ليست
أزمة العالم في قلة الناس الذكية والقوية، ولا في ندرة المتعلمين، ولا حتى في غياب
الشعارات الأخلاقية، المشكلة أعمق وأشد خفاءً: إنها في الخلط بين
الوعي وما يشبهه. فالذكاء، والثقافة، والتدين، كلها صفات قد تتجاور في شخص واحد، لكنها لا تصنع
بالضرورة إنسانا واعيا، ولهذا يمكن أن ترى عالما يزداد معرفة، بينما لا يزداد
بصيرة، وتزداد فيه الأدوات، بينما تتراجع القدرة على استخدامها بحكمة.
الذكاء:
يمنح
الذكاء صاحبه قدرة على التحليل، والربط، واستنتاج ما لا يراه غيره، لكنه لا يمنحه
بالضرورة القدرة على رؤية نفسه؛ وهنا يكمن الخلل، فمنظومة العقل التي تستطيع تفكيك
أعقد المسائل، قد تعجز عن اكتشاف تحيزاتها الخاصة، بل الأخطر من ذلك، أنه
الإنسان
قد يستخدم ذكاءه لتبرير هذه التحيزات، فيصبح أكثر اقتناعا بخطئه كلما ازداد تفكيرا،
الذكاء هنا لا ينقذ، بل يعمّق المشكلة، لهذا نرى أناسا يتحدثون عن العنصرية
وينتقدونها وهم عنصريون أو طائفيون بل ويقترفون نفس ما ينتقدون.
الوعي ليس مجرد معرفة، هو موقف من المعرفة، ليس مجرد إدراك، بل طريقة في الإدراك، هو القدرة على رؤية الواقع كما هو لا كما نحب أن يكون، وعلى رؤية الذات كما هي لا كما نرغب في تقديمها، إنه المسافة الدقيقة بين الفكرة وصاحبها بين القناعة وإمكانية مراجعتها
الثقافة:
هي
توسّع الأفق، وتفتح أبوابا متعددة للفهم، لكنها أيضا قد تتحول إلى تراكم معلومات
بلا مركز. المثقف قد يعرف الكثير عن العالم، لكنه لا يعرف موقعه من نفسه فهو مخزن
معلومات يتنقل بين الأفكار، يقتبس، يقارن، يحلل، لكنه قد يظل بعيدا عن أبسط سؤال:
هل ما أؤمن به حقيقي، أم مجرد فكرة جميلة اعتدت عليها؟ الثقافة دون وعي تشبه مكتبة
ضخمة بلا قارئ نقدي ما لم تكن موردا للحلول.
التدين:
في
جوهره غريزة؛ وعندما تدار بالفهم هو قيم لضبط السلوك، لكنه -عند غياب الفهم- قد
يتحول إلى هوية مغلقة، أو إلى شعور بالتفوق الأخلاقي؛ فيختل التفاعل مع البيئة، هنا
لا يعود التدين أداة لمحاسبة النفس، بل وسيلة للحكم على الآخرين، وحين يحدث ذلك،
يفقد وظيفته الأساسية، ويصبح جزءا من المشكلة بدل أن يكون حلا، فميزة الإنسان
منظومته العقلية التي تصوّب فاعلية الغرائز.
الوعي:
إذن،
ما الذي ينقص؟ ما الذي يجعل كل هذه الصفات غير كافية؟ الجواب هو الوعي. والوعي ليس
مجرد معرفة، هو موقف من المعرفة، ليس مجرد إدراك، بل طريقة في الإدراك، هو القدرة
على رؤية الواقع كما هو لا كما نحب أن يكون، وعلى رؤية الذات كما هي لا كما نرغب
في تقديمها، إنه المسافة الدقيقة بين الفكرة وصاحبها بين القناعة وإمكانية
مراجعتها.
النفس البشرية تدافع لا تراجع:
الإنسان
الواعي لا يعيش داخل أفكاره وكأنها حقائق مطلقة، بل يتعامل معها كفرضيات قابلة
للاختبار، لا يخاف من أن يقول "كنت مخطئا"، لأن هويته ليست معلقة بصواب
رأيه، هو لا يسعى إلى الانتصار في كل نقاش، بل إلى الاقتراب من الحقيقة، حتى لو
كلّفه ذلك التراجع، وهذا ما يجعله نادرا لأن النفس البشرية تميل إلى الدفاع لا إلى
المراجعة.
