مع حلول ذكرى نكبة
فلسطين الـ 78 وتوالي نكبات الشعب الفلسطيني حتى إبادة
غزة المفجعة على يد جيش الاحتلال
الإسرائيلي، تتناثر الكثير من التساؤلات حول تداعيات تلك المحطات التاريخية المفصلية
على واقع ومستقبل مدينة القدس المحتلة وفي قلبها
المسجد الأقصى المبارك، قبلة المسلمين
الأولى.
ويحيي أبناء الشعب
الفلسطيني في أماكن تواجدهم كافة الجمعة ذكرى النكبة الـ78، وهي أكبر عملية تطهير عرقي
في حينه، هذه المناسبة تعيد للذاكرة الفلسطينية المشبعة بالمجازر ارتكاب العصابات الصهيونية
عام 1948 أكثر من 70 مجزرة بحق الفلسطينيين، وتشريد بقوة السلاح ما يربو عن 957 ألف
مواطن فلسطيني قسرا من قراهم ومدنهم، وهؤلاء أصبحوا لاجئين في الضفة الغربية المحتلة
وقطاع غزة وعدد من الدول العربية.
وبعد التحديث المستمر
لجيش الاحتلال الإسرائيلي، نبش هذه المرة بقوة الذاكرة المتعبة على طريقته الخاصة عبر
ارتكاب إبادة جماعية في قطاع غزة بدأت في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 وهي مستمرة
رغم اتفاق وقف إطلاق النار، تخلل تلك الإبادة آلاف المجازر البشعة، أودت بحياة أكثر
من 72549 فلسطيني غالبيتهم من الأطفال والنساء، وجرح ما يزيد عن 172274 آخرين، إضافة
إلى آلاف المفقودين تحت ركام المنازل وفي ظلمة سجون الاحتلال.
حسم الصراع وإحكام
السيطرة
وعن أثر حرب إبادة
غزة المستمرة على المسجد الأقصى المبارك، أوضح الباحث في شؤون القدس والقضية الفلسطينية
زياد ابحيص، أن "حرب الإبادة جاءت ذروة على مسار تصفية كان الاحتلال ماضيا فيه
من قبلها، ولم تكن مجرد رد فعل قفز على الأحداث".
ولفت في حديث خاص لـ"عربي21"،
أن "الاحتلال أطلق في 2017 رؤية لحسم نهائي للصراع بأن تكون كل فلسطين بمساحتها
التاريخية إسرائيل العبرية اليهودية وإلى الأبد، وجاء هذا التحول في الصراع مدفوعا
بإدراك تغير دولي عميق في موازين القوى ينهي مكانة الولاية المتحدة كقطب أوحد وهي الراعي
الاستعماري للكيان الصهيوني، وبالتالي ضرورة استقرار الصراع على حالة نهائية قبل أن
تتشكل موازين القوى الجديدة".
وتابع: "تصاحب
ذلك مع صعود الصهيونية الدينية لتصبح التيار القائد فعليا للمشروع الصهيوني، ولتصاعد
متجدد للصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة أدى إلى صعود دونالد ترامب"، منبها
أن "فكرة التصفية بحد ذاتها ليست جديدة على بنية الصهيونية كنظام استعماري إحلالي،
بل هي أصيلة فيه".
وذكر ابحيص، أن
"هذه المرحلة شهدت قناعة صهيونية بضرورة دخول الصهيونية في مرحلتها الأخيرة، وبأن
آن الأوان لتحقيق وعودها المؤجلة قد جاء، ومن هنا فلا بد من أن يصبح الأقصى هو الهيكل،
وأن تصبح القدس العربية "أورشليم العبرية"، وأن يتحقق "النقاء العرقي"
اليهودي في كل فلسطين التاريخية بيهودية الدولة والتهجير وضرب إرادة المقاومة، ولا
بد من إلغاء حق العودة وشطب الأمل بتحقيقه من خلال شطب وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين
"الأونروا" باعتبارها الوكالة الدولية الشاهدة عليه".
