خبراء يقرؤون أسباب انسحاب الإمارات من "أوبك" وتأثيراته

الإمارات أعلنت أن قرارها جاء بعد دراسة معمقة لسوق النفط- جيتي
أثار قرار الإمارات بالانسحاب من منظمتي (أوبك، أوبك بلس) تساؤلات عن أسبابه وتأثيراته على سوق الطاقة العالمي، الذي يعاني أصلاً نتيجة إغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره 20 في المئة من واردات الطاقة العالمية.

وأرجعت الإمارات سبب هذا القرار إلى رغبتها في تطوير قطاع الطاقة لديها، بما في ذلك تسريع الاستثمار في الإنتاج المحلي للطاقة، كما يرسخ التزامها بدورها كمنتج مسؤول وموثوق يستشرف مستقبل أسواق الطاقة العالمية، وفقاً لما قالته وكالة الأنباء الرسمية.

وقالت الوكالة إن القرار جاء بعد مراجعة مستفيضة لسياسة دولة الإمارات الإنتاجية وقدرتها الحالية والمستقبلية، ونظراً لما تقتضيه المصلحة الوطنية والتزام الدولة بالمساهمة بشكل فعال في تلبية الاحتياجات الملحّة للسوق.

وكانت الإمارات قد اعترضت أكثر من مرة على خطط لأوبك حول خفض الإنتاج، حيث انتقدت في تموز/يوليو 2021 الخطة التي كان يتم التفاوض عليها آنذاك لخفض إنتاج أعضاء المنظمة، واعتبرت أن الاتفاق غير عادل، وطالبت بمراجعة نسب الإنتاج التي أقرتها المنظمة لدولها الأعضاء.

وحصل وقتها ما يمكن تسميته بالتصادم بين أبوظبي والرياض، فالأخيرة كانت تدفع باتجاه خفض الإنتاج، بالمقابل كانت الإمارات تسعى لزيادة حصتها من الإنتاج في السوق العالمي.

أسباب سياسية

كيت دوريان، باحثة غير مقيمة في معهد دول الخليج العربي في واشنطن، قالت في ردها على سؤال: لماذا هذا القرار الآن، "لا أستطيع أن أجزم بسبب انسحابها من أوبك، أوبك بلس في هذا الوقت بالذات".

وتابعت دوريان في حديث خاص لـ"عربي21"، "بالتأكيد القرار لم يكن مفاجئاً، فقد كان يختمر لبعض الوقت، لكن توقيت الإعلان مثير للاهتمام، أعني أنه جاء في يوم قمة مجلس التعاون الخليجي في جدة، لذا فهو يشكل ضربة لصورة المجلس كمجموعة متماسكة في مواجهة التهديدات الإيرانية".

وأوضحت أن "التوترات داخل أوبك، وخاصة بين السعودية والإمارات، كانت تتصاعد لسنوات، حيث شعرت الأخيرة أن حصتها لم تعكس السعة الإضافية التي استثمرت فيها مليارات الدولارات، لذا فقد كانت تشعر بأن الإملاءات تُفرض عليها من قبل الرياض وموسكو نوعاً ما، وهما من كانا يتخذان القرارات بشكل أساسي".

وأردفت، "الإمارات، كمنتج رئيسي، شعرت بالتهميش بسبب هذه الحقيقة، لذا إذا نظرنا إلى طاقتها الإنتاجية والحصة التي أُعطيت لها لشهر أبريل، والتي بالطبع لا تنتجها بسبب إغلاق مضيق هرمز، كانت تمتلك حوالي 1.4 مليون برميل من الطاقة الفائضة المعطلة، مقارنة بـ 4.85 مليون برميل يومياً التي تقول إنها تمتلكها الآن كطاقة إنتاجية إجمالية، وبحلول عام 2027 ستصل إلى 5 ملايين برميل يومياً".

وتساءلت دوريان قائلة، "لماذا قد تفعل الإمارات ذلك الآن، في حين أنها لا تستطيع حقاً الاستفادة من حقيقة وجودها خارج أوبك وتحررها من نظام الحصص؟ هو أمر يصعب تقييمه؛ لأنها تقول إن ذلك كان لأسباب اقتصادية".


إلا أن الخبيرة في قطاع الطاقة تعتقد أن هناك سبباً سياسياً للقرار، حيث كانت هناك توترات بين السعودية والإمارات حول السياسة في اليمن، وحول السودان بشكل خاص، وأيضاً التنافس بينهما من أجل نوع من السيادة الإقليمية كمركزين ماليين، لذا تعتقد أن هذا قد لعب دوراً أيضاً.

وحول ما إذا كان هناك دور لأمريكا في القرار الإماراتي، قالت دوريان: "لست متأكدة حقاً مما إذا كان للأمريكيين دور كبير أو كانوا عاملاً في هذا، لكنني أعتقد أنه كان قراراً سيادياً، وربما اتُخذ على أعلى المستويات، وليس من قبل وزير الطاقة نفسه؛ لأنه لا يملك في الواقع هذا القدر من السلطة، على الرغم من أنه كان الوجه الأبرز لذلك عند الإعلان والإدلاء بكل التصريحات".

