صحف تابعة لحميدتي وإثيوبيا تزعم إنهاء الحضور العسكري لمصر بجنوب السودان؟

اعترفت مصر بجنوب السودان فور انفصاله 9 تموز/يوليو 2011- جيتي
زعمت صحيفة تابعة لمليشيات "الدعم السريع" في السودان، وموقع بحثي إثيوبي ممول من الإمارات، أن دولة جنوب السودان، قامت بإغلاق قاعدة عسكرية مصرية بمنطقة "جوت" بولاية أعالي النيل، جنوب السودان، وغرب إثيوبيا.

وفي حين نفت القاهرة وجوبا وجود تلك القاعدة من الأساس في حزيران/يونيو 2020، تزعم تقارير إثيوبية تواجد قوات مصرية منذ العام 2020، في ممر (جوت-باغاك) بولاية أعالي النيل عند ملتقى حدود جنوب السودان، والسودان، وإثيوبيا، وقرب روافد النيل الأزرق التي تغذي سد النهضة الإثيوبي الذي يشهد نزاعا مصريا سودانيا حوله مع إثيوبيا.

صحيفة "سوادن تايمز" السودانية، كتبت الأحد الماضي، تقول إنها "خطوة تنهي وجود القاهرة العسكري بالقرب من الحدود الإثيوبية"، بينما قدم مركز "هورن ريفيو" الإثيوبي، الاثنين الماضي، تحليلا مطولا حول الخبر.

وتقول "سوادن تايمز"، إن "القرار يثير تساؤلات حول تداعياته السياسية والاستراتيجية، خاصة مع توترات طويلة الأمد محيطة بالسد الإثيوبي، والمنافسة على النفوذ بين القاهرة وأديس أبابا بالقرن الأفريقي"، و"يثير حالة من عدم اليقين بشأن مستقبل التعاون العسكري والأمني بين القاهرة وجوبا".

وبشأن ما يثار حول إغلاق جنوب السودان للقاعدة المصرية في باجاك، أشار التحليل الإثيوبي إلى دور أديس أبابا بدعم جوبا للانفصال عن الخرطوم، موضحا أن القاهرة عقب انفصال 2011، سعت لتعزيز علاقاتها مع جنوب السودان بمساعدات البنية التحتية، مبينا أن جوبا في المقابل، حاولت الحفاظ على توازن دقيق بين أديس أبابا والقاهرة.

وأوضح التحليل الذي قدمه المركز البحثي التابع للخارجية الإثيوبية أن "احتمال إغلاق قاعدة باجاك يشير إلى أن هذا التوازن قد مال بشكل حاسم نحو أديس أبابا"، مبينا أن "التواجد المصري بالنسبة لإثيوبيا ليس مجرد مركز استخباراتي سلبي، بل نقطة تهديد محتملة قرب المداخل الغربية للسد".


ويرى أن "الإغلاق المحتمل لمعبر باجاك يُحافظ على القدرات الدبلوماسية التي اكتسبتها إثيوبيا بتصديق جنوب السودان على اتفاقية عنتيبي"، مؤكدا أن "العودة إلى حالة عدم الاستقرار بالوكالة ستُكبّد جوبا وأديس أبابا خسائر فادحة".

وألمح في المقابل إلى الحضور العسكري المصري بالصومال، عبر اتفاقية الدفاع في آب/أغسطس 2024، ونشر قوات مصرية ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي في 2025، وحضور القاهرة في إريتريا، باتفاقيات تطوير الموانئ والتفاهمات اللوجستية حول ميناء عصب، وفي جيبوتي، والسودان بالتنسيق العسكري مع جيش الخرطوم.

وتوقع التحليل ألا يُمثل هذا نهايةً للانخراط المصري مع جنوب السودان، أو يُشكل قطيعةً شاملةً بالعلاقات الثنائية، ملمحا لاحتمالات أن تُعدّل القاهرة نهجها، لكنه يرى أن هذه الحادثة تشير لانكماشٍ قدرة مصر على بسط نفوذها بعمق حوض النيل، في وقتٍ بات فيه هذا النفوذ بالغ الأهمية".

