قصة الصعود المذهل.. رواندا من رماد المذبحة إلى قيادة اقتصاد أفريقيا

حقق الاقتصاد الرواندي متوسط نمو سنوي بلغ نحو 7.2% بين عامي 2000 و2019- جيتي
منتصف تسعينيات القرن الماضي كان التحدي بالنسبة لرواندا هو البقاء كدولة موحدة، حيث كانت حينها أكوام من الركام والدمار بعد إبادة جماعية حصدت قرابة المليون إنسان في مئة يوم.

لكن بعد ثلاثة عقود فقط، تفاجئ هذه الدولة الأفريقية الحبيسة العالم وهي تتربع على عرش أسرع الاقتصادات نموا في القارة السمراء، متحولة إلى واحة للتكنولوجيا وجذب الاستثمارات، فكيف نجحت رواندا في النهوض من ركام الحرب؟.

مئة يوم هزت ضمير الإنسانية

في السادس من نيسان/ أبريل 1994 انطلقت شرارة واحدة من أبشع الحروب الأهلية في التاريخ الحديث، بعد سقوط طائرة الرئيس الرواندي آنذاك، جوفينال هابياريمانا، المنتمي لأغلبية "الهوتو".

لم يكن هذا الحادث المروّع سوى الصاعق الذي فجر بركان غضب مكبوت، لطالما غذته عقود طويلة من الشحن العرقي والسياسي الممنهج ضد أقلية "التوتسي" الرواندية.

بعد ساعات من سقوط طائرة هابياريمانا، تحولت شوارع مدن رواندا إلى ساحات إعدام مفتوحة، فوفقا لتقارير الأمم المتحدة، أسفرت حملات التطهير العرقي التي قادتها ميليشيات "الإنترهاموي" المتطرفة بدعم وتنسيق من الجيش الحكومي، عن مقتل نحو 800 ألف شخص من التوتسي والهوتو، وذلك في غضون مئة يوم فقط.


لم تقتصر الإبادة على المواجهات العسكرية التقليدية، بل تغلغلت في عمق النسيج المجتمعي ليتحول الجار إلى قاتل لجاره، حيث استُخدمت الأسلحة البيضاء والمناجل الزراعية كأدوات رئيسية للقتل.

وكان من بين المنظمين الأوائل لعمليات القتل مسؤولون عسكريون وسياسيون ورجال أعمال، ولكن سرعان ما انضم كثيرون آخرون إلى الفوضى.

ووفق تقارير فإن نظام الهوتو العرقي المتطرف الذي تولى السلطة في عام 1994 اعتقد حينها أن الطريقة الوحيدة التي يمكنه من خلالها التمسك بالسلطة هي القضاء على التوتسي تماما.

واستنادا إلى أرقام الأمم المتحدة، فإن ما بين 100 ألف إلى 250 ألف امرأة تعرضن للاغتصاب، وفر مئات آلاف الأشخاص، إلى بلدان مجاورة بينها جمهورية الكونغو الديمقراطية، وما زالت المقابر الجماعية تُكتشف في رواندا حتى اليوم.

أُسدل الستار الدموي على هذه المأساة في تموز/ يوليو 1994، بفضل الزحف الميداني لـ"الجبهة الوطنية الرواندية" حيث تمكنت هذه الحركة المتمردة، بقيادة العسكري الشاب آنذاك بول كاغامي، من إحكام السيطرة على العاصمة كيغالي، داحرة قوات الحكومة المؤقتة وميليشياتها نحو الدول المجاورة، وتحديدا إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية.

في تلك اللحظة الفارقة، وجد كاغامي نفسه أمام تركة ثقيلة ووطنٍ تحول إلى رماد، بنية تحتية مسواة بالأرض، خزائن خاوية، وملايين اللاجئين والنازحين، فضلا عن مجتمع ممزق غارق في الدماء تنهشه الرغبة العمياء في الانتقام.

من خنادق التمرد إلى قيادة رواندا

عاش بول كاغامي الذي ينتمي لعائلة من التوتسي مرارة اللجوء في أوغندا المجاورة منذ طفولته بسبب الاضطرابات السياسية، تلقى تدريبا عسكريا متقدما وانخرط في حروب العصابات، مما صقل شخصيته القيادية الصارمة.

عندما تولى كاغامي زمام الأمور فعليا كنائب رئيس ووزير دفاع أولا، ثم كرئيس للجمهورية منذ عام 2000 أدرك أن إنقاذ رواندا يتطلب معادلة غير تقليدية تقوم على ركيزتين: المصالحة الوطنية الشاملة، والتنمية الاقتصادية الصارمة.

ألغى كاغامي الهوية العرقية من الأوراق الرسمية؛ فلم يعد هناك "هوتو" أو "توتسي"، بل أصبح الجميع يحملون هوية واحدة هي "أنا رواندي".