رفض التدخلات الإقليمية

الخبير الاقتصادي نهاد إسماعيل قال إن "الإمارات مُنتِج كبير ولاعب ناشط في مجال الطاقة، ولها صوت مستقل، ولا تقبل الإملاءات التي تأتي من عواصم أخرى، ولا تقبل القيود والتنظيمات التي تفرضها أوبك بلس عليها".

وتابع إسماعيل في حديث خاص لـ"عربي21"، "الإمارات تريد سياسة مستقلة، وأن تُنتج أكبر كمية تريدها، وهذا يصب أيضاً في مصلحة المستهلكين في أوروبا والولايات المتحدة، وكذلك هي تريد مزيداً من الشراكات والتعاون مع أمريكا، ولا تريد تدخلات إقليمية من أي طرف، وتريد أن تكون مستقلة".

زعزعة أوبك

الانسحاب الإماراتي من أوبك لم يكن الأول، فقد سبقتها دول أخرى في قرار مغادرة المنظمة، منها "قطر، الإكوادور، أنغولا"، في أعوام 2019 و2020 و2024 على التوالي.

وفي وقت انسحابها من أوبك، أكدت قطر أن السبب هو سعيها لتطوير قطاع الغاز الطبيعي لديها، إلا أن قرارها جاء في ظروف سياسية نوعاً ما مشابهة لظروف انسحاب الإمارات من المنظمة.

فقد كانت قطر وقتها على علاقة سياسية سيئة مع الرياض، اللاعب الأبرز في أوبك، الأمر الذي دفع الخبراء وقتها لترجيح الأسباب السياسية على الاقتصادية.

إلا أن انسحاب قطر لم يؤثر كثيراً في سير عمل أوبك أو حتى في سوق الطاقة العالمية، فهي كانت تُنتج 600 ألف برميل يومياً فقط، لكن هل سيتأثر السوق وأوبك من قرار الإمارات التي تُنتج 3.1-3.5 برميل يومياً، وكيف سيكون شكل هذا التأثير؟

الخبير نهاد إسماعيل قال إن "تأثير انسحاب الإمارات من أوبك كبير وسلبي، وهو كالزلزال الذي يحدث في المنظمة، نعم، هي واجهت انسحابات في السابق (قطر، إندونيسيا، الإكوادور، أنغولا)، واستمرت في العمل".

وأوضح أنه "قد يحدث بعض الارتباك في صفوف أوبك، فبدلاً من أن يجتمعوا لإيجاد طرق لإنهاء حالة الصراع مع إيران وفتح مضيق هرمز، سيعالجون القضايا الداخلية، لذلك المنظمة في موقف صعب جداً".

وأضاف، "لكن وجود أوبك أفضل من عدمه؛ لأنها تنظم الإنتاج والسوق وتحافظ على مستوى أدنى من الأسعار، لأنه إذا تُرك الباب مفتوحاً وتم فتح مضيق هرمز، سينتج الكل ويبيع ما يريد، وبالتالي تهبط الأسواق، والكل يعاني، وعلى رأسهم كبار أعضاء المنظمة، لذلك من مصلحتها أن تكون متماسكة ومتعاونة".

ويرى إسماعيل أن "القرار الإماراتي في هذه اللحظة بالذات أمر خطير، ولكن ربما يكون مُرضياً للمستهلكين الكبار في الغرب، فمثلاً أمريكا، رغم أنها أكبر منتج للنفط، إلا أنها أيضاً مستهلك كبير وتريد أسعاراً منخفضة في محطات الوقود الأمريكية".


وحول تأثير خروج الإمارات من أوبك على المنظمة، قال إسماعيل: "إن هذا الانسحاب سيخلق زعزعة في صفوف هذه المنظمة، في الوقت الذي تحاول فيه الاستمرار في الإنتاج والتصدير بسبب مضيق هرمز، ستخلق مشاكل".

ولكن، وفقاً للخبير الاقتصادي، فإنه حتى لو تمكنت الإمارات من إنتاج نصف مليون برميل إضافي غداً بعد الانسحاب، لا تستطيع تصديره بسبب إغلاق مضيق هرمز، بمعنى أن هناك مشاكل جيوسياسية عميقة ودوافع سياسية تدفع الإمارات لاتخاذ هذه الخطوة، طبعاً القرار لم يكن مستغرباً، لكنه كان مفاجئاً".

وحول ما إذا كانت الإمارات تستطيع زيادة حصتها في الإنتاج، قال إسماعيل: "نعم، تستطيع خفض إنتاجها أو زيادته بعد انسحابها، ولكن أيضاً يمكن التشاور فيما بينها وأوبك كما تفعل المنظمة مع روسيا، لكن أبوظبي تريد أن تكون مستقلة، فهناك تراكمات من الإحباطات بسبب التدخلات في شؤون الإمارات وفرض قيود عليها".