وأضاف: "كما لا
بد من شطب الاعتراف بأي كيان فلسطيني بما في ذلك ممثليات منظمة التحرير، إضافة لفرض
هيمنة صهيونية على الإقليم من بوابة التطبيع العضوي مع دول المنطقة وليس بمجرد
"اتفاقات سلام" كالتي وقعت مع مصر والأردن؛ وهذه كلها أهداف أخذ الاحتلال
خطوات نحو فرضها بشراكة كاملة مع واشنطن منذ 2017 وما بعدها".
المسجد الأقصى عنوان
المواجهة
ونوه أن "الشعب
الفلسطيني واجه محاولات الحسم تلك بمحاولة منعها، وكان المسجد الأقصى العنوان المركزي
لمحطات مجابهة التصفية، إذ جاءت في 2017 هبة باب الأسباط لتمنع فرض البوابات الإلكترونية،
وفي 2019 هبة باب الرحمة لتمنع قضم مصلى باب الرحمة وفرض فتحه وإعادته إلى أصله، وفي
2021 جاءت هبات حي الشيخ جراح وباب العمود، ثم إفشال اقتحام 28 رمضان لتتوج بانطلاق
معركة "سيف القدس" في مساء يوم الاقتحام لتفرق "مسيرة الأعلام"
التهويدية ولتكرس معادلة ردع جديدة أمام محاولات التصفية".
وبحسب الباحث، جاء
"الاعتكاف في نيسان/إبريل 2023 وتزامن مع تصعيد عسكري عابر للحدود وصولا إلى
"طوفان الأقصى" في السابع من تسرين الأول/أكتوبر 2023، وعمليا كان المسجد
الأقصى عنوانا للمواجهة في خمسة من أصل سبع مواجهات خاضها الشعب الفلسطيني في مواجهات
التصفية، فكانت مسيرات العودة 2018 ومعركة وحدة الساحات 2022، المحطات التي انطلقت
من عناوين أخرى، في المحصلة؛ واجه شعب فلسطين حرب التصفية بسبع محطات في سبع سنوات
ما بين 2017-2023".
ورأى أن "طوفان
الأقصى" قد هدد بالانتقال من مواجهات المنع إلى مواجهات فرض التراجعات الصهيونية،
لقد جابه حرب التصفية بمحاولة قلب اتجاهها، فرد المشروع الصهيوني وحلفاؤه الغربيون
بالتشبث بالتصفية أكثر، ونقلها من كونها مشروعا يراوح ما بين الأدوات السياسية والعسكرية
إلى اعتبارها مشروعا يفرض بالقوة العسكرية، وعبر حرب إبادة وتصفية مستمرة تتنقل بين
الجبهات، وهذا ما قصده بنيامين نتنياهو (رئيس وزراء الاحتلال) و"الصهيونية الدينية"
بتعبير "النصر المطلق".
انطلاقا من هذا التشخيص
الضروري وفق ابحيص، "كان المسجد الأقصى العنوان المركزي لرفض التصفية التي تجلت
بحرب الإبادة، وبالتالي بقي جبهة مركزية موازية للإبادة في غزة، وهو يتأثر اليوم بتدمير
غزة واستفراده بها، إذ تمكن بذلك من إخراج المقاومة فيها من التأثير في مسار التصفية
في الأقصى بعد أن كانت عنصراً مقرراً في منعها، وهي المرحلة التي نعيشها حاليا".
ورأى الباحث أن
"الاحتلال يحاول اليوم أن يحول الإبادة في غزة إلى نقطة نهاية، تقتل روح الشعب
الفلسطيني وتنهي إرادة المقاومة وتفرض مشروع التصفية وهيمنته المطلقة على العالم العربي
بل والعالم الإسلامي كله، لكنه رغم هذا التهويل ما زال يتبع منهجية تدريجية في العدوان
على الأقصى رغم تسريعها، ولم ينتقل إلى ضربات حاسمة فيه، لكنه يستعد للانتقال لمثل
هذه الضربات ضد الأقصى".
