على الرغم من سقوط آلاف القتلى في حرب
السودان المستمرة منذ ثلاث سنوات، وتزايد مخاطر حدوث مجاعة هناك، فإنه حتى الآن لم يتمكن طرفا الصراع (
الجيش السوداني، قوات
الدعم السريع) من التوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار.
وكل يوم تفاقم الحرب في السودان الأزمة الإنسانية التي تعصف بشعبه الذي أصبح إما نازحاً في مناطق البلاد المتفرقة، وإما لاجئاً في دول الجوار، إضافةً لانتشار الجوع والأمراض خاصة بين النازحين.
وأحدث التحذيرات بشأن الوضع الإنساني، هو ذاك الذي أطلقته شبكة أطباء السودان، من أن كارثة إنسانية تهدد أكثر من 100 ألف نازح في ولاية النيل الأزرق جنوب شرقي البلاد، مع اقتراب موسم الخريف، وتزايد احتمالات انتشار الأمراض الوبائية نتيجة سوء البنية الصحية وغياب التدخلات العاجلة.
ووفقاً لبيان الشبكة غير الحكومية، فإنها ناشدت المنظمات الدولية والجهات الإنسانية للتدخل الفوري لتوفير الغذاء والدواء ومياه نظيفة وتعزيز خدمات الرعاية الصحية والعمل على حماية المدنيين خاصة الفئات الأكثر هشاشة من تداعيات هذه الأزمة الإنسانية المتفاقمة.
وكانت قوات الدعم السريع قد استطاعت السيطرة على ولاية الخرطوم بعد أن انطلقت الحرب فيها وانتقلت سريعاً إلى مروي وولايتي النيل الأبيض ودارفور.
إلا أن قوات الجيش السوداني استعادت السيطرة على الخرطوم، حيث أعلن سيطرته عليها كاملة في أيار/مايو 2025، فيما لا تزال قوات الدعم السريع تسيطر على مناطق عدة في كردفان ودارفور، ما يعني أن الحرب التي بدأت في 2023 لا تزال مستمرة ومستعرة حتى الآن.
حل الأزمة بيد الأطراف السودانية
تأتي التحذيرات فيما تستمر المعارك بين الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، مقابل صمت عالمي مُطبق يدفع للتساؤل فيما إذا بات المجتمع الدولي غير مكترث بالأزمة؟ وهل انتهت فرص التوصل لحل ينهي هذه الحرب الجنونية؟.
رئيس تحرير صحيفة "التيار" السودانية عثمان ميرغني، قال إن "حل الأزمة السودانية في متناول القوى السياسية السودانية لو توفرت لها الإرادة السياسية وتجنبت التعويل على الإقصاء والإقصاء المضاد وجمع النقاط ضد بعضها".
وفي حديثه لـ"
عربي21"، يرى ميرغني أن المبادرة الرباعية هي الوحيدة المتوفرة حالياً على الطاولة، وبإمكان القوى السياسية الشروع فوراً في الجزء الثاني منها والمتعلق بالعملية السياسية، وتستطيع إحداث اختراق كبير".
فرص محدودة
الباحث في الشؤون الأفريقية محمد تورشين قال إن "فرص إيجاد حل لأزمة السودان بعد مرور ثلاث سنوات على الحرب فيه لا تزال محدودة؛ لأن الحروب دائماً ما تكون مساراتها معقدة، لا سيما المرتبطة بالتوصل إلى سلام، وسيناريوهات هذا السلام محدودة".
وأوضح تورشين خلال حديثه لـ"
عربي21" أن "هذه السيناريوهات هي، أولاً، انتصار أحد الأطراف عسكرياً، وبالتالي يسعى الطرف المنتصر إلى تعزيز انتصاره عن طريق اتفاق السلام، بالمقابل يسعى الطرف الخاسر لكسب بعض المكاسب عبر ذات الاتفاق".
ويرى أن "هذا السيناريو الآن غير متاح باعتبار أنه ما زال هناك توازن قوة يسيطر على مسار العمليات في كردفان، ولا تزال قوات الدعم السريع تسيطر على مساحات واسعة في إقليم دارفور".
وأما السيناريو الثاني وفقاً لتورشين فهو وجود طرف خارجي يسعى بشكل مباشر لفرض السلام والاستقرار على طرفي الحرب، وهذا الطرف لابد أن يكون قوياً وذا تأثير كالولايات المتحدة".