عالم بلا قيادات واعية:
وعندما
ننتقل من الفرد إلى القيادة، تتضخم المشكلة؛ القائد غير الواعي لا يحتاج أن يكون
جاهلا أو سيئ النية، يكفي أن يكون محاطا بدائرة تعكس له قناعاته، فيظن أنه يرى
الحقيقة كاملة.
مع
الوقت، تتحول رؤيته إلى معيار، ويصبح الاختلاف تهديدا، والنقد عائقا، هنا لا يعود
الخطأ احتمالا، بل يتحول إلى مسار مستمر، لأن آليات تصحيحه تم إلغاؤها.
في
هذا السياق، لا يعود السؤال: لماذا تتخذ القيادات قرارات خاطئة؟ بل: لماذا لا ترى
أنها خاطئة أصلا؟ الجواب ببساطة: لأن الوعي غائب، القدرة على الشك في الذات تم
استبدالها بالثقة المطلقة، الرغبة في الاستقرار النفسي غلبت الحاجة إلى الحقيقة؛
وهنا، حتى الذكاء يعمل ضد صاحبه، لأنه يمنحه أدوات أفضل للدفاع عن وهمه.
الوعي مسؤولية:
الإنسان الواعي قد يخطئ، لكنه يختلف في شيء أساسي: أنه يملك آلية للعودة، يكتشف، يراجع، يصحح، يعلم حدود علمه وعظم جهله عندما ينظر إلى نفسه وسلوكها ومتى يرى أنه مسيطر أو فاقد السيطرة على رغباتها، بينما غير الواعي قد يخطئ بنفس القدر، لكنه يفتقد هذه الدائرة التصحيحية
قد
يبدو هذا الطرح قاسيا لكنه واقعي، فالعالم لا يعاني من نقص في المعلومات، وإنما من
سوء في ترتيبها داخل منظومة العقل التي لا تبالي لفقدان القيم، ومن استخدام القيم
بشكل انتقائي لتبرير أهدافا لا تمت بصلة للقيم، ليست هذه معاناة من ضعف في
التفكير، بل من غياب التفكير في التفكير نفسه، وهذه طبقة أعمق لا يصل إليها إلا
الوعي.
الوعي
أيضا ليس حالة مثالية مستقرة، بل عملية مستمرة، ليس نقطة يصل إليها الإنسان ثم
يستريح، وإنما جهد دائم لمراقبة النفس والبيئة، ولمراجعة القناعات، ولمقاومة
الإغراء الدائم باليقين السهل، الإنسان الواعي قد يخطئ، لكنه يختلف في شيء أساسي:
أنه يملك آلية للعودة، يكتشف، يراجع، يصحح، يعلم حدود علمه وعظم جهله عندما ينظر إلى
نفسه وسلوكها ومتى يرى أنه مسيطر أو فاقد السيطرة على رغباتها، بينما غير الواعي
قد يخطئ بنفس القدر، لكنه يفتقد هذه الدائرة التصحيحية.
مستوى الوعي:
ولو
ارتفع مستوى الوعي، سواء عند الأفراد أو القيادات، فلن تختفي الخلافات ولا المصالح
ولا الصراعات؛ لكن طريقة التعامل معها ستتغير جذريا، سيصبح السؤال ليس فقط "كيف
ننتصر؟" بل "ما الذي نحافظ عليه ونحن ننتصر؟". لن يكون الهدف مجرد
تحقيق المكاسب، بل تجنب الخسائر غير الضرورية، خصوصا تلك التي تمس الإنسان نفسه.
في
النهاية، ليست المشكلة أن العالم معقد، بل أن مستوى العقليات التي تديره كثيرا ما
تتعامل معه بسطحية مغطاة بالثقة، والفرق بين إنسان ذكي، أو مثقف، أو متدين، وبين
إنسان واعٍ، هو أن الأخير لا يكتفي بامتلاك الأدوات، بل يسأل دائما: هل أستخدمها
لأرى الحقيقة، أم لأحمي نفسي منها؟ هذا السؤال البسيط -والصعب في آن واحد- هو ما
يصنع الفارق بين عالم يفهم وعالم يدار فيه العبث.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.