بين الخليج وأوروبا.. هل تعود مصر لاعبًا محوريًا في خريطة التجارة العالمية؟

الخط التجاري الجديد يمثل فرصة لمصر لتقليل تبعات مشروعات ملاحية وبرية بديلة- جيتي
في خطوة تركت أصداء اقتصادية واسعة، دشنت السعودية ومصر، بالتعاون مع شركات أوروبية، الأسبوع الماضي، خط تجارة دولي هو الأحدث بين قارات العالم القديم، حيث يربط بين دول أوروبا وموانئ مصر على البحرين المتوسط والأحمر، ويمتد إلى ميناء "نيوم" السعودي، ومنه إلى دول الخليج العربي والعراق، وفق إعلان رسمي من شركة "نيوم".

تقوم الفكرة عبر ممر متعدد الوسائط يدمج النقل البحري والبري معًا (شاحنات وعبّارات) لنقل النفط والغاز والبضائع من وإلى دول الخليج العربي والعراق أيضًا إلى ميناء نيوم (شمال غرب السعودية)، بريًا، ثم نقل الشحنات بحريًا إلى ميناء سفاجا المصري على الضفة الغربية للبحر الأحمر، ومن ثم نقلها بريًا إلى ميناء دمياط شمالًا على البحر المتوسط، ومنها إلى دول أوروبا، والعكس.

مدى الفاعلية والجاهزية

وحول فاعلية طريق التجارة الأحدث عالميًا، أكدت شركة "نيوم" أن مستوردين بأسواق أوروبية بدأوا في استخدام الممر اللوجستي الذي يقلل زمن عبور الشحنات، وخاصة البضائع الحساسة والسلع الاستهلاكية سريعة التداول والبضائع المبردة، من الخليج إلى أوروبا والعكس، ما يزيد من حيوية الممر، خاصة مع قرب "نيوم" من أهم 3 موانئ مصرية على البحر الأحمر، وهي: (سفاجا، والغردقة، وشرم الشيخ)، وبالطبع قناة السويس.

وفي حين تشير التقارير إلى جاهزية ميناء "نيوم" بتدشين محطة حاويات بطول 550 مترًا، وغاطس بعمق 18.5 متر، ورصيف 900 متر، وطاقة استيعابية 1.5 مليون حاوية مكافئة سنويًا، يمكنها استقبال أكبر سفن الشحن في العالم، يظل لافتًا حضور شركة "بان مارين" المصرية للنقل بين "سفاجا" و"نيوم"، وشركة "DFDS" الدنماركية بالنقل عبر عبّارات "RoRo" بين أوروبا ومينائي دمياط وسفاجا.

وفي سياق النقل بين دول الخليج وميناء نيوم، أعلنت الخطوط الحديدية السعودية، الأسبوع الماضي، إطلاق 5 مسارات لوجستية جديدة، من بينها مسار "رأس الخير- حائل- نيوم"، لربط موانئ شرق البلاد بميناء "نيوم"، الذي يمثل محطة الربط مع العواصم الخليجية.

خطوة استراتيجية

يمثل الممر، وفق قراءة مراقبين، "أول نتيجة مباشرة لأحداث الحرب (الأمريكية-الإسرائيلية) على إيران منذ 28 شباط/فبراير الماضي، ومن بينها غلق مضيق "هرمز"، وتهديد تجارة النفط والغاز التي تقوم عليها اقتصاديات دول الخليج".

"في حين يمثل الطريق التجاري، الذي تنعقد عليه الكثير من الآمال، استغلالًا أمثل للموقع الاستراتيجي للسعودية ومصر، ولموانئ البلدين المتقابلتين شرق وغرب البحر الأحمر اقتصاديًا واستراتيجيًا، وخطوة نحو تكامل اقتصادي اضطراري بين الدول العربية، إذ يجمع، إلى جانب الرياض والقاهرة، دول: عُمان، والإمارات، وقطر، والبحرين، والكويت، وكذلك العراق، رغم الحديث عن مسارات تجارية له مع تركيا".