وبحسب مركز "Europe External Programme with Africa" ومقره بلجيكا يحذر الخبراء من أن جنوب السودان يتجه نحو صراع أكثر خطورة من حربه الأهلية عام 2018، حيث يتضافر الانهيار الاقتصادي والجماعات المسلحة المتشرذمة والعسكرة الإقليمية لتقويض سلطة الدولة وخطر إشعال عنف أوسع نطاقاً.

موضع شك

ويرى محللون ومتحدثون لـ"عربي21" أن إسناد الخبر إلى صحيفة تابعة لمليشيات "الدعم السريع" في السودان، وتقديم موقع بحثي إثيوبي ممول من الإمارات تحليلا موسعا له في اليوم التالي يثير الشكوك، فيما قالت جريدة "الأمة" الإلكترونية إن "إثيوبيا توظف سلاح الشائعات لتوتير العلاقات بين مصر وجنوب السودان".

وقال الصحفي التركي أوموت شاغري ساري إن "أبواق أبوظبي، روجت لخبر مفاده أن إثيوبيا ضغطت على جوبا لإغلاق قاعدة مصرية في أراضيها‏"، مؤكدا أن "هذا خبر مضلل، يهدف لتضخيم صورة النظام الأثيوبي الهش"، مضيفا: بغض النظر عن وجود قوات مصرية هناك؛ ‏لكن لو كان آبى أحمد يمتلك هذا النفوذ حقا، لكان الأجدر به وقف التواجد العسكري المصري في الصومال وإريتريا".

مصدر سوداني، قال لـ"عربي21": "لم أجد مصدرا موثوقا للوقوف على صحة الخبر وتأكيده"، مبينا أن "موقع (سودان تايمز) جزء من الشبكة الدعائية للدعم السريع، بالتالي فإن تسريب الخبر عبر صفحته، وإعادة تدويره عبر المنصات التابعة لمحمد حمدان دقلو (حميدتي) لافت بالنسبة لي".

الباحث والخبير بالشأن الأفريقي الذي فضل عدم الكشف عن اسمه حفاظا على أمنه، أضاف أن "(هورن ريفيو) مركز بحثي تأسس عام 2021، في أديس أبابا، ومتخصص بقضايا القرن الأفريقي، وتابع للخارجية الإثيوبية، كما أنه ممول إماراتيا"، مبينا أنه ولذلك فإن انفرادهما بالخبر وترويجهما له يدعو للشك والريبة خاصة وأن لهم منه أهداف".

وأكد أنه "رغم تلك الأنباء؛ فلم يتأكد وجود قاعدة عسكرية مصرية بهذه المنطقة؛ وما أفهمه أنه يوجد انتشار لقوات مصرية بإطار بعثة الأمم المتحدة ولكن قاعدة مستقلة اعتقد أنه تضخيم إثيوبي مقصود"، ملمحا إلى "عدم وجود تأكيد رسمي وموثوق؛ لأن مثل هذه التسريبات مجرد فخاخ لها أهدافها خاصة مع تضخيم الإعلام الإثيوبي للخبر غير المؤكد؛ وذلك له مغزاه".


ويرى محللون أنه "لو صح الخبر، فتعد هذه الضربة الثانية من جوبا، للقاهرة، بعد انضمام جنوب السودان لاتفاقية "عنتيبي"، تموز/يوليو 2024، بالمخالفة لموقف مصر من اتفاقية تقودها إثيوبيا وتسلب مصر بعض حقوقها التاريخية بمياه النيل، وفي انحياز هو الثاني إلى إثيوبيا، خلال نحو عامين.

وسبق الحديث غير المؤكد رسميا عن غلق جوبا القاعدة العسكرية المصرية لديها، تقديم حكومة جوبا في نيسان/أبريل الماضي، شكوى غير مسبوقة منها بحق مصر للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بشأن أوضاع مواطنيها اللاجئين في مصر، على خلفية عمليات ترحيل قسري.