وتابع: "لكن حتى الآن، فإن اهتمام أمريكا بالأزمة السودانية يكاد يكون محدوداً جداً، وذلك لعدم وضوح رؤيتها فيما يتعلق بكيفية المضي قدماً في إعادة تشكيل المشهد السياسي والعسكري في السودان، إضافة لانشغالها بالحرب في غزة، وبالتالي فرص وجود وساطة قوية تُجبر الطرفين على التوصل لاتفاق سلام شبه معدومة".
ويرى أن "توازن القوة والضعف لن يدفع الأطراف للتوصل لاتفاق سلام، وإنما هو للإضعاف والإنهاك. لذا ومع امتلاك طرفي الصراع قدرات عسكرية كبيرة واستمرار تدفق المعدات العسكرية من الخارج، سيجعل من استمرارية الحرب حاضرة".
وأضاف تورشين: "في تقديري إنهاء الحرب مرتبط بإيقاف البعد الخارجي وتفعيل القرارات الأممية الرامية إلى وقف تدفق الأسلحة والذخائر إلى السودان".
تأثير الحرب على إيران
وطوال الحرب كانت هناك اتهامات من كلا طرفيها لأطراف خارجية
بدعم الطرف الآخر، ومن هذه الدول المتهمة بتقديم هذا الدعم: السعودية، والإمارات، وإيران،
حيث تم اتهام أبوظبي بدعم قوات الدعم السريع بالسلاح وتزويدها بطائرات مسيرة، كذلك
تم اتهام الرياض بدعم الجيش السوداني.
أما إيران، فوفقاً لتقارير غربية، فإنها دعمت الجيش السوداني
بطائرات مسيرة، وقالت وكالة بلومبيرغ في بداية عام 2024 إن أقماراً صناعية التقطت صوراً
للمسيرة الإيرانية مهاجر 6 في قاعدة خاضعة لسيطرة الجيش شمالي الخرطوم.
إلا أن هذه الدول منشغلة الآن بالحرب التي شنها الاحتلال وأمريكا على إيران، حيث تعرضت الأخيرة لهجمات وقصف جوي كثيف، وبالمقابل قصفت
طهران دول الخليج، ومنها السعودية والإمارات التي تلقت الكثير من الصواريخ
الإيرانية.
كذلك برز على السطح خلاف سعودي إماراتي حول اليمن، وأيضاً
حول السودان، خاصة مع تزايد الاتهامات لأبوظبي بدعم قوات الدعم السريع.
وتدفع هذه الأحداث المتسارعة، وخاصة الحرب على إيران، للتساؤل
عن تأثيرها على استمرار الحرب في السودان، وعلى الإمدادات العسكرية التي اتُّهِمت الدول
الثلاث (السعودية، إيران، الإمارات) بتزويدها لطرفي الصراع، خاصة في ظل حاجتها لهذه
الأسلحة مع عدم توقف الحرب على إيران.
الباحث محمد تورشين قال: "بلا شك، الحرب على إيران لها
تأثير كبير جداً عبر انشغال المجتمع الدولي والجهات التي كانت تهتم بالأزمة السودانية، فضلا عن تداعيات الحرب على غزة، وإيران وتأثيرها على الاقتصاد العالمي، وكل هذه العوامل ستنعكس بشكل سلبي".
وتابع: "الإمارات مثلاً، نعم هي الآن مُستهدفة، ولكن
لا أعتقد بأن تدفقات السلاح ستتوقف في الوقت الراهن، فهناك مستودعات ضخمة للدعم السريع
تحتوي على كميات كبيرة من السلاح سواء في السودان أو المحطات التي تستخدمها أبوظبي
كمحطات وسيطة لإرسال السلاح".
ويعتقد تورشين أن "انعكاسات الحرب على إيران
على الأزمة في السودان ستظهر بشكل مباشر إن استمرت لفترة طويلة تتجاوز العام،
عندها يمكن أن نتحدث عن تراجع لتدفق السلاح والدعم العسكري للدعم السريع باعتبار
أن الإمارات ستكون مُحاصرة بشكل كبير، ما يفقدها قدراتها وإمكانياتها".
وأضاف: "لكنني كذلك لا أعتقد أن الإمارات هي الداعم الأوحد،
وإنما هي محطة أو دولة وظيفية يتم توظيفها لتحقيق الأغراض المعنية بدعم قوات الدعم
السريع في السودان، وبالتالي حرب إيران لا تنعكس الآن بشكل مباشر على مجريات الحرب
في السودان".
من جهته، قال المحلل السياسي عثمان ميرغني إن "الحرب
في إيران قللت التركيز الدولي والإقليمي على الحرب في السودان، مما أضعف المبادرة الرباعية
نوعاً ما".