يرى المحللون كذلك أن "تلك الخطوة استراتيجية وتعزز دور مصر والسعودية كمركز لوجستي في التجارة بين قارات العالم القديم الثلاث، وتمثل مكسبًا للجميع، فتعد تعويضًا لمصر عن تأثر دخل قناة السويس بحرب الإبادة الدموية الإسرائيلية على قطاع غزة (2023-2025)، وتوفر مسارًا تجاريًا بديلًا وآمنًا للخليجيين وسط التحديات الجيوسياسية بحرب إيران التي أوقفت صادرات النفط والغاز الخليجية".

جانب آخر يلفت إليه البعض، وهو أن "الخط (البري-البحري)، (الخليجي-السعودي-المصري) إلى أوروبا والعكس، يمثل بديلًا يقلل من أدوار مشروع ممر بايدن (IMEC) المعلن في أيلول/سبتمبر 2023، والمقرر أن يمتد من موانئ الهند إلى أوروبا عبر موانئ الإمارات، وبريًا عبر السعودية والأردن وإسرائيل، ومنها إلى القارة العجوز"، متوقعين ردود فعل إسرائيلية غاضبة من المشروع الذي يأكل من إحدى أحلامها بأن تصبح ممرًا للتجارة بين الشرق والغرب.

وفي إطار تحويل مصر إلى مركز إقليمي للنقل واللوجستيات وتجارة الترانزيت، أكد مجلس الوزراء، في كانون الثاني/يناير الماضي، إنفاق وزارة النقل 300 مليار جنيه لتطوير الموانئ، ومنها ميناء سفاجا.

ويشير البعض إلى أن نجاح الممر الجديد واستمراريته يتطلبان تطوير مينائي دمياط وسفاجا، إلى جانب توسعة وتطوير الطرق البرية من الجنوب حتى الميناء الصغير على البحر المتوسط شمالًا، فيما يعتقد البعض أن المسار البري عبر الأراضي المصرية يأكل من رصيد قناة السويس، ملمحًا إلى أفضلية الشحن البحري من سفاجا إلى موانئ أوروبا عبر القناة.


مشروعات سعودية أخرى

وفي ظل توترات إقليم الشرق الأوسط المتتابعة، ومخاوف السعودية على مستقبل صناعة النفط العملاقة، ظهرت أفكار لعدة مشاريع بحرية وبرية لنقل البترول بعيدًا عن بؤرتي الصراع قرب مضيق "هرمز" و"باب المندب" الملتهبتين، بعضها يخدم مصر وقناة السويس، والبعض الآخر يضر بها.

وتُثار فكرة إعادة إحياء خطوط أنابيب النفط اليمنية كمشروع سعودي مقترح لإعادة تصدير النفط عبر موانئ حضرموت والمهرة على البحر العربي.

وفي أيلول/سبتمبر 2015، دعت دراسة لـ"مركز القرن العربي للدراسات" بالرياض إلى شق قناة بين الخليج العربي وبحر العرب، بطول 630 كيلومترًا بأراضي السعودية و320 كيلومترًا باليمن، بعرض 150 مترًا وعمق 25 مترًا، وبتكلفة 80 مليار دولار.

وفي حزيران/يونيو 2025، وعبر موقع "الجزيرة" السعودي، دعا الكاتب صالح الشادي إلى إنشاء "قناة سلمان" كممر مائي يربط الساحلين الشرقي والغربي للمملكة -الخليج العربي بالبحر الأحمر- عبر الجهة الشمالية من هضبة نجد، على غرار قناة السويس بالنسبة لمصر.

ورصد تقرير لموقع "Firstpost"، في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، فوائد "قناة سلمان" بين الخليج العربي والبحر الأحمر للسعودية، ملمحًا إلى أن المشروع يأتي في ظل مخاوف الرياض من تضرر اقتصاد الطاقة وإمدادات النفط، وتأزم حركة المرور في مضيق هرمز، الذي ينقل 20 مليون برميل نفط يوميًا من الخليج، بنحو 30 بالمئة من تجارة النفط العالمية.

