أعلنت جامعة الدول العربية، الأحد، من مقرها بالعاصمة
المصرية القاهرة، اختيار الدبلوماسي المصري
نبيل فهمي، لمنصب الأمين العام الجديد، والتاسع للجامعة منذ تأسيسها عام 1945، وذلك خلفًا للأمين المنتهية ولايته في حزيران/يونيو المقبل أحمد أبو الغيط.
فهمي، المصري الثامن الذي يحظى بالمنصب الرفيع مدة 5 سنوات من تموز/يوليو الجاري؛ جاء اختياره بالإجماع ودون اعتراض عربي، رغم ما شهده الصيف الماضي من مطالبات عربية بأحقية باقي الدول بالمنصب ووقف احتكار مصر له، وتغيير العرف السائد منذ نشأة الجامعة عام 1945، بأن يكون الأمين العام من بلد مقر الجامعة، وهي مصر.
الأمر الذي دفع بالمطالبات السعودية حد الدعوة لنقل مقر الجامعة من القاهرة، وتعيين وزير الخارجية السعودي الأسبق عادل الجبير أمينًا عامًا، وذلك مع مطالبات جزائرية، وأخرى قطرية، بالمنصب، ولذلك فإن اختفاء المطالبات العربية بالمنصب الآن وقبول المرشح المصري بالإجماع يدعو للتساؤل.
وهنا يلفت محللون إلى أن "
الخليج العربي، وبعد تعرضه للقصف في ظل الحرب (الأمريكية - الإسرائيلية) على إيران، لم يعد يؤمن بأهمية أدوار
الجامعة العربية"، وهو ما جاء على ألسنة العديد من الشخصيات الخليجية، ومنها سعودية وكويتية وإماراتية، و"يبرر فقدان المنصب بريقه لدى الخليج"، وفق رؤية البعض.
وقبل أسبوع تساءل الوزير الإماراتي السابق أنور قرقاش عن دور الجامعة العربية في ظل تعرض بلاده للقصف الإيراني، فيما عبّر وزير الخارجية الكويتي جراح جابر الأحمد، الأحد، عن حجم الغضب الخليجي بقوله إن "الجامعة عجزت عن الاضطلاع بدور مؤثر بصون الأمن العربي".
وهي التصريحات والمواقف التي تدعو للتكهن حول احتمالات تغير موقف الخليج العربي من الجامعة عقب نهاية "حرب إيران"، وما قد تمثله تلك التغيرات من عقبات أمام الأمين العام المصري الجديد.
اختيار ممتاز.. ولكن
وفي تعليقه على تقديم مصر نبيل فهمي للمنصب، ومدى مناسبته لهذا التكليف، يرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير عبدالله الأشعل، أنه "اختيار ممتاز، فهو تلميذي بمعهد الدراسات الدبلوماسية، وابن الوزير إسماعيل فهمي، وهو رجل شريف مستقيم".
وبحديثه لـ"عربي21"، أشار إلى أنه سيواجه عدة أزمات، موضحًا أنه "إذا كانت لديه ميول خفية مع إسرائيل فسوف ينجح، وإذا لم يكن فسيفشل بالتالي"، متوقعًا ألا يتخذ "الخليج معه موقفًا سلبيًا، ويحاول في المقابل تطويعه ليكون منفذًا لرغبات دوله"، متسائلًا: "فهل يقبل نبيل فهمي بهذا الدور؟".
وعن تنازل السعودية عن تقديم مرشح لها، وعن فكرة نقل مقر الجامعة من القاهرة، يرى الأشعل أن "الرياض تأمل بمساندة القاهرة لها في مواجهة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وإسرائيل، خاصة مع ما قد تحمله نتائج حرب إيران، واحتمالات تغير وجه المنطقة، وكذلك مع احتمال انتصار إيران وما قد يتبعه من نتائج".