مسار منع التصفية بعد
الإبادة
في مقابل ذلك،
"جاء إغلاق الأقصى ليجلي حقيقة مهمة رغم الصمت العربي والإسلامي الرسمي عنه، وهي؛
استمرار المسجد الأقصى باعتباره عنوان الاستنهاض واستدعاء عناصر القوة وعنوان الحق
ووجوب الانتصار له"، بحسب ابحيص الذي نوه أنه "رغم حداثة جرح الإبادة
وما تفرضه من ترهيب والسجون ما تزال جحيما حيا، جاء المرابطون إلى أعتاب الأقصى بالعشرات
ثم بالمئات وبالآلاف يوم عيد الفطر، وبالتالي فإن الأقصى يستمر في كونه قطب تغيير موازين
القوى".
ومضي بحديثه لـ"عربي21":
"انطلاقا من ذلك، هناك اليوم فرصة لشق الطريق في مرحلة ما بعد الإبادة، بأن يستمر
المسجد الأقصى عنوانا لتجديد الرباط، ولاستنهاض قوىً أخرى تدخل ساحة الدفاع عنه، فيستأنف
مسار منع التصفية بعد الإبادة، ويفشل استثمار الاحتلال فيها كنقطة نهاية شاملة، ويستنهض
الحياة وإرادة المقاومة ويواصل الطريق الذي خطته غزة ومقاومتها ودفعت له ثمنا باهظا
جدا".
وحول تزامن الذكرى
الـ 78 لنكبة فلسطين مع استمرار تصاعد العدوان على المسجد الأقصى المبارك، أفاد الباحث
أن "هذا العام تتقاطع الذكرى العبرية لاحتلال القدس مع ذكرى النكبة في اليوم ذاته،
إذ يحتفل الصهاينة بذكرى استكمال احتلالهم للقدس عام 1967 بالتقويم العبري وكان التاريخ
حينها 28 من شهر أيار العبري، ويتقاطع هذا العام مع يوم الجمعة 15أيار/مايو 2026 مع
ذكرى النكبة، وهو ما يجسد وحدة مسارات مختلف مفردات الصراع، واجتماعها في مركز رمزي
هو المسجد الأقصى، فحرب التصفية الصهيونية تتخذه مقدمة ومنطلقا، على منطق تتبناه الصهيونية
الدينية يقول بأن حسم المقدس يفتح الطريق لحسم كل ما بعده".
وشدد على الأهمية القصوى
للمضي قدما في "الدفاع عن هوية المسجد الأقصى، والتصدي للاقتحام فيه دفاعا عن
حق العودة وإفشالا للتصفية على مختلف الجبهات"، محذرا من "بعض الرؤى المتشائمة،
التي ترى أن الصهاينة سيفرضون ما يشاؤون في الأقصى".
وفي نهاي حديثه، أكد
الباحث المدافع عن المسجد الأقصى، أن "التجربة العملية التي أوصلت لـ"طوفان
الأقصى" تقول بعكس ذلك تماما، وإذا ما كانت الإبادة قد أخلت بمعادلة الردع من
حول الأقصى فإن واجب الأمة بمختلف مكوناتها بأن تنتصر للحق، ولن يلبث أن تدخل قوى أخرى
لتلك المعادلة وإن تأخرت".
واعتبر أن "الواجب
اليوم، أن يكون الهدف هو الحفاظ على المسجد الأقصى وعلى هويته حتى تحين لحظة تحريره،
لأن هذا ممكن كما ثبت بالتجربة، ولأنه أيضا بوابة تشق طريقا لما بعد الإبادة، تستأنف
مسيرة منع التصفية بعدها كما كانت قبلها، فتمسي جريمة غير مجدية، لا تنجح بفرض وقائع
نهائية، لكنها تقلب موازين القوى ضد المجرمين الذين ارتكبوها".