في الخامس من حزيران/ يونيو 1967، استيقظ
العالم
العربي على واحدة من أكثر المحطات تأثيراً في تاريخه الحديث؛ حرب لم تستمر
سوى ستة أيام، لكنها غيّرت وجه المنطقة لعقود طويلة.
فقد انتهت المواجهة بين إسرائيل وكل من مصر
وسوريا والأردن بهزيمة عربية قاسية عُرفت لاحقاً باسم "النكسة"، وأسفرت
عن
احتلال إسرائيل للضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة وشبه جزيرة
سيناء وهضبة الجولان، لتدخل القضية الفلسطينية والمنطقة بأسرها مرحلة جديدة ما
تزال تداعياتها السياسية والعسكرية والجغرافية حاضرة حتى اليوم.
النكسة.. لحظة التحول الكبرى
جاءت حرب حزيران/ يونيو في ظل أجواء عربية
مشحونة بالشعارات القومية والثقة بقدرة الجيوش العربية على مواجهة إسرائيل. وكانت
مصر بقيادة جمال عبد الناصر تمثل مركز الثقل العربي سياسياً وعسكرياً، فيما تصاعد
التوتر الإقليمي بعد إغلاق مضائق تيران وحشد القوات المصرية في سيناء وانسحاب قوات
الطوارئ الدولية.
لكن إسرائيل شنت في صباح الخامس من حزيران/
يونيو ضربة جوية واسعة دمّرت الجزء الأكبر من سلاح الجو المصري خلال ساعات، قبل أن
تتوسع العمليات العسكرية على الجبهتين الأردنية والسورية. وبعد ستة أيام فقط كانت
إسرائيل قد سيطرت على القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء والجولان،
بينما وجد العالم العربي نفسه أمام صدمة سياسية وعسكرية غير مسبوقة.
ولم تكن الهزيمة مجرد خسارة أراضٍ، بل مثلت
انهياراً لمشروع سياسي كامل ارتبط بفكرة القومية العربية والوحدة والتحرر الوطني،
ما دفع العديد من المفكرين والباحثين إلى اعتبار النكسة نقطة فاصلة بين مرحلتين
تاريخيتين في العالم العربي.
فلسطين قبل النكسة وبعدها
قبل عام 1967 كانت القضية الفلسطينية تُطرح
في الإطار العربي العام، وكانت الضفة الغربية تحت الإدارة الأردنية وقطاع غزة تحت
الإدارة المصرية. أما بعد الحرب، فأصبحت فلسطين التاريخية بأكملها تقريباً تحت
السيطرة الإسرائيلية المباشرة.
وأدت النكسة إلى بروز الحركة الوطنية
الفلسطينية المستقلة بشكل أكبر، إذ اكتسبت الفصائل الفلسطينية المسلحة، وعلى رأسها
حركة "فتح"، زخماً واسعاً، قبل أن تصبح منظمة التحرير الفلسطينية الممثل
الرئيسي للشعب الفلسطيني.
كما فتحت الحرب الباب أمام مشروع الاستيطان
الإسرائيلي في الضفة الغربية والقدس الشرقية، وهو المشروع الذي توسع بصورة متواصلة
خلال العقود اللاحقة وأصبح أحد أبرز العقبات أمام أي تسوية سياسية.
العالم العربي عام 1967.. مركزية الصراع
في ستينيات القرن الماضي كان الصراع العربي
الإسرائيلي يمثل القضية المركزية بلا منازع في المنطقة. وكانت معظم الدول العربية،
رغم خلافاتها السياسية، تتبنى خطاباً موحداً نسبياً تجاه فلسطين.
كما كانت الجيوش النظامية للدول العربية هي
اللاعب الأساسي في المواجهة مع إسرائيل، بينما لم تكن الانقسامات الداخلية
والصراعات الأهلية التي تشهدها المنطقة اليوم قد وصلت إلى مستوياتها الحالية.
وبعد النكسة، حاولت الدول العربية استعادة
زمام المبادرة عبر قمة الخرطوم الشهيرة التي رفعت شعار "اللاءات
الثلاث": لا صلح، لا اعتراف، لا تفاوض مع إسرائيل، قبل أن تتغير المعادلات
تدريجياً خلال العقود التالية.
من الحروب النظامية إلى الصراعات المتعددة
إذا كانت مرحلة ما بعد 1967 قد اتسمت
بمحاولات عربية لاستعادة الأراضي المحتلة عبر الحروب التقليدية، كما حدث في حرب
تشرين/ أكتوبر 1973، فإن المشهد الحالي يبدو مختلفاً جذرياً.
فمعظم الدول العربية باتت منشغلة بأزماتها
الداخلية الاقتصادية والسياسية والأمنية، بينما تحولت المنطقة إلى ساحة لصراعات
متشابكة تشمل ملفات النفوذ الإقليمي والحروب الأهلية والتنافس الدولي.
كما أن عدداً من الدول العربية انتقل من
حالة المقاطعة السياسية لإسرائيل إلى إقامة علاقات دبلوماسية واتفاقيات تطبيع، وهو
تحول كان من الصعب تصوره في السنوات التي أعقبت النكسة مباشرة.
فلسطين اليوم.. بين الاحتلال والمقاومة
رغم مرور 59 عاماً على حرب 1967، فإن كثيراً
من القضايا التي أفرزتها الحرب لا تزال قائمة. فالضفة الغربية ما تزال تحت
الاحتلال الإسرائيلي، فيما تشهد القدس عمليات تهويد واستيطان متواصلة، بينما يعيش
قطاع غزة واحدة من أعنف الحروب في تاريخه الحديث منذ السابع من تشرين الأول/
أكتوبر 2023.
وفي المقابل، شهدت القضية الفلسطينية تحولات
جوهرية؛ فمن مرحلة الرهان على الجيوش العربية، إلى صعود الفصائل الفلسطينية
المسلحة، ثم مسار التسوية السياسية واتفاق أوسلو، وصولاً إلى عودة المواجهة
العسكرية المباشرة وتراجع فرص الحل السياسي.
كما أصبحت القضية الفلسطينية اليوم جزءاً من
نقاش عالمي أوسع يتعلق بحقوق الإنسان والقانون الدولي وجرائم الحرب، بعدما كانت
تُنظر إليها سابقاً بوصفها قضية عربية بالدرجة الأولى.
ماذا بقي من آثار النكسة؟
بعد نحو ستة عقود، يصعب النظر إلى هزيمة
1967 باعتبارها حدثاً عسكرياً انتهى في زمانه. فالحدود التي رسمتها الحرب ما زالت
تؤثر في خرائط المنطقة، والقدس التي احتلت في تلك الحرب ما تزال محور الصراع،
والاستيطان الذي بدأ بعدها أصبح واقعاً سياسياً وجغرافياً معقداً.
كما أن كثيراً من التحولات الفكرية
والسياسية التي عرفها العالم العربي منذ أواخر الستينيات ارتبطت بشكل مباشر أو غير
مباشر بصدمة النكسة، سواء على مستوى العلاقة بين الدولة والمجتمع، أو صعود الحركات
الإسلامية، أو تراجع المشاريع القومية التقليدية.
وفي الذكرى التاسعة والخمسين للحرب، تبدو
المفارقة لافتة؛ فالعرب الذين خسروا في عام 1967 أراضي واسعة خلال أيام معدودة،
يعيشون اليوم واقعاً أكثر تعقيداً وتشتتاً، بينما تبقى فلسطين، رغم كل المتغيرات،
القضية التي ما زالت تختبر قدرة المنطقة على صياغة مشروع سياسي جامع، تماماً كما
كانت قبل 59 عاماً.