حل متاح بظرف حاد
وفي تقديره لأسباب قبول العرب بفهمي، قال الأكاديمي المصري الدكتور مصطفى الجمال، لـ"عربي21": "هناك انقسامات واضحة بين البلدان العربية في ظرف حاد وعصيب؛ ومن ثم يصعب الاتفاق على شخص خليجي أو من المغرب العربي بمنصب الأمين العام، ولذا فالحل المصري متاح ومعتاد".
وحول ما يثار بأن "جزءًا من الإجماع العربي على المرشح المصري يأتي لعدم أهمية أدوار الجامعة، واحتمالات أن يكون للدول الخليج موقف سلبي من الجامعة عقب حرب إيران"، أكد الجمال أن "الانحيازات الحالية لا تسمح بتغيير تقليد عمره عشرات السنين".
وعن كيفية استعادة الجامعة العربية أدوارها وتأثيرها بالقضايا العربية والأزمات التي تعيشها دول الخليج حاليًا، وقبلها فلسطين ولبنان واليمن والسودان والصومال وليبيا، يعتقد أنها "لن تستعيد دورها بدون خروج الدول العربية من النفوذ الأمريكي، ومن التطبيع الرسمي والسري مع كيان الاحتلال"، مبينًا أنه "ما يستحيل في ظل الوضع الحالي".
لهذا حضرت مصر رغم التراجع
وفي حديثه لـ"عربي21"، عاد الباحث والكاتب المصري ياسر عبدالعزيز، في البداية إلى "فكرة تأسيس الجامعة لفهم إلى أين وصل العرب وجامعتهم؟، ومعرفة لماذا تنازلت الدول التي طرحت نفسها كبديل لمصر؟، وكيف وصلوا لأن يكون مرشح مصر الخيار الأفضل، حتى مع ما تعيشه من تراجع؟".
وقال إن "قبول شخصية مصرية كاختيار توافقي ونتيجة وصلت لها الدول العربية هو نتاج لتأصيل وتأسيس الحالة التي نشأت عليها الجامعة بالأساس، في وقت خاضت فيه مصر حرب فلسطين، وكانت خلال حكم الملك فاروق الدولة صاحبة المكانة الأكبر والجيش الأقوى عربيًا، ثم أخذت زخمها مع الحالة القومية في عهد جمال عبد الناصر، ما جعلها بالواجهة وتسيطر على الجامعة".
واستدرك: "لكن لماذا اختيار مصر الآن، وهي في حالة تراجع شديدة جدًا؟"، مشيرًا إلى أنها "لم تعد من الدول الفاعلة بالسنوات الـ12 الأخيرة، وارتهن قرارها بيد الخليج عمومًا، والسعودية والإمارات بشكل صريح، مع حالة اللعب على الأحبال التي يلعبها نظام القاهرة بين الرياض وأبوظبي"، ملمحًا إلى أن "هذا الضعف يكافئ حالة الضعف التي عليها الجامعة العربية".
وذهب للقول: "لو وصلنا لاختيار مصر على مدى التاريخ، فإنه يأتي لكونها تتمتع بحالة ثقل سياسي وجغرافي وديمغرافي، وتستضيف عاصمتها الجامعة، وجميع وثائقها بالقاهرة، حتى تلك التي بفترة انتقالها إلى تونس (1979-1990، مع تعليق عضوية مصر عقب اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل)".
وتابع: "لذلك الدور القيادي لمصر بالعقود الماضية كانت له أسبابه ومبرراته؛ لكنه، ومع تراجع الحالة المصرية الآن، إلا أن الخلاف بين الدول العربية، حتى التي فكرت في الترشح لأمانة الجامعة، جعل المرشح المصري خيارًا جيدًا بالنسبة لهم، كما كان أبو الغيط الذي ترك المنصب خيارًا جيدًا أيضًا لديهم".