كما وضع دستورا للبلاد ينص على تجريم كل من يتلفظ بلفظ عنصري في البلاد، وبعدما انتهى من ملف المصالحة، تفرغ كاغامي، لموضوع الاقتصاد من أجل انتشال البلد من الفقر والمجاعة.

بدأ كاغامي بطرح رؤية اقتصادية طموحة عُرفت باسم "رؤية 2020"، والتي سعى من خلالها إلى تحويل رواندا من بلد يعتمد على المساعدات إلى اقتصاد معرفي متوسط الدخل، وهي الرؤية التي جرى تحديثها لاحقاً لتصبح "رؤية 2050" للوصول إلى مصاف الدول ذات الدخل المرتفع.

نهضة اقتصادية

خلال السنوات العشر الأولى من توقف الحرب الأهلية تمكن كاغامي من مضاعفة الناتج الداخلي الخام بهذا البلد لينتقل من 900 مليون دولار إلى 9.14 مليارات دولار.

كما تراجع معدل الفقر في رواندا من 60 في المائة إلى 39 في المائة، واحتلت رواندا المركز 44 عالميا، والأولى على مستوى أفريقيا في مؤشر محاربة الفساد.

تمكن كاغامي من رفع دخل الفرد بمقدار ثلاثين ضعفا مقارنة مع السنين السابقة، وانخفض مستوى الأمية بنسبة 50 بالمائة، ثم بدأ مسار النهضة الرواندية بشكل سريع.

وتشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن رواندا حققت معدل نمو سنوي لناتجها المحلي الإجمالي بلغ في المتوسط نحو 7.2% بين عامي 2000 و2019، وهو أحد أعلى معدلات النمو في العالم.

ورغم الهزات الاقتصادية العالمية اللاحقة، استعاد الاقتصاد الرواندي عافيته ليسجل نموا قويا قارب 8.2% في عام 2023 وواصل مساره الإيجابي في السنوات التالية وفق تقديرات صندوق النقد الدولي.

واحتلت رواندا المرتبة الثانية أفريقيا والـ 38 عالميا في تقرير "سهولة ممارسة أنشطة الأعمال" الصادر عن البنك الدولي متفوقة على دول أوروبية وعربية عديدة.

وتتيح القوانين الرواندية الحالية تأسيس شركة واستكمال كافة الإجراءات القانونية عبر الإنترنت في غضون 6 ساعات فقط.

ووفقا لتقرير "مؤشر مدركات الفساد" الصادر عن منظمة الشفافية الدولية تأتي رواندا بانتظام ضمن قائمة أقل الدول فسادا في أفريقيا (تتأرجح بين المرتبة الرابعة والخامسة أفريقيا)، مما جعلها وجهة آمنة ومفضلة لرؤوس الأموال الأجنبية.

بيئة الأعمال والابتكار

وعلى مدى العقود الثلاثة الأخيرة ركزت الحكومة الرواندية على قطاعات استراتيجية محددة للتغلب على عائقها الجغرافي كدولة حبيسة، وتمثلت الاستراتيجية في تحويل كيغالي إلى مركز إقليمي للمؤتمرات، والسياحة الفاخرة، والتكنولوجيا.

واستثمرت الدولة بكثافة في البنية التحتية الرقمية، فمدت شبكات الألياف البصرية في جميع أنحاء البلاد، وأطلقت مشروع "مدينة كيغالي للابتكار" لجذب الشركات الناشئة وعمالقة التكنولوجيا.


واليوم، تُستخدم الطائرات بدون طيار في رواندا لتوصيل الدم والأدوية المنقذة للحياة إلى المستشفيات الريفية النائية، في تجربة غدت نموذجا في أفريقيا.

وفي قطاع السياحة، نجحت رواندا في تسويق نفسها كوجهة سياحية بيئية فاخرة، كما أبرمت اتفاقيات رعاية رياضية ضخمة وعالية العائد مع أندية عالمية مثل "أرسنال" الإنجليزي و"باريس سان جيرمان" الفرنسي تحت شعار "زوروا رواندا" مما ضاعف عائدات السياحة.

التنمية في مواجهة الديمقراطية

لكن ورغم الصعود الاقتصادي المذهل لا يخلو النموذج الرواندي من انتقادات حادة، إذ يرى منتقدو كاغامي أن النهضة الاقتصادية يقابلها تضييق على الحريات والعمل السياسي وحرية الصحافة وإقصاء الخصوم السياسيين.

لكن المدافعين عن كاغامي، يرون أن خصوصية الوضع الرواندي بعد الإبادة الجماعية كانت تتطلب قبضة حازمة لمنع انزلاق البلاد مجددا نحو الحرب الأهلية، وأن الديمقراطية المستقرة لا يمكن أن تبنى على بطون جائعة ودولة ممزقة.