لغة الأنوثة: معالجة فلسفية

محمد صالح البدراني
"عندما تضع الأنثى حدودا، فهي في الحقيقة تساعد الرجل على اكتشاف إنسانيته"- CC0
"عندما تضع الأنثى حدودا، فهي في الحقيقة تساعد الرجل على اكتشاف إنسانيته"- CC0
شارك الخبر
مقدمة: في البدء كان الجوهر

قد يستغرب الذكور عندما تقول المرأة أريد أن أحس باني أنثى، يبدو لهم أنها جرأة وتعبير كالسيل، ذلك أنه يفهم الكلمة بلغة الذكر، بيد أن المرأة السوية أقل فصلا بين معنى المرأة والأنوثة كما يجري الفصل بين الرجولة والذكورة، وأن النمط في الذاكرة المجتمعية الذي يحجم المرأة ينسى لغتها المشفرة التي قد لا تُقرأ من كثير من النساء أنفسهن. ولعل الباحث في علم الاجتماع يدرك هذا إن كانت نفسه متواضعة وصبره طويلا، وإلا فإنه سيبقى أمام طلاسم عندما تظن أن المرأة مستجيبة لكلمات الإطراء لكنها لا تتفاعل معك عاطفيا، ليس كرها فيك ولكن المصفوفة لم تتطابق كما في ذهنها، مع أنها ليست دائما منطقية أو يمكن تمثيلها بمعادلة رياضية. وتعجب أحيانا أن تستجيب المرأة لرجل ليس بمواصفات عالية كما يراها الرجال، وتجد كلماته أوقع من الشعر والغزل، فهو وفق خوارزميتها حقق الاصطفاف المقبول.

المرأة إذن تتعامل مع ثلاثيتها وحضورها وليس مع مدح جمالها والهيام، فطقوس قبولها للكلام موافقة لتعريفها لنفسها في الزمان والمكان.

الأنوثة كلغة: حوار الأمان والفهم
الأنثى لا تتحدث بكلماتها فقط، بل تمتلك لغة متكاملة تتأسس على ثلاث ركائز الأمان، والاحترام، والفهم. هذه اللغة لا تُدرك بالحواس البدائية، بل تُدرك بالوعي الإنساني الراقي

الأنثى لا تتحدث بكلماتها فقط، بل تمتلك لغة متكاملة تتأسس على ثلاث ركائز الأمان، والاحترام، والفهم. هذه اللغة لا تُدرك بالحواس البدائية، بل تُدرك بالوعي الإنساني الراقي، قد تحققها مع رفيق وتكتفي أن تتكرم عليه بالعيش في ظله، ولكنها عندما تجبر على هذا الظل فستغادره عند أول فرصة إلى حيث ترى الشمس وتبحث عن الثلاثية بمجهودها ما لم تجد الظل الحقيقي الذي تتفانى غالبا من أجله ولو لم يكن على صواب، كما فعلت أمنا حواء حين سايَرَت آدم وزلت معه من أجل حبها له أو خوفها أن تفقده. وعمق الفكرة القرآنية مطلوب في تعريف وفهم سلوك المرأة أو الأنثى، فيطوي ذكر المرأة في مواضع المحاسبة أو العتاب سترا لها، بينما يبرزها في مواضع التشريف.

عندما نقول إن للأنثى لغة، فنحن نعني أنها نظام تواصل "عاطفي-ذهني". الأمان بالنسبة للأنثى ليس غياب الخطر الجسدي، بل هو البيئة التي تسمح لنفسها بأن تظهر دون أقنعة، إنه "الرحم النفسي" الذي إذا ما توفر، تفجرت معه ينابيع الإبداع والاحتواء، أما الفهم، فهو التحدي الأكبر؛ إذ يتطلب من الطرف الآخر (الرجل) أن يتخلى عن أدواته الذكورية الجافة من حرارتها ليقرأ ما بين السطور، ليسمع الصمت، ويفهم التقلب هو تقليبا له لترى أي وجه صالح قد يفيد.