ابتزاز وتحريض ومطاردة

الخبير في الشؤون الأفريقية والأكاديمي المصري الدكتور مصطفى الجمال، وفي قراءته للمشهد المصري بشرق أفريقيا والقرن الأفريقي، أعرب عن أسفه من أن "كل دول حوض النيل تعودت على ابتزاز مصر، بعد أن فقدت القاهرة مواضع أقدامها الحقيقية منذ عهد الرئيس أنور السادات بكل القارة".

وقال: "وبالتالي كل دول شرق أفريقيا والقرن الأفريقي عندما يشعرون أن النظام المصري (مدلوق) أو يخطب ودهم يعدونه ثم يستخدمون ذلك لابتزاز مساعدات أخرى من دول عربية وبالتحديد الإمارات التي تطارد النفوذ المصري في كل شرق أفريقيا".

وأضاف: "حتى ما حدث من تقارب مصري مع الصومال بالعامين الأخيرين قد نفاجأ في أي وقت بتوتر العلاقات؛ ما يشير إلى وضعنا المذري بالقارة السمراء"، ملمحا إلى أن "هناك حشد غير عادي في أفريقيا ضد مصر، ومعظم أجنحتها تم قصها بكل أفريقيا، والبداية من عند السادات ثم لامبالاة مبارك بعد محاولة اغتياله في أديس أبابا عام 1996".

وخلص الجمال، للقول: "كل المحاولات المصرية الحالية التي تديرها جهود مخابراتية مصرية حثيثة للأسف مازالت غير مجدية، ويمكن الانقلاب عليها بأي لحظة، نتيجة لتآمر خليجي مع الأسف".

استراتيجية احتواء متأخرة

وفي رؤيته، قال الخبير في الشؤون السياسية والاستراتيجية، الدكتور ممدوح المنير، لـ"عربي21"، إن "صح حديث إنهاء جوبا الحضور العسكري المصري لديها فلا يمكن فصله عن المشهد الأوسع للصراع الجيوسياسي بالقرن الأفريقي، لأن القاهرة تبنت متأخرة (استراتيجية الاحتواء المحيطي لإثيوبيا)، ومحاولة بناء طوق سياسي وأمني حولها بالتمدد في الصومال، وإريتريا، وجيبوتي، وجنوب السودان، لخلق أوراق ضغط موازية بعد تعثر مسار تفاوض ملف السد".

واستدرك: "لكن مصر السيسي، ترددت بين حسابات النظام الخاصة وبين ضرورات الأمن القومي فأدركت بعد فوات الأوان في 2020، تقريبا أن إثيوبيا لم تعد مجرد دولة منبع تنازعها على المياه، بل قوة إقليمية صاعدة تحاول إعادة تشكيل ميزان القوى بشرق أفريقيا والبحر الأحمر".

وأضاف المنير: "لذلك حاولت القاهرة على خجل الانتقال من سياسة الدفاع الدبلوماسي لسياسة (التموضع الاستراتيجي) باتفاقات عسكرية وتدريبات مشتركة وحضور أمني، ظهر في تقارب مع إريتريا، وانخراط عسكري بالصومال باتفاق دفاعي، ومحاولة بناء حضور بجنوب السودان قرب الخاصرة الغربية لإثيوبيا بمنطقة (جوت) وممر (باغاك)".

ولفت إلى أنهما "نقطة ارتكاز استراتيجية ليس فقط لقربها من حدود إثيوبيا ولكن لارتباطها بالصراعات الداخلية بجنوب السودان، ويعطي لمصر إطلالة على سد النهضة ومحيطه؛ لكن مع تقدم قوات الدعم السريع وسيطرتهم على مدينة (كرمك السودانية) تكون القوات المصرية –لو صح وجود قاعدة مصرية- في متناول قوات حميدتي، وبالتالي اشتعال حرب لا تريد جوبا التورط فيها.

