ذات ألواح ودُسر

محمد صالح البدراني
"الثقة ليس بقائد ولا بوسيلة ولا بسفينة وإنما الثقة بالله هي الأساس"- جيتي
"الثقة ليس بقائد ولا بوسيلة ولا بسفينة وإنما الثقة بالله هي الأساس"- جيتي
شارك الخبر
صحراء الفكر:

وصل نوح عليه السلام منتهى الفاعلية، كانت استشرافا وليس إحباطا وهروبا.. نوح يمثل أي داعية في عصرنا لا وسيلة عنده إلا إخلاص الدعوة، والمحبة والصبر على التسفيه والاستهزاء. ولعلنا اليوم نحس بهذا من أناس لا يحاولون أن يفكروا، واعتبروا الثبات على الجهل والجهالة تنويرا فكريا، لا يريدون التقدم خطوة إلى الله، وشغلتهم بهرجة الحياة فلا يرون شعاع محبة نوح العصر لهم، في صحراء الأفكار وسيادة التفاهة والنفاق؛ من أجل مصالح ضيقة يتحولون إلى مسوخ، ومع وعلو الفاسدين وفقر الصالحين!

سنخشى الفتنة على أنفسنا والقلة القليلة التي تحاول استنبات الأرض، بل الفاسدون يتكاثرون ويتوالدون وما أكثر من كان على مسار صحيح لينحرف إلى ما لا يرضي الله؛ إما تطرفا وعدوانا أو وكالة لم تُعطَ له فكان مجرما ونموذجا سيئا يصد عن سبيل الله بجهله، أو في التبديد والاسترخاء، أو بشتى ما نرى من سبل في الابتعاد عن الرأي السديد، إنها مرحلة الضلال التي تحتاج إلى سفينة النجاة، سفينة ليست بلا تخطيط أو فكر رشيد، وإنما ببناء محكم سفينة ذات الواح ودسر.

الركوب في السفينة:
في السفينة آدمي عاقل، وحيوانات هي سلسلة غذائية لبعضها، لكنها تعبر عن الحياة الجديدة والبناء الإيجابي الذي يحتفظ بديمومة الخليقة، وإلا فالله قادر على خلق جديد

ليس كل الناس يركبون هذه السفينة، إنها سفينة الفهم والعلم، وأرقى المشاعر من الإحساس الذي يجمع الحب والتقوى والعمل الإيجابي يرتحل بفكرة إنشاء مجتمع جديد بعد أن تمخر بين أمواج كالجبال.. حين تركب السفينة ما تزال الصحراء تسف برمالها على وجهك، ما زال السفهاء يستهزئون بك، ما زالت الحياة مطلوب منك حفظها، ما زال حبك لهؤلاء القوم والأمل موجود.

السفينة وطن أمة التجديد:

السفينة اليوم هي نسب ورحم القيم العليا.. الله فتح لك وعلمك بناء السفينة وتحصينها وتوزيع غرفها ونشر السلام بضبط الغرائز، وهذّب المؤثرات، ففي السفينة آدمي عاقل، وحيوانات هي سلسلة غذائية لبعضها، لكنها تعبر عن الحياة الجديدة والبناء الإيجابي الذي يحتفظ بديمومة الخليقة، وإلا فالله قادر على خلق جديد.

وأنت تبحر بعقيدتك تذكر ديمومة الخليقة، فليست النجاة من القهر والاضطهاد والغربة بين الأهل أو من الموت هي النجاة بالنفس أو بمن يشبهك، وإنما النجاة بالحياة ككل وعندها سيزهق الباطل والشر متى أذِنَ الله وفار التنور. والتنور كناية تقبل التفسير أن الأمور تحدث من حيث أضدادها، لقد انبعث الماء من كل مكان وجاء من مكان النار؛ هنا الموازين تغيرت والإنذار بالإعصار، وحينما تكون في السفينة فأنت ذا ثقة عالية أنها صامدة وآمنة.