وتابع، "الإمارات تقول: أنا أستطيع أن أنتج 5 ملايين برميل، لماذا تصرون على أن أنتج أقل من 4 ملايين برميل، وعبرت عن ذلك سابقاً، وهناك خلاف ربما يراه البعض حول اليمن، بمعنى أن هناك خلافات سياسية انعكست على شكل قرار خطير مثل هذا".

تأثير ضعيف

بالمقابل، يرى الخبير في الطاقة ممدوح سلامة أنه "لن يكون لهذا الانسحاب تأثير أبداً، كما أنه لن يكون لهذا القرار تأثير على أسعار النفط أو وضع الطاقة في العالم، لأن دولة الإمارات ستستمر في تصدير ما كانت تصدره وهي داخل أوبك، إذن تأثير إمداداتها متساوٍ سواء كانت داخل أو خارج المنظمة".

وحول تأثير انسحابها على قرارات أوبك فيما يخص حجم إنتاج الأعضاء، قال سلامة لـ"عربي21"، "الإمارات قالت إنها ستتعاون في المدى البعيد والقصير مع قرارات أوبك، بمعنى أنها ستنسجم معها، هي تسعى لأن ترفع إنتاجها أكبر من الحصة التي أُعطيت لها، وهي 3.5 مليون برميل يومياً من قبل المنظمة".

وتابع، "لكن الواقع يشير إلى أن الإمارات لم تستطع رفع إنتاجها إلى 3.5 مليون برميل يومياً رغم ارتفاع حصتها في أوبك، إذن كونها خارج المنظمة لن يساعدها على رفع إنتاجها أكثر".

ويعتقد سلامة أن ما سيحدث هو أنها ستكون أكثر تقرّباً من الولايات المتحدة من دول أوبك الأخرى، ولهذا الرئيس ترامب يبدو أنه مسرور بقرار الإمارات، ويقول إنه سيدعمها وسيدعم الدفاع عنها".

وعن سبب عدم قدرة الإمارات على رفع إنتاجها، قال سلامة، "هي لديها احتياطي نفطي كبير، ولكن عندما أُعطيت قبل أربع سنوات نسبة الإنتاج الجديدة، وهي 3.5 مليون برميل يومياً، وحتى عندما رُفعت قرارات خفض الإنتاج في أوبك، لم تستطع أن تحقق إنتاجاً يصل لهذا الرقم، إذن يمكن أن نستبعد قدرتها على رفع الإنتاج".

وأوضح أن "الإمارات تسعى لرفع إنتاجها أكثر من 3.5 مليون برميل، ولكن لن تستطيع، والسبب تقني بحت، فدول الخليج تنتج النفط من آبار عمرها 80-90 عاماً، وهذه الآبار آخذة جميعها في الانخفاض، بما فيها حقل الغوار العملاق في السعودية، إذن جميع هذه الدول متأثرة بحكم الزمن".

وقال سلامة، "بالتالي، حتى لو استخدمت هذه الدول أحدث التقنيات المتوفرة، فإنه لن يساعدها على رفع الإنتاج بالشكل الذي تريده، ولهذا أقصى ما يمكن أن تحققه الإمارات هو 3.5 مليون برميل يومياً، طبعاً في السابق لم تستطع تحقيق هذا الرقم حتى عندما سُمح لها بهذه الحصة من أوبك، وبالتالي خروجها من المنظمة لن يساعدها على تحقيق هذا الرقم".

وخلص بالقول، "ربما تستفيد الإمارات بأن يكون لها حرية اتخاذ القرارات دون الرجوع لأوبك، ولكن الاستفادة بالنسبة لها ربما تكون سياسية، هي ستكون أكثر قرباً من الولايات المتحدة من مجلس التعاون الخليجي، وبالتالي أعتقد أن القرار سياسي أكثر منه ما يتعلق بإنتاجها وتصديرها".


حصة أصغر لأوبك

الخبيرة في الطاقة كيت دوريان قالت إن "قرار الإمارات سيكون له تأثير على التوازنات، وسيكون لأوبك وأوبك بلس حصة أصغر من السوق العالمية نتيجة لذلك".

وتابعت دوريان، "لكن حجم الضرر الذي سيلحقه بتوازنات السوق هو قصة أخرى؛ لأننا لا نعرف ما إذا كان مضيق هرمز سيُفتح أم لا ومتى، وما هو الحجم الذي ستنتجه الإمارات، وهل تريد التسبب في المزيد من التوترات مع جارتها السعودية من خلال الضخ بأقصى طاقة؟ والكثير من هذا يعتمد على الطلب، فإذا حدث تدمير للطلب نتيجة لذلك، فلا فائدة من الإنتاج إذا لم يكن هناك طلب على نفطك".

وترى الخبيرة أن قرار الإمارات قد يشجع دولاً أخرى داخل أوبك وأوبك بلس على القول: "حسناً، نحن لا نريد أن نكون جزءاً من هذا على أي حال"، لذلك قد تحذو دول مثل كازاخستان حذوها، فقد رأينا قطر تغادر، ورأينا أنغولا تغادر، إذن هناك خطر يتمثل في أن يتبع الآخرون الإمارات ويغادروا، لذا أعتقد أنه من المبكر جداً معرفة التأثير الذي سيحدث على أوبك.