معضلة مصر.. والتوربينات الإثيوبية

ويرى الباحث المصري أن "المشكلة أن الاستراتيجية المصرية واجهت معضلة بنيوية مهمة: فإثيوبيا تتحرك بأفريقيا عبر الاقتصاد والطاقة والربط الإقليمي وسط محيط فقير للطاقة والموارد، بينما تتحرك مصر بأدوات أمنية وسياسية؛ وهنا الفارق، فأديس أبابا تعرض الكهرباء، والموانئ البرية، وشبكات التجارة، وخطوط النقل، والتكامل الاقتصادي، بينما القاهرة وبحكم أزمتها الاقتصادية لا تقديم شيء من هذا، لذلك رأت بعض دول الإقليم شراكة إثيوبيا أكثر ربحية على المدى الطويل من الاصطفاف الكامل مع مصر".

ويعتقد أنه "لذلك يبدو أن قرار جوبا –إن صح- أقرب لإعادة تموضع براغماتية منه إلى قطيعة مع مصر؛ والأمر نفسه ينطبق جزئيا على جيبوتي والصومال؛ فهذه الدول تحاول تحقيق توازن بين القوى المتنافسة لا دخول محور دائم ضد إثيوبيا، لذلك فإن (سياسة التوربينات) الأثيوبية كانت أكثر نجاعة من السياسات الأمنية المصرية التي لا تقدم استقرارا ولا تنمية لهذه الدول".

وأكد أنه "ولذلك كان حديث إغلاق القاعدة بصفة (الاستعجال) يعكس تحولاً في العقيدة الأمنية لجوبا، التي بدأت تنظر لها ليس كضمان للاستقرار، بل كالتزامات قد تجر الدولة الناشئة لصراعات إقليمية صفرية، في سلوك يمكن تسميته (المرونة السيادية)، حيث تسعى الدول الصغرى بالمنظومة الدولية لتعظيم مكاسبها بالتوازن بين الأقطاب الإقليمية المتصارعة".


وخلص المنير للقول: "ما حدث في (جوت) و(باغاك) –إن صح- جرس إنذار للقاهرة بأن الجغرافيا السياسية للنيل تغيرت للأبد، والسيادة لم تعد تُحرس بالبنادق وحدها بل بالتنمية المتبادلة وتوفير احتياجات حقيقية تساهم باستقرار الدول، والرهان على استعادة النفوذ عبر الأدوات العسكرية التقليدية على ضعفها أو (مسافة السكة) بتعبير السيسي، رهان على جواد خاسر بزمن (السيادة المرنة) و(دبلوماسية التوربينات).

أدوار مصرية في جوبا

واعترفت مصر بجنوب السودان فور انفصاله 9 تموز/يوليو 2011، وزار السيسي جوبا تشرين الثاني/نوفمبر 2020، وذلك قبل زيارة رئيس جهاز المخابرات المصرية السابق عباس كامل، لها في آب/أغسطس، فيما زار رئيس جنوب السودان سلفا كير، القاهرة أعوام: (2014 و2017، و2019، و2021، و2023)، لتنقطع الزيارات الرئاسية بالسنوات الثلاث الأخيرة.

وتسعى القاهرة لتقديم خدماتها الفنية لجوبا لقطع الطريق على تحركات أديس أبابا، وبينها محاولة إعادة مشروع قناة "جونجلي"، كما أنه في عام 2021، وقعا اتفاقية للمساهمة الفنية لبناء سد "واو" على نهر سيوي (أحد روافد النيل) لإنتاج 10.40 ميغاوات كهرباء وللحد من الفيضانات، وتوفير مياه الشرب والري.

وفي حين رصدت دراسة أعدها مركـز "شاف"، الذي يعمل من القاهرة، تعاون عسكري وأمني بين البلدين، لم تشير إلى وجود قاعدة عسكرية مصرية بشمال شرق جنوب السودان، فقط تحدثت عن دور الجيش المصري بتدريب وتأهيل ضباطها، ومذكرة تعاون أمني في كانون الثاني/يناير 2024، مؤكدة أن مصر "تحتفظ بقوة لحفظ السالم بمنطقة (إيبي) المتنازع عليها بين الخرطوم وجوبا".