛ حتى يمكن استمرار الجبهة في تحقيق أهدافها مع تعزيز قدراتها مستقبلا في التصدي لمثل تلك الخلافات، فضلا عن تطوير أعمالها مما يعمق تأثيرها في الحياة السياسية".

تحالفات فضفاضة

الأكاديمي المصري ذو التوجه اليساري، الدكتور مصطفى الجمال، وفي رؤيته قال لـ"عربي21": "كل هذه التحالفات الفضفاضة بين أخلاط محكوم عليها بالفشل؛ لأنها يستحيل أن تجتمع على برنامج وسياسات جذرية، ومن ثم لا تستطيع أكثر من البيانات الشكلية التوفيقية والفعاليات النخبوية المحدودة".

وأضاف: "لا يمكن لتحالف فضفاض كهذا أن ينجح دون أن تقوده كتلة يسارية وناصرية موحدة، مما يساعد على انضواء الآخرين وراء هذه الكتلة الفعالة"، فيما خلص للقول: "يجب أن يتحرك اليسار ككتلة واحدة مما يجبر الليبراليين واليمينيين على التوقف عن التلاعب مستندين إلى سطوة المال".

تهاوى الكيان مسألة وقت

وفي قراءته للمشهد، قال الكاتب الصحفي والمحلل السياسي محمد فخري: "في البداية لابد من الإشارة إلى أن التحالف المسمى بالحركة المدنية الديمقراطية هو تحالف نخبوي إعلامي بلا ظهير شعبي حقيقي، وهو ما يتجلى مع مشاركة أي من أطراف التحالف في أي انتخابات".

الأمر الثاني بحسب حديث فخري، لـ"عربي21": "انتحال مسمى (التيار المدني) أو (الحركة المدنية) وقصرهما على قطاعات بعينها من الليبراليين أو اليساريين هو أمر مخادع ومنافي للحقيقة، ويعمد إلى إقصاء الملايين وتشويههم بزعم أن ما دون تيارهم المدني هم: قوى الرجعية من أحزاب السلطة العسكرية، والتيارات الدينية الثيوقراطية، وهذا كله أمر مدلس وغير شريف".


وأشار ثالثا إلى أن "الوقائع والأحداث تثبت أن شخصيات ذلك التيار المشكل من اليمين واليسار كانوا في تحالف مع المؤسسة العسكرية واستخدمتهم كغطاء شعبي في (جبهة ٣٠ يونيو) حتى وصل النظام إلى السلطة، ثم بدأ في إقصائهم؛ ورغم ذلك ظلوا يتعلقون بأهداب السلطة التي لفظتهم".

وأكد أن "خير دليل على ذلك، ما حدث في الإفطار الرمضاني لتلك الشخصيات -حزيران/يونيو 2018 بالنادي السويسري بالجيزة- والذي انتهى بتخريبه وإصابة فريد زهران بـ٩ غرز في رأسه من قبل المتعاونين مع الأمن، رغم أن بعضهم أعلن أنهم كانوا بصدد إصدار بيان لدعم وتثمين مبادرة للسيسي، في حين لم تمنع التسع غرز فريد زهران نفسه من الدخول كمنافس صوري في انتخابات الرئاسة التي حاكها النظام فيما بعد".

وختم بالقول: "مما سبق وبالإضافة إلى العديد من الأحداث تكشف حجم التباين والتناقض في المصالح والمرجعيات بين اليمين واليسار، لذلك أرى أن المسألة مسألة وقت حتى يتهاوى الكيان الواهن وتسقط اللافتة المنتحلة".

المستفيد الأول

وفي حين أكد أحد المنتمين لتيار اليسار، -فضل عدم ذكر اسمه- أن "النظام المصري هو المستفيد الأول من هذا التباين واحتمالات الانقسام"، مشيرا إلى أدوار عديدة أزعجت السلطات المصرية من الحركة.

ولفت إلى "مطالبة الحركة الدائمة بالإفراج عن سجناء الرأي، ومشاركتها بالحوار الوطني، ومحاولاتها تفعيل عمل لجنة العفو الرئاسي، وتعديل قوانين الحبس الاحتياطي، ووقف ظاهرة (تدوير المعتقلين)، وتدشين (لجنة الدفاع عن المعتقلين وسجناء الرأي) في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، وتنظيم فعاليات تضامنية لدعم أسر المعتقلين الشهر الماضي".

ومع دعوة السيسي، 24 نيسان/أبريل 2022، إلى أول حوار وطني، استجابت الحركة المدنية وشاركت في لجان حوار بدأ 5 تموز/يوليو 2022، ودعت لإطلاق سراح معتقلي الرأي من التيار المدني، لتهدد في تموز/يوليو 2023، بالانسحاب إثر تزايد وتيرة الاعتقالات لشخصيات محسوبة على ذات التيار.

وفي كانون الثاني/يناير 2025، ونيسان/أبريل الماضي، قدم وفد من الشخصيات العامة ورؤساء الأحزاب والمحامين، من أعضاء "لجنة الدفاع عن سجناء الرأي"، مذكرتين لمكتب النائب العام المصري، بشأن أوضاع المحبوسين على ذمة قضايا رأي، مجددين المطالبة بالإفراج عنهم، والعمل على تبييض السجون منهم بشكل كامل.

وفي 12 أيار/مايو الماضي، دشنت "لجنة الدفاع عن سجناء الرأي" التابعة للحركة المدنية معرضاً للصور بمقر حزب "العيش والحرية" بعنوان "السجن مش مكانهم" للتضامن مع المحبوسين في قضايا الرأي والمطالبة بالإفراج عنهم.


وهو الحراك الذي أزعج السلطات الأمنية المصرية ودفعها للتحرك السريع بتوقيف بعض أهالي المعتقلين الذين شاركوا بالمعرض واستدعاء آخرين وتهديدهم، مع توقيف 3 من قيادات اللجنة والأعضاء بالحركة، وإخلاء سبيل 2 وحبس الثالث.

دور ضئيل لا يعول عليه

على الجانب الآخر، قال أحد الصحفيين المصريين –فضل عدم ذكر اسمه- إن "هذه حركة هي والعدم سواء، ودورها ضئيل ومبتذل"، ملمحا في حديثه لـ"عربي21"، إلى أنها "مجرد نخب متضاربة لا ظهير شعبي لها ولم تقدم شيئا طيلة 9 سنوات"، متسائلا: "هل يمكن تدشين شيء في مصر إلا بأمر أو طلب من السلطة العسكرية؟".

وأوضح رؤيته بالقول: "لما خرجت الحركة عن المرسوم لها بتدشين فعاليات لأسر المعتقلين 13 أيار/مايو الماضي، تم اعتقال 3 من رموزها 25 أيار/مايو الماضي، هم: وفاء المصري وحنان الطنطاوي (أفرج عنهما في ذات اليوم)، ومحمد أبوالديار (جرى حبسه)".

وأكد أن "تلك النخب فاقدة للدول الحقيقي، ورغم ما تملكه من قنوات سياسية وأحزاب قائمة وصحف ومنابر إعلامية وشخصيات معروفة وذات تأثير سابق"، خاتما بالقول: "وجودها لم يغير من المشهد، وغيابها لن يؤثر".