ويرى أنه "لذلك فالحالة ليست توافقية بقدر ما هي قبول بالخروج من أزمة لحالة ترضي جميع الأطراف، وفي وقت وجود أزمة حقيقية للأمة العربية، وبالذات دول الخليج في ظل الحرب (الأمريكية - الإسرائيلية) على إيران، التي تتشكل معها المنطقة من جديد، والكل ينتظر ما ستسفر عنه الحرب من رسم لخريطة الشرق الأوسط".
تحديات جسام
وفي السياق، انتقد "آلية اتخاذ القرار بالجامعة العربية وعدم التزام الأعضاء بالقرارات"، مبينًا أنها "فشلت في حل أغلب النزاعات التي طرأت بين الدول الأعضاء، وخاصة الخلاف التاريخي بين الأنظمة الجمهورية والملكية".
وأوضح أن الجامعة العربية أمامها تحديات جسام، مشيرًا إلى "التطبيع مع الكيان المحتل لأكثر من 5 سنوات في حالة مستمرة، وتشكيل قوة جديدة تقود المنطقة، ومنافسة بين إيران وإسرائيل وتركيا، ومن ورائهم السعودية، مع غياب واضح لمصر التي تعزز قوتها العسكرية، إلا أن قوتها السياسية وتفاعلاتها غائبة بشكل كبير، واختياراتها الاستراتيجية كانت ضعيفة".
وخلص للقول: "وهكذا تجد أن الخيار الأفضل كان خيار المخرج من الأزمة بشخص مقبول، وفي نفس الوقت يمكن السيطرة عليه لتسيير جامعة في العناية المركزة، وتلفظ أنفاسها الأخيرة، لو لم يتم إعادة النظر في نظامها الأساسي، وطريقة اتخاذ القرار بها، مع وجود إرادة حقيقية للجامعة تجعل لها دورًا حقيقيًا".
حملة فهمي
وكشف صحفي مصري أنه، مع ضجة الصيف الماضي ومطالبات بعض الدول العربية بكرسي الأمين العام ونقل المقر من القاهرة، وخاصة الخليج الذي يجد نفسه الأكثر تمويلًا لأنشطة الجامعة، "قام نبيل فهمي بجولة عربية واسعة، بدأها من فضائية (الجزيرة) القطرية قبل شهور، وبعدها انطلق بجولة عربية لحشد التأييد له".
وفي حديثه لـ"عربي21"، -فضّل عدم ذكر اسمه- قال إنه "من الواضح أن مصر لم تقبل بالتفريط في رئاسة أمانة الجامعة، رغم تراجع فعالية دورها، وأنها رفضت فكرة التناوب على المنصب كما يتم بين دول مجلس التعاون الخليجي".
ويرى أن "هذا أحد أسباب ضعف الجامعة العربية"، موضحًا أن "الدول الغنية والمؤثرة، وخصوصًا السعودية، ترى أنها تدفع أكثر ولديها فعالية كبيرة في العلاقات الدولية والإقليمية، بينما مصر تأخذ أكثر".
وفي رؤيته لما بعد انتقاد الخليج، وخاصة الإمارات، لدور الجامعة في حرب إيران، واحتمالات أن يكون لها موقف سلبي من الجامعة العربية، أكد أن "الإمارات لديها بالأساس موقف سلبي من كل المؤسسات العربية والخليجية، وبسبب خوفها من إيران والسعودية لجأت لإسرائيل، وجاءت الأحداث لتؤكد كل هذا".
من هو الأمين العام الجديد؟
يأتي نبيل فهمي خلفًا لأحمد أبو الغيط، الذي تولى منصبه كأمين عام للجامعة العربية في 10 آذار/مارس 2016، خلفًا للمصري نبيل العربي (2011-2016)، والذي سبقه المصريان: عمرو موسى مدة 10 سنوات بين (2001-2011)، وعصمت عبد المجيد (1991-2001)، الذي تسلم المنصب من التونسي الشاذلي القليبي (1979-1990)، الذي سبقه المصريون الثلاثة: محمود رياض (1972-1979)، ومحمد عبد الخالق حسونة (1952-1972)، وعبد الرحمن عزام (1945-1952).