إنه عمل غير صالح:

في مشهد نوح وابنه درس للجميع، فليس أعز من الولد إلا الحفيد أو السبط، لم يك ابن نوح مؤمنا، وذاك لعمري ألم كبير للدعاة عندما يشذ أبناؤهم أو من خاصتهم عن الدعوة ويخرجون إلى الفتنة مهما كانت أشكالها، ألم لا يمكن أن يوصف إلا أن يخففه الله باليقين، أما وقد بلغت اليقين تبقى الأبوّة غريزة، ليس من أمل أن تهدي لي ابني هذا، لقد نسيت يا نوح أنك وما تفعل آية لغيرك، نسيت أيها الداعية أنك تُختبر كغيرك ولست بدعا من القول، ونسيت أن خيار من شذ عنك سيخاف سفينة من خشب ترتفع وارتفاع الموج وتنخفض بشدة انخفاض الموج، فتقول ليته معنا، لكنه ليس معك فهو لا يثق بالألواح والدسر وإنما بالجبل المستقر؛ إنه عمل غير صالح، إنه ترجم ثقتك بالله وتواضعك جنونا، فابنك هو من معك، أما هذا فلا ينتسب إليك في الحياة الجديدة، إنه لا يصلح لبناء المستقبل، "يا بني اركب معنا"، لن يثق بما تقاذفته الأمواج، فهذا لا يؤمن بمن صممها ومن نفذها ولا يفهم ما يعني الماء.. "سآوي" إلى الجهة القوية والأرض الصلبة فأنت تتخيل النجاة، لكن الرأفة في قلب الداعية لا تضعف،
اختبار الحرمان لا يعرفه إلا من عاناه ولا مكافأة على الصمود معه إلا ما عند الله؛ عندما ينسى العامل المتمكن أن يعين أخاه المحروم ويكتفي بانتقاده إن انحرف
فالبشر ضعيف أمام عواطفه، ضعيف حتى في ندمه على أخطائه وتوجهه إلى الصواب، ضعيف أمام من يحب، والله أرحم وأكرم، ولن يريك الله ما تكره فيمن تضعف أمام عاطفتك نحوه، لن يريك ابنا أو حفيدا وأنت في محنة، بل سيرأف بك كما أمر الموج أن يحيل بينه وبين مشهد غرق ابنه وهو متحفز العواطف.. إن ربا يضع التفاصيل حكيم فلا تخف.

فلا تهنوا..

إن من الدعاة والمؤمنين من يركب السفينة ويبقى ينظر إلى الجبل فيراه الأقوى والأمتن.. المال والجاه والقوة بيد الفاسد وهو في اختبار صبر، وقد يخرج من السفينة متجها إلى قمة جبل قريب يرى عليها من التجأ إليها من أهله أو معارفه؛ لعله يحس بالأمان من رعب الأمواج المتلاطمة والتي تعبث بالسفينة ثم لا يرى سفينته تستوي على الجودي.. اختبار الحرمان لا يعرفه إلا من عاناه ولا مكافأة على الصمود معه إلا ما عند الله؛ عندما ينسى العامل المتمكن أن يعين أخاه المحروم ويكتفي بانتقاده إن انحرف.

إن الثقة ليس بقائد ولا بوسيلة ولا بسفينة وإنما الثقة بالله هي الأساس، وإن قصر تجاهك حتى كل من تعرف أنه يملك الحبل فلا يمده ليعيدك ويترجاك أن تنبذ نزوتك؛ فاعلم أن الله جعل للصابرين المحتسبين المتمسكين الدؤوبين بابا لا ينازعهم عليه أحد وهم يدخلون إلى الجنة.

وبشر الصابرين حين ترسو على الجودي وتعود الحياة كما كانت لتعود الانقسامات إلى الخير والشر، فليس الأمر في انتصار حاسم لأحد القطبين، وإنما هو امتحان لمنظومتنا العقلية وكيف تفرق أين الصواب؛ أهو في ذات الألواح والدسر التي تلعب بها أمواج كالجبال، أم على جبال غرقى تبدو ثابتة وآمنة؟

تقبل الله طاعاتكم..

* المقال يعبر عن رأي كاتبه
التعليقات (0)