لا تبدو الخطوة الفرنسية الأخيرة بفتح تحقيق
في شبهات "جرائم حرب" و"تعذيب" على خلفية معاملة ناشطين
شاركوا في "أسطول الصمود العالمي" المتجه إلى غزة مجرد إجراء قضائي
مرتبط بحادثة محددة، بل تثير تساؤلات أوسع حول ما إذا كانت
أوروبا تشهد تحولاً
تدريجياً في مقاربة المساءلة القانونية المرتبطة بإسرائيل، بعد عقود ظلت فيها مثل
هذه الملفات محاطة بحساسيات سياسية ودبلوماسية كبيرة.
فالتحقيق الذي فتحه الادعاء الوطني الفرنسي
لمكافحة الإرهاب بطلب من الحكومة، استناداً إلى شهادات لناشطين فرنسيين تحدثوا عن
تعرضهم لسوء المعاملة أثناء احتجازهم من قبل السلطات الإسرائيلية، يأتي في سياق
أوسع من التحركات القضائية الغربية التي بدأت تقترب، بدرجات متفاوتة، من ملفات
مرتبطة بالحرب على غزة والانتهاكات المحتملة للقانون الدولي الإنساني.
قضية تتجاوز أسطول غزة
ورغم أن التحقيق الفرنسي يركز حالياً على
مزاعم تعذيب وإهانة واعتداءات تعرض لها ناشطون أوروبيون بعد اعتراض الأسطول في
المياه الدولية، فإن أهمية القضية تكمن في طبيعة التهم قيد التحقيق.
فالحديث يدور عن شبهات "جرائم
حرب" و"تعذيب"، وهي جرائم لا تسقط بالتقادم في كثير من الأنظمة
القانونية، وتخضع لمبادئ الاختصاص القضائي الواسع في بعض الدول الأوروبية، ما
يمنحها أبعاداً تتجاوز الحادثة نفسها.
وقد يفتح أي تقدم في التحقيق، خصوصاً إذا
أسفر عن جمع أدلة وشهادات موثقة، الباب أمام دعاوى أخرى مرتبطة بمعاملة الأسرى أو
المدنيين الفلسطينيين أو المتضامنين الأجانب.
المحكمة الجنائية الدولية.. التحول الأكبر
ويأتي التحرك الفرنسي في وقت تواصل فيه المحكمة الجنائية
الدولية تحقيقاتها المتعلقة بالأراضي الفلسطينية.
وكانت المحكمة قد شهدت خلال السنوات الأخيرة
تطورات غير مسبوقة فيما يتعلق بالملف الفلسطيني، بعدما اعتبرت أن لها ولاية قضائية
على الجرائم المرتكبة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وأصبحت الحرب على غزة محوراً رئيسياً في
النقاشات القانونية الدولية، مع تصاعد المطالب الحقوقية بالتحقيق في الانتهاكات
المرتكبة ضد المدنيين والبنية التحتية والمرافق الإنسانية.
ورغم الضغوط السياسية الكبيرة التي واجهتها
المحكمة، فإن مجرد انتقال الملف الفلسطيني من دائرة الجدل السياسي إلى مسار
التحقيق الجنائي الدولي شكّل نقطة تحول في تاريخ المساءلة المرتبطة بالصراع
الفلسطيني الإسرائيلي.
دعوى الإبادة أمام محكمة العدل الدولية
وفي تطور آخر لافت، تقدمت جنوب إفريقيا بدعوى ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية
متهمة إياها بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية.
ورغم أن المحكمة لا تنظر في المسؤولية
الجنائية الفردية، فإن القضية حملت دلالات سياسية وقانونية واسعة، خصوصاً بعد
إصدار المحكمة سلسلة من التدابير المؤقتة التي طالبت إسرائيل باتخاذ إجراءات
لحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية.
