أعماق الإنسان
وأنا
أجول مستعرضا الناس وتقلباتهم والزمان، وقامات فقدت انتماءها لشحة المتشدقين
بالقيم، أو أناسا أضحوا غير مبالين بمشاعر الآخرين؛ فأحزن على البشر الذين يهربون
من الذنب الصغير بالكبير ولعلني أعذره مضطرا، وأدعو له بالفرج، وما يحزن أكثر هو
الإصرار عندما يزعم أن ما يقترفه من نفاق هو نصرة للمبادئ والقيم، بينما هو يسيء
إلى المبادئ والقيم.. أهو
الخوف. أهو ضعف الثقة بالله؟ إنها لقمة العيش المرة زمن
الفساد وضيق عيش القابضين على القيم، أم هو تنقله مع رحلة تكسير القيم في دكاكين
النفوذ والفساد التي تستعين بالشريف لتبييض سمعتها ثم يسيء هو لسمعته مع وسوسة
فقدان الرزق وضياع نمط العيش وانهيار جدار الصمود؟
تعريف الوسوسة
ما
بين الأمل والخوف، ينبض صوت خفي يُدعى الوسوسة، ليست مجرد همسة عابرة، وصفها أرسطو
بأنها خلل في التخيل، حيث يطغى الوهم على الحقيقة لدرجة يُصدقها العقل، وعرفها
الغزالي بأنها "حجاب يشغل القلب عن الحق"، ومهما رأى الفلاسفة في الوسوسة
من الشر، أراها قلقا وجوديا وتصورا يولد الخوف مما ينتج عن الأحداث وحالة من
التفكير لحل ما لا معطيات لحله.
في هذا المأزق الوجودي، يهرب الإنسان من صغير متوهم إلى كبير واقع، يخشى خسارة وظيفة أو دخل محدود، فيتنازل عن مبدأ أخلاقي أعظم، يخاف الفقر الموهوم، فيبيع ضميره بثمن بخس، يقلق أو تقلق على أولادها، تفسد علاقاتها الاجتماعية
تبدأ
الوسوسة بنبض صغير: "ماذا لو خسرت الرزق؟ ماذا لو انهار مستوى عيشي؟ ماذا لو
عجزت عن حماية من أحب؟ وهذه لحظة فشل في اختبار الإيمان وتحميل
النفس ما ليس عليها.
كلما
حاول الإنسان مواجهة الوسوسة بالتفكير فيها أو تجنبها، ازدادت قوتها، لأن
القلق
نفسه يُفرز دوبامينا خفيا يحوّل الخوف إلى إدمان، هكذا تتحول الوسوسة إلى حلقة
مفرغة: خوف، تضخيم كارثي، تنازل مؤقت؛ قد يستديم، إحساس بالذنب، وسوسة.. وهكذا.
في
هذا المأزق
الوجودي، يهرب الإنسان من صغير متوهم إلى كبير واقع، يخشى خسارة وظيفة
أو دخل محدود، فيتنازل عن مبدأ أخلاقي أعظم، يخاف الفقر الموهوم، فيبيع ضميره بثمن
بخس، يقلق أو تقلق على أولادها، تفسد علاقاتها الاجتماعية.
الوسوسة في الفكر الإسلامي
وفي
التراث الإسلامي، يصف ابن القيم الوسوسة بأنها "حديث نفس يهجم على القلب بغير
اختيار"، ويبدو أنه يعدها من اللمم؛ "أن الله يتجاوز عنها ما لم يُعمل
بها أو يتكلم"، لكن المشكلة ليست في مجرد الوسوسة، بل في الاسترسال معها حتى
يصبح التنازل والتخلي عادة، أو القلق سمة.
الخلط
بين حالة مرضية وأن تكون من سمات الشخصية هو الإصرار، وفقدان الموازنة العقلية في
السلوك، ومعاملة الاضطرار وكأنه حالة طبيعية، والوسوسة أحيانا تخوين النفس ربما
لأنه يتصور أن هنالك خيانة لمبادئه من أجل حماية عزيز عليه، وهو واقعا قدم التضحية
من أجل كتم شر أكبر.. سؤالان يثبتان أن الأمر داخل النفس، فالوسوسة هنا ضعف تمييز
بين التوازن والهدر، هو مضطر اضطرارا وجوديا، الوسوسة جعلته يرى الرزق رهينة نقلته
إلى الخوف بل الرعب، وأصبح التوكل وهما، والصدق رفاهية لا يقدر عليها إلا
الأقوياء.
هو
يحمل على كتفيه أسرة وأحلاما ومسؤولية ثقيلة، فيصبح التخلي عن مبادئه "حلا"
يبدو منطقيا داخل سجن القلق وتخلي من عليه واجب دعمه عن دعمه، فتضيع الطاقات
بالمثاليات وما أيسر انتقاد فراغ صبر الجائع وأنت شبعان، فيأخذ الناقد دور القاضي
بدل أن يعين.
الإرادة -مهما اغتيلت بالوسوسة- يمكن أن تُبعث من جديد حين يقرر الإنسان أن يحول قرار الضعف إلى دافع نحو الأمل والتوكل الصادق
لعل
المتخلي يُعذر فليس كل التخلي عن عزم، لأن القلق الوجودي ليس اختيارا، بل هو جزء
أصيل من كينونة الإنسان. بعض الناس يصمدون كما قال كيركغارد: "كلما ازداد
الإنسان عمقا في القلق، ازدادت إمكانية عظمته.. إن استطاع أن يحوله إلى إيمان
وشجاعة"، لكن هذا ليس القاعدة ويبدو كلاما مثاليا والواقع يتطلب التكاتف
والبذل من المتمكن لغير المتمكن، من اجل نظافة الطاقات وعدم تحولها إلى طاقات تبدع
في السلبية. فحل مشكلة هذا النوع من الكفاءات هو دعمها من المتمكنين الصالحين، فإن
بخلوا أو أرفقوا عطاءهم بالمن وشحنات الشح السلبية، فيفضل العيش منتحرا بالتخلي
على أن يبدو مغفلا حين وثق بهذا النوع من الذين لن يهتم لجلدهم له باسم القيم.
الأمل
لا يموت
لا
تجد عزيمة عند محتار؛ فعندما يثبط الأمل في النفوس فهي تسير ميتة، الأمم السائرة
ميتة لا ينقذها إلا هؤلاء الذين يتساقطون اليوم تحت وطأة العيش ويغرقون في طغيان
الفساد، الصالحون قولا الغافلون عن واجبهم في تثبيت هؤلاء هم من يجرم بحق هذه
الطاقات، وبدل أن يستعيدهم يحمل مذرات تبعدهم عن ساحل النجاة، لا بد من حماية سلام
النفس ونقاء الضمير في صروف الزمان.
لكن!
الإرادة -مهما اغتيلت بالوسوسة- يمكن أن تُبعث من جديد حين يقرر الإنسان أن يحول قرار
الضعف إلى دافع نحو الأمل والتوكل الصادق، فليقطع كل واحد منا هذه الحلقة قبل أن
تغتاله، ففي تهذيب القلق الوجودي تكمن عظمة الإنسان، وفي الثبات على المبادئ تكمن العزيمة،
فثق بالله ربك.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.