لتأتي فكرة الربط بين الموانئ المصرية ونيوم السعودي فرصة لإنقاذ ما تبقى لمصر من حظوظ في نقل التجارة العالمية، استفادةً مما لديها من تجهيزات وتطوير في موانئها على البحرين المتوسط والأحمر، واستفادةً من الرغبة السعودية التي تجري على الأرض، وأخذت شكل جسر بري عملاق بين العواصم الخليجية وميناء "نيوم" عبر شبكة السكك الحديدية السعودية، لتصبح السعودية جسرًا بريًا بديلًا يقلل الاعتماد على مضيق هرمز.


وحول الأهمية الاقتصادية للممر الجديد لمصر ودول الخليج، والعقبات المحتملة أمامه، خاصة مع توتر العلاقات المصرية الخليجية تأثرًا بموقف مصر من "حرب إيران"، تحدث الأكاديمي المصري، الدكتور محمد الزواوي، لـ"عربي21".

وقال إن "المشروع يأتي في إطار تنويع وسائل وطرق نقل نفط وغاز الخليج، وسط حالة لا يقين تسود إقليم الشرق الأوسط، وتساؤلات حول احتمالات انتهاء أو استمرار الحرب (الأمريكية-الإسرائيلية) على إيران، ومستقبل (مضيق هرمز)، و(ممر بايدن) نفسه، وحتى مشروع (الحزام والطريق) الصيني، مع حالة اللايقين بسبب الحرب".

خبير العلاقات الدولية والدراسات الشرق أوسطية، والمحاضر بجامعة "سكاريا" التركية، أوضح أنه من هنا تأتي أهمية "هذا المشروع كإحدى أدوات تنويع نقل الطاقة، وأحد البدائل المقترحة التي تصب في مصلحة دول الخليج والدول المصدرة للطاقة، بعدما كشفت حرب إيران عن أهمية وجود خيارات كثيرة".

ويرى أنه "بغض النظر عن العلاقات السياسية الحالية بين مصر والسعودية، وبين مصر وباقي شركائها الخليجيين، فإن تنويع طرق نقل الطاقة يصب في مصلحة الجميع، حتى مصر نفسها من الأفضل لها أن تنوع مسارات بديلة عن قناة السويس التي تواجه حالة من اللايقين منذ المواجهات بين الحوثيين في اليمن مع إسرائيل".

ولفت إلى أنه، إلى جانب المصلحة الخليجية والعالمية من نقل الطاقة عبر هذا الممر الآمن، يمكن لمصر تحصيل رسوم على البضائع المنقولة (بحرًا ثم برًا) من ميناء نيوم بحريًا إلى ميناء سفاجا، ثم نقلها بريًا إلى ميناء دمياط، كما أنها تنوع من اختياراتها المتعلقة بنقل الطاقة، ويكون لديها بديل عن تعطل الملاحة بقناة السويس.

وحول ما يشوب العلاقات المصرية السعودية والمصرية الخليجية على خلفية موقف مصر من حرب إيران، واحتمالات تعثر مثل هذا المشروع، قال الزواوي إن "التاريخ والسياسة يتغيران، لكن الجغرافيا لا تتغير، وعلى البلدين استغلال موقعهما عبر خطط استراتيجية طويلة المدى يجب الاتفاق عليها، وتنحية السياسة جانبًا طالما هناك مصالح وتبادل تجاري".

وألمح إلى عبارة يقولها السياسيون: "لا يوجد في السياسة أصدقاء دائمون، ولكن هناك مصالح دائمة"، مبينًا أن "هناك مصالح استراتيجية لن تتبدل بين يوم وليلة بصرف النظر عن موقف مصر من الحرب الحالية".

وفي نهاية حديثه، بيّن أن "مصر لديها مصالح تبدأ بوجود أكثر من 8 ملايين عامل بالخليج يدرّون تحويلات تخطت دخل قناة السويس، ومع احتمال -لا قدر الله- وجود غزو بري من إيران، فلن يجد الخليج سوى جيش مصر، فهو الأقرب للدفاع عنه، حتى باكستان، وبرغم اتفاقيات عسكرية مع السعودية، قد يطال نقل جنودها صعوبات وإعاقة إيرانية، لتظل مصر الأقرب لنجدة الخليج والسياج الأول للدفاع عن أمنه".