ونبيل فهمي، المولود في نيويورك عام (1951)، لديه سجل ثري واسع من العمل الدبلوماسي، فهو نجل وزير الخارجية المصري الأسبق إسماعيل فهمي (1973-1977)، الذي استقال من منصبه رفضًا لمفاوضات السلام (المصرية - الإسرائيلية)، في حين بدأ نبيل فهمي عمله الرسمي بمكتب الرئيس أنور السادات عام 1974.
حصل على بكالوريوس الفيزياء وماجستير الإدارة من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وعمل سفيرًا لدى اليابان (1997-1999)، ثم واشنطن (1999-2008)، ومثل بلاده في الأمم المتحدة، ليجري تعيينه كأول وزير خارجية بعد الانقلاب العسكري على الرئيس محمد مرسي عام 2013 (من حزيران/يونيو 2013 إلى تموز/يوليو 2014).
وفي أول حديث له عقب اختياره، وجّه فهمي الشكر لرئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي، لاختياره ممثلًا لمصر، وقال إنها مسؤولية كبيرة "في ظل ما تواجهه أمتنا من تحديات، ومخالفات صارخة للقانون الدولي، من قِبل أطراف معتدية غدرًا على دولنا، وأخرى طال احتلالها أراضينا، وتعرقل تمكين أشقائنا من ممارسة حقوقهم المشروعة، فضلًا عن تعرض منطقتنا لمخططات تستهدف الهيمنة، والمساس بأمن واستقرار العالم العربي".
ولفهمي العديد من المواقف الجدلية عالميًا ومحليًا، بينها وصفه في أيلول/سبتمبر 2013 علاقة مصر بأمريكا بأنها "زواج شرعي وليس نزوة"، ثم قوله لاحقًا إنها "ليست زواجًا كاثوليكيًا لا طلاق فيه، بل تشبه زواج المتعة أو الزواج الذي يحتاج لتقييم مستمر"، ما أشار حينها لتوجهه الواضح نحو واشنطن.
وفي واقعة ثانية اعتبرها الكاتب المصري وائل قنديل سقطة دبلوماسية لفهمي، مشيرًا إلى تصريحه لـ"بي بي سي" في 8 آب/أغسطس 2013، قبل ارتكاب السلطات المصرية مذبحة "رابعة العدوية"، بوجود أسلحة ثقيلة باعتصام رابعة، مستشهدًا بتقرير لـ"منظمة العفو الدولية"، لتسارع المنظمة الحقوقية لتكذيب ادعاء الوزير، ما تبعه اعتراف الخارجية المصرية بخطأ وزيرها "غير المقصود".
وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، سرد محللون "سلسلة إخفاقات للجامعة بقضايا حرب السودان (15 نيسان/أبريل 2023 وحتى اليوم)، والأزمة الممتدة في ليبيا واليمن منذ أكثر من 10 سنوات، وأزمة الحصار على قطر (2017-2021)، والخلاف الجزائري المغربي، والمغربي الموريتاني، وحرب غزة (2023-2025)، والاعتداءات الإسرائيلية على لبنان".
ورأى الكاتب الصحفي ماهر عباس أنه "لن يكون هناك تغيير بالجامعة وسوف تقتصر بياناتها على الشجب والاستنكار فقط"، مؤكدًا أنها أصبحت "كيانًا ميتًا"، مشيرًا إلى أدوارها التاريخية السابقة في الحفاظ على وحدة العرب.
من جانبه، اعتبر الكاتب محمد حماد نبيل فهمي "الرجل المناسب في اللحظة غير المناسبة"، وقال إن "المشكلة لم تكن يومًا في اسم الأمين العام، بل في سقف الدور المسموح به".
كذلك يرى الكاتب عمار علي حسن أن فهمي "دبلوماسي كفء، لكنه جاء في ظروف قاسية، وعليه إن أراد أن يوقف هذه المنظمة الإقليمية المنهكة على قدميها".