وهْم الاختزال: سيكولوجية "الذكر" وعمق "الرجل"

من أكبر السقطات الفكرية في المجتمعات البشرية هي اختزال الأنوثة في "الجانب الجنسي"، هذا الاختزال هو نتاج رؤية "ذكورية" ضيقة ترى في المرأة "موضوعا" للإشباع وليس "ذاتا" للتحاور. الفلسفة تفرق هنا بوضوح بين "الذكر" و"الرجل"؛ فالذكر هو الذي يقف عند حدود الغريزة، يرى في الأنوثة شكلا، ويحاول امتلاكها كأداة، أما "الرجل"، فهو الذي يرتقي ليدرك أن الأنوثة هي "النصف المتمم" لنفسها وإنسانيتها، لأن الاختزال بالفهم الجنسي السطحي للأنوثة هو في الحقيقة إسقاط للأمان، لأنه يتجاهل معنى الأنثى؛ الأنوثة في جوهرها هي "طاقة خلق" و"بناء"، والجانب الجسدي فيها ليس إلا غلافا خارجيا لسرٍّ أعظم بداخلها، هو نوع من المهمة في السلالة له لغة تتجاوز الغريزة والإشباع إلى الاندماج بالعطاء.

الحدود الصحية: حراسة المقدس

لكي تظل هذه اللغة نقية، كان لا بد من "حدود"، الحدود في حياة الأنثى ليست جدرانا للعزل، بل هي "حصون" لحماية قدسية الجوهر، وضع الحدود هو الفعل الفلسفي الذي تعلن من خلاله الأنثى استقلاليتها؛ إنها تقول للعالم: "أنا كائن يجب أن يُحترم، يُفهم، ويُقدر، ولست مساحة مستباحة للغرائز". هذه الحدود تبدأ من "الرفض الواعي" لكل ما يمسّ كرامتها، وتنتهي بفرض نمط من التعامل يجبر المحيطين على الارتقاء بلغتهم، عندما تضع الأنثى حدودا، فهي في الحقيقة تساعد الرجل على اكتشاف "إنسانيته"؛ إذ تدفعه للتعامل معها كإنسان ، وتبقى أفهام المجتمع توجب الحد المعقول وإلا الخروج عنها يتجاوز المنطق على أي حال، ولن يسير ذكور مجتمعها بإرادتها، ولا فهمها وإنما بفهمهم المقلل من قيمتها، والتجني على خصوصيتها المضعف لدائرة أمنها وربما انتهاكه.

الأنوثة كفعل حضاري.. مقياس الرقي:
دعوتنا اليوم هي إعادة تعريف الأنثى كمفهوم مجتمعي، ليخرج من غرف الغرائز الضيقة إلى فضاءات الفكر الرحبة، وإحاطته بالقيم العليا وليس بقناعات موروثة تخالف الدين أحيانا كثيرة

دع من تهتم لأمرها، حبيبة أو زوجة، أو أي صلة لك بها، أن تحس بالأمان معك ومنك، فأمان الدنيا في أمانك، واحترم حضورها فيكون أمانك منها، وافهم أنها قد تأخذ نهجا ليس للنهج نفسه وإنما لتحقيق الذات، فلا تنتقدها وإنما أعطها ما ستجد بعده أنها ترتصف للاعتدال لأنها وجدت ضالتها. إن رقي أي فكر حضاري أو مجتمع مدني لا يُقاس بالخطب وناطحات السحاب، بل أحد معاييره "الأمان" الذي تشعر به الأنثى فيه، وبمدى احترام لغتها الخاصة. المجتمع الذي يحترم الأنوثة هو مجتمع متصالح مع قيم اللين، والرحمة، والاحتواء، أما إجبارها بالتخلي عن ثلاثيتها سواء بالضغط عليها بحجة العفة، أو معاملتها كآلة للجنس والشهوات، وجعل معيار حريتها كما نراها في الغرب، فالاثنان يفتقدان للفهم.

الخاتمة: الفهم

إن دعوتنا اليوم هي إعادة تعريف الأنثى كمفهوم مجتمعي، ليخرج من غرف الغرائز الضيقة إلى فضاءات الفكر الرحبة، وإحاطته بالقيم العليا وليس بقناعات موروثة تخالف الدين أحيانا كثيرة.

إن مشكلة مجتمعنا ككل البشرية اليوم هي الفهم، فكل ما نتعامل به هي انطباعات تستند إلى هوى السلطة في الحكم، وهوى الذكورية في الهيمنة المجتمعية مثلا، وإلى التمرد في إثبات المرأة لوجودها، وإصرارها أحيانا لدرجة تثبيت الجهل بما هو فيه نجاتها في الدارين، فلا يكفي أنها لا تقتنع بشيء بالهوى، وإنما عليها أن تبحث، وأن يكون رضا الله أهم من كل شيء.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)