وقد ساهمت هذه القضية في تعزيز النقاش
العالمي حول المساءلة القانونية الدولية المتعلقة بالحرب على غزة، وأعطت زخماً
لمبادرات قانونية أخرى في دول مختلفة.
إسبانيا وبلجيكا وأيرلندا.. مسارات متوازية
في السنوات الأخيرة شهدت عدة دول أوروبية
محاولات قانونية تتعلق بإسرائيل، سواء عبر المحاكم الوطنية أو من خلال شكاوى مقدمة
إلى أجهزة الادعاء.
ففي إسبانيا أعيد إحياء
نقاشات الاختصاص القضائي العالمي أكثر من مرة في قضايا مرتبطة بمسؤولين
إسرائيليين، رغم أن تعديلات قانونية لاحقة حدّت من نطاق هذا الاختصاص.
وفي بلجيكا استُخدمت
قوانين الولاية القضائية العالمية سابقاً للنظر في دعاوى مرتبطة بجرائم حرب
وانتهاكات جسيمة للقانون الدولي، قبل أن تتعرض هذه الآليات لضغوط سياسية أدت إلى
تقييدها.
أما أيرلندا فقد برزت خلال
السنوات الأخيرة كواحدة من أكثر الدول الأوروبية انتقاداً للسياسات الإسرائيلية،
مع تزايد الدعوات السياسية والحقوقية لاتخاذ إجراءات قانونية أكثر صرامة بشأن
الانتهاكات في الأراضي الفلسطينية.
لماذا تختلف القضية الفرنسية؟
ما يميز التحقيق الفرنسي الحالي أن الضحايا
المشتكين يحملون الجنسية الفرنسية، وهو ما يمنح السلطات القضائية أساساً قانونياً
مباشراً للتحرك.
كما أن الملف لا يتعلق بوقائع جرت داخل
الأراضي الفلسطينية المحتلة فقط، بل بأحداث مرتبطة باعتراض سفن مدنية في المياه
الدولية واحتجاز مواطنين أوروبيين، الأمر الذي قد يوسع نطاق الاهتمام القانوني
والسياسي بالقضية.
ويشير خبراء قانونيون إلى أن قضايا
المواطنين الأوروبيين غالباً ما تحظى بمتابعة قضائية وسياسية أسرع من الملفات
المرتبطة بضحايا أجانب لا يحملون جنسيات الدول المعنية.
من الحصانة السياسية إلى المساءلة
القانونية؟
على مدى عقود، كانت الانتقادات الموجهة
لإسرائيل تدور أساساً في المجالين السياسي والدبلوماسي، بينما بقيت المسارات
القضائية محدودة التأثير.
لكن التطورات التي شهدتها السنوات الأخيرة،
من المحكمة الجنائية الدولية إلى محكمة العدل الدولية مروراً بتحقيقات وطنية
أوروبية، تشير إلى انتقال متزايد للصراع إلى الساحة القانونية.
ولا يعني ذلك بالضرورة اقتراب محاكمات فعلية
لمسؤولين إسرائيليين في المدى القريب، فالعقبات القانونية والسياسية لا تزال
كبيرة، كما أن قضايا الجرائم الدولية تستغرق سنوات طويلة قبل الوصول إلى نتائج
ملموسة.
مع ذلك، فإن الدلالة الأبرز للتحقيق الفرنسي
تكمن في أنه يضيف حلقة جديدة إلى مسار متصاعد من محاولات إخضاع الممارسات
الإسرائيلية للتدقيق القضائي الدولي، ويعكس تراجعاً تدريجياً لفكرة أن هذه الملفات
ستظل محصورة في دائرة الجدل السياسي وحده.
وبينما لا يزال من المبكر الحديث عن محاكمات
وشيكة، فإن انتقال ملف "أسطول غزة" من عرض البحر إلى أروقة
القضاء
الفرنسي يطرح سؤالاً لم يعد نظرياً كما كان في السابق: هل بدأ الغرب بالفعل في فتح
أبواب المساءلة القانونية أمام إسرائيل؟