فتش عن الأصل:
أصل السلبيات عندنا استنادنا إلى قواعد سلبية ونحن نظن أننا
رواد في الإنجاز والتجديد، بلا برنامج ولا خطة ولا رؤية، وما أقدمه هو "أنا
النموذج"، وأينما أذهب أتحدث عن نفسي كقصة نجاح لن يهتم بها حتى من يبدو
مهتما. وهنا يأتي الأمر الآخر؛ مدح الناس وهم يجاملون من يمدحهم، أو تكون هنالك
دوافع أخرى كرغبة في مال أو تقرب من شخص، فيصبح نجاحا عاديا نموذجا لإنجاز كبير
وهو ليس كبيرا في حقيقة الأمر، لكن الفراغات بحاجة إلى سد وهذا النوع من البشر يسد
هذه الفراغات. ومع هذا هنالك نساء ورجال بل أطفال حققوا إنجازات عظيمة بتوفيق من
الله سدد عملهم، وهنالك من أنجز لكن لم يعرف أحد به ولا بإنجازاته، فالأصل في تتبع
المسار عند التقييم، لأن الفخر عن فراغ هو ظلم للذات قبل أن يكون ظلما للمجتمع مع أنه
ظلم للمجتمع عندما يغطي ويحارب هؤلاء الناس النجاح في الآخرين.
المغامرة والمقامرة:
قد يخرج أناس في زمن
الفوضى، يمكن أن تصفهم بالمغامرين
أولئك الذين فقدوا كل شيء وليس عندهم مانع لفعل أي شيء كي يستحصلوا على أي شيء ثم
كل شيء، ثم يصبح استمرار مصلحتهم مرتبطا بزائف ما أعلنوه ليصلوا حيث وصلوا، فبدت
المغامرة مؤامرة، وهي نوع من المؤامرة على الذات فعلا.
وهنالك من عنده شيء لكن يقامر ليحصل على كل شيء، وهنا
قد يخسر وقد يربح وربما وفق قواعد لا يدركها؛ هي من معايير وسيطرة "كبار
الحيتان والكواسج" كما هو المصطلح السائد في وصفهم.
دوافع الغريزة:
في مقال سابق قلنا إن الإنسان يجب ألا يعتبر العبادة
والتبتل عنوانا أو مظهرا للعجز، بل الإنسان يعبد ربه بالإخلاص في العمل وبأساليب
صائبة ويبقي التوازن وهو آخر العمر بين مهمة الإعمار في الدنيا التي هي طريق
الآخرة وبين ما هو مطلوب من أشراطها، فليس من الصواب أن أجعل سعي الدنيا كمهمة
الإنسان، ولكن بأساليب تخالف قواعد النزاهة والحشمة ونسيان العبادات بالوهم
والملذات.
قد يكون إنسانا مرغما (رجلا أو امرأة) من أب أو أخ أو
زوج مستبد إن كانت امرأة، ثم يغادر هذا الغطاء السجان لقيمة الإنسان بلا إفهام أو
إقناع بما يأمر ويريد أن يطاع. هنا عملية الخروج ستكون كالسير على حبل السيرك؛ ما لم
أضع شبكة من نسيج القيم تحميني فإن السقوط هو كسر عنق.
المرأة الرائدة ومجتمع ذكوري
المرأة بالذات ستكون في خطر في مجتمع ذكوري عندما تخرج بغير
ما اعتاد عليها المجتمع أنها ظل الرجل، فإن كانت صغيرة تاهت في بحر التفاهة.
والتفاهة ذاتها من تواجه الكبيرة سنا أيضا، لكن هنا يصعب أن تجد وأنت ناصح طريقا
تدخل منها إلى بناء درع الوقاية لاندفاع كمركبة ستار تريك لتعويض عمر يعتبر خسارة
وحرية بعد قمع الغموض والجهل والذكورية أيضا. محاولة إثبات السلطة دوما تعانق
التجهيل والجهل، وبدل الإفهام يأتي الأمر فرضا بشريا باسم الله أحيانا، وهكذا يكون
الشخص المتسلط مسببا لخسائر بوهم النجاح حيا وميتا. والتخلص من ظل الرجل قد يكون
ثمنه نوعا من التيه في بحر التفاهة التي تبدو وكأنها نجاح في بهرجة المجتمع العبثي
الذي لا هدف له حقيقة أكثر من أن تتكلم ويصفق لك، ثم ينسى آخر من ينسى ما قلت وهو
يودعك ويشكر حضورك لإنجاح مؤتمره أو تجمعه أو حفل طهور ابنه.
صفحات الزمن المر:
ونحن نقلب صفحات الزمن المر الذي ما انفككنا نعيش فيه
حتى بات هو يعيش فينا، نكرهه ولا نريد فراقه لأننا نخاف فراقه، بل إن تنفسنا
الحرية وأحسسنا بالخطر عدنا إليه راضين شاعرين بالأمان ونحن تحيطنا النيران، عشنا
فيه كبلبل في قفص، إن أخرجته إلى حديقة غناء وانتفش، ثم أحس بالخطر، فإنه لا يطير
إلى الأشجار بل إلى القفص.. هذا القفص نراقبه وهو يتطور ليصبح بشعا. اندماجنا فيه
حتما كبشر ليس استسلاما وإنما تبريرا قيميا يجعل من الاستسلام صبرا جميلا، فالصبر
الجميل ثبات على القيم، والاستسلام هنا بات قيمة عنوانها الحكمة والتأني ودرء
الفتن
لهذا يجد هؤلاء الناس المغامرة والمقامرة، لا يشعرون
بالذنب ولا بالمنحدر الذي تنزلق فيه، غالبا يفسدون ويذمون الفساد، أو يذكرون الله
وهم يخالفونه، أو يعتبرون تماديهم نوعا من العمل الإيجابي، أو ينكرون قيما أصيلة
وتعاليم عظيمة بحجة القناعة والقناعات الزائفة التي لا أساس قيميا لها، وإنما
منحولة منقولة كانطباعات وكلام ببغاء.
ما هو الحل:
ليس غير الفهم والإفهام حل، لكنه طريق ليس سهلا، فأنت
لا تعلم جاهلا وإنما ناكرا لجهله بل يظن أن غيره جاهل، بانطباعات ترسخت أو وُضعت
كقوالب في مدخل معلوماتي عند هؤلاء الناس، فهم يرفضون الإصغاء حتى للعنوان. إذن لا
بد من تعريف عام يطرح في الساحة لمضادات الفهم هذه، وهذا يحتاج عملا منظما.
من الصعب إصلاح الإنسان إلا بقناعته هو، وبناء الإنسان
المبدع لا يأتي بالتلقين. بإمكاننا أن نفرق المبدع الفاهم من تواضعه وعفويته
واستقراره، أما المتوهم بالإنجاز فتجده عدميا كارها مكروها في محيطه، لا يضغط من أجل
الإصلاح بل يضغط من أجل سلطته وعلوه في الأرض.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.