فرصة إنقاذ من ممرات بديلة

وبرغم عدم وجود أرقام عن حجم التجارة المتوقعة وحجم دخل مصر منها، إلا أن الخط التجاري الجديد يمثل فرصة لمصر لتقليل تبعات مشروعات ملاحية وبرية بديلة ومنافسة لقناة السويس، وانفراجة أمام صانع القرار المصري للتغلب على تبعات الأزمة الإقليمية الحالية.

ففي ظل الحاجة الدولية لتوفير بدائل أسرع وأكثر أمانًا وسط التوترات الجيوسياسية والحروب التي تفجرها إسرائيل بالمنطقة، يشهد إقليم الشرق الأوسط سباقًا استراتيجيًا محمومًا لتطوير ممرات ملاحية وبرية لربط آسيا بأوروبا، تأكل جميعها من حظوظ المرور عبر قناة السويس وإيرادات الممر التاريخي الذي حفره المصريون في القرن التاسع عشر.

القناة التي يمر عبرها بين 12 و15 بالمئة من التجارة البحرية العالمية، ونحو 30 بالمئة من حركة الحاويات عالميًا، تمثل المصدر الأهم للعملة الصعبة لاقتصاد بلد يعاني أزمات مع ديون خارجية تقترب من 164 مليار دولار، حيث حققت إيرادات قياسية بلغت 10.2 مليار دولار عام 2023، في رقم شهد تراجعًا بنسبة 60 بالمئة نتيجة حربي "غزة" و"إيران".

ويأتي ممر بايدن كأحد أهم المشاريع المقترحة، لحجم مساره الضخم وعدد الدول المشاركة فيه، ومروره بمسارات أسرع تقلل وقت النقل بنسبة 40 بالمئة عن قناة السويس، حيث يربط الهند بدول الخليج (الإمارات، السعودية) عبر البحر، ثم سكك حديدية تربط الخليج بالأردن وإسرائيل، وصولًا إلى أوروبا.

ويبرز كذلك مشروع طريق التنمية (العراق- تركيا- أوروبا)، كممر بري من سكك حديدية وطرق سريعة بطول 1200 كم، ليربط ميناء الفاو في البصرة بتركيا، ومنها إلى أوروبا، ومن المخطط بدء مراحله الأولية العام الجاري واكتماله عام 2050.

يأتي أيضًا مشروع البحار الأربعة، كمبادرة تركية لربط بحار المتوسط، والأسود، وقزوين، والخليج العربي عبر شبكة نقل متكاملة تعزز مكانة تركيا وسوريا والعراق كمركز لوجستي، وبعيدًا عن الأراضي المصرية.

وإلى جانب تلك المخاوف، تبدو مشروعات دولية تسعى لاقتطاع حصة من حركة التجارة العالمية ومنافسة قناة السويس، منها: طريق بحر الشمال الروسي، الذي يقلص المسافة بين آسيا وأوروبا بنسبة 40 بالمئة عن مسار قناة السويس.

وأطلقت الصين، في أيلول/سبتمبر 2025، ولأول مرة، خط شحن حاويات بانتظام بين آسيا وأوروبا مرورًا بالقطب الشمالي، يصل إلى بريطانيا وألمانيا وبولندا، في رحلة تقلص وقت العبور مقارنة بقناة السويس إلى النصف تقريبًا، حيث تستغرق 18 يومًا فقط.

وفي المقابل، يؤكد خبراء ودراسات أن "مبادرة الحزام والطريق" الصينية تتمتع فيها قناة السويس بمقومات تساهم في تحويل مصر إلى مركز لوجستي صناعي وتجاري عالمي، ذي تأثير كبير على التجارة البحرية العالمية، يمهد لشراكات وتحالفات اقتصادية تجعلها دولة محورية وفاعلة في التجارة الدولية.