ولكن التأثير الأكبر، وفقاً لميرغني، هو في مزيد من تدهور
الأوضاع الاقتصادية بالسودان، مما يزيد من عبء المعيشة ويفاقم أزمة نقص الغذاء، خاصة
مع ارتفاع أسعار الوقود الذي يؤثر على الزراعة كونها تعتمد عليه في تشغيل الآليات،
خاصة في الري.
أين دور المجتمع الدولي؟
وطُرحت منذ بداية الأزمة عدة مبادرات دولية لوقف الحرب، كما
عُقدت عدة مؤتمرات دولية، رعى بعضها الاتحاد الأفريقي ودول مثل السعودية وأمريكا، وكذلك
طُرحت مبادرات من دول جوار السودان.
كانت البداية في منبر جدة، الذي بدأ أعماله في أيار/مايو
2023 بعد قرابة شهر من انطلاق الحرب، بمفاوضات غير مباشرة بين طرفي الصراع السوداني
لخفض التوتر وإعداد أرضية لحوار بينهما، ونتج عن هذا المنبر عدة هُدن بين الطرفين والاتفاق
على تسهيل دخول المساعدات للمدنيين.
كذلك طرح الاتحاد الأفريقي خارطة طريق في نهاية أيار/مايو
2023، وشاركه فيها جهات خارج الاتحاد، واستندت إلى أولاً وقف إطلاق النار، وثانياً
معالجة الأوضاع الإنسانية، ثم الدخول في عملية سياسية للتوصل إلى حل للأزمة.
أيضاً أطلقت الإيغاد مساراً في حزيران/يونيو 2023 في جيبوتي،
يتضمن خارطة طريق من أربع خطوات لإيقاف الحرب، مع توسيع دول الوساطة لتشمل (كينيا،
إثيوبيا، جنوب السودان، جيبوتي) والعمل على ترتيب لقاء بين البرهان وحميدتي.
كما طرحت مصر مبادرة في 2023، أيضاً تم طرح الآلية الخماسية
التي ضمت الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والجامعة العربية وإيغاد، وأيضاً ضمن محاولة
إقليمية تم طرح الآلية الرباعية وتضم أمريكا ومصر والسعودية والإمارات.
وعلى الرغم من تعدد المبادرات التي طُرحت لحل أزمة السودان ووقف الحرب فيه، فإن القائمين عليها جميعاً لم يتمكنوا من إقناع طرفي الحرب، ومع مرور الوقت بدأت هذه المبادرات بالاختفاء شيئاً فشيئاً.
ومع انشغال المجتمع الدولي بالحرب على إيران ونتائج العدوان المستمر على غزة، هل يمكن القول إن المجتمع الدولي ترك السودانيين لحل مشاكلهم وحدهم؟.
قال رئيس تحرير صحيفة التيار السودانية عثمان ميرغني: "المجتمع الدولي بذل مجهوداً كبيراً منذ بداية الحرب، حيث كان هناك منبر جدة برعاية السعودية وأمريكا، ثم جولة مفاوضات في سويسرا لم تنعقد بسبب تخلف الحكومة السودانية عنها.
ثم أخيراً المبادرة الرباعية التي لا تزال تجد دعماً إقليمياً ودولياً كبيراً، ولكن تظل المشكلة الأساسية في عدم تجاوب الحكومة السودانية".
من جهته قال الباحث في الشؤون الأفريقية محمد تورشين: "لا أعتقد أن تصاعد الحروب والأزمات الدولية سيكون سبباً يمنع اهتمام المجتمع الدولي بالأزمة السودانية المرتبطة بمجريات الحروب في منطقة الشرق الأوسط والقرن الأفريقي، باعتبار أن السودان جزء من التحولات السياسية الكبرى".
وتابع: "تشكيل الشرق الأوسط الكبير يحتاج إلى إعادة رسم موازين القوى وكذلك التحالفات في المناطق، فحتى لو استبعدنا السودان من الشرق الأوسط الكبير، فإنه جزء من القرن الأفريقي الذي له تأثير كبير على الشرق الأوسط، سواء كان عبر البحر الأحمر وخليج عدن أو حتى الموقع الجغرافي".
وخلص تورشين بالقول: "لذا أعتقد بأن السودان هو جزء
من هذه التحولات الكبيرة التي تحصل في منطقة الشرق الأوسط، ما يشير ويؤكد أن إيقاف
الحرب في السودان مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتحولات التي ستحدث في الشرق الأوسط".