اضطر المواطن السوري عبد الحليم إلى دفع مبلغ مالي كبير تحت بند "مصالحة" حتى يستطيع أن يسترد منزله في مدينة
حلب، وذلك بعد اليأس الذي أصابه من إجراءات التقاضي، وعدم حيازته لثبوتيات ملكية منزله الذي باعه أحد المنتفعين من النظام البائد.
بعد سقوط النظام البائد في أواخر العام 2024، عاد عبد الحليم الذي يسكن في ريف حلب الشمالي الذي كان خارجا عن سيطرة الدولة، إلى منزله في ضواحي حلب الشرقية، ليجد منزله مباعا دون علمه.
على الفور، تقدم بدعوى إلى المحاكم في حلب لاسترداد منزله المستولى عليه بطريقة غير شرعية، وبعد مضي عام ونصف العام، لم تحسم المحكمة القضية، مما دفعه إلى عقد صفقة مع العائلة التي اشترت المنزل.
وعن أسباب عدم حسم القضية، رغم امتلاكه عقدا بشراء المنزل، يقول عبد الحليم لـ"عربي21": "المالك الجديد يمتلك حكما قضائيا بالشراء أيضا، لأن المنزل "غير مفرز" ويتشارك في ملكيته أكثر من مالك".
ويضيف: "الأمر الذي عقد القضية هو فرار البائع خارج
سوريا، بحيث لم تتمكن المحكمة من تبليغه لحضور المحاكمات، ولذلك نصحنا القاضي بحل القضية عبر الصلح".
الدعوى التي قدمها عبد الحليم للمحاكم واحدة من أكثر من ألفي قضية غصب عقارات في حلب لوحدها، كما يؤكد أحد قضاة مدينة حلب لـ"عربي21"، مبينا أن "القضاء حسم للآن 200 قضية فقط".
ويوضح القاضي الذي فضل عدم ذكر اسمه، أن القضاء الاعتيادي لا يستطيع معالجة هذا الملف المعقد، لأن القانون هو من سمح عبر ثغرات بالاستيلاء على العقارات.
ويضيف أن القضاة طلبوا من وزارة العدل السورية تشكيل "لجان خاصة بكل محافظة"، لكن هذه اللجان لم تستطع التوافق مع الطبيعة الاستثنائية للدعاوى، بسبب عدم امتلاك أصحاب العقارات المستولى عليها للمستندات والوثائق القانونية الكافية لإثبات الملكية.
ويرى أن الحل لهذا الملف، يجب أن يستند إلى تجارب الدول التي شهدت حالات مماثلة، مثل رواندا والبوسنة، بمعنى أن الحل يجب أن يكون إبداعيا، ويضيف أن "ما عقد الحل هو أن القضاة غالبيتهم من تعيين النظام السابق، وبالتالي لن تجد تعاطفا منهم مع الضحايا".
ويقول القاضي، غالبية المهُجرين من حلب، لا تمتلك الوثائق والمستندات القانونية اللازمة، وهي الشريحة التي ضاعت حقوقها بسبب أعوان النظام (الشبيحة).
قوانين تحتاج إلى تعديل
مثنى ناصر، محامٍ وعضو في مجلس فرع نقابة المحامين في حلب، يقول لـ"عربي21"، إن عدد حالات الاستيلاء على العقارات في حلب كبير جدا، ويصعب حصره، وذلك بسبب أعداد المهجرين الكبيرة.
ويضيف أن معالجة قضايا الاستيلاء تجري بوتيرة بطيئة جدا، نظرا للإجراءات الطويلة التي تفرضها المنظومة القانونية المعمول فيها في سوريا، أي لم تتغير بعد القوانين التي كانت مطبقة زمن النظام البائد.
وبحسب ناصر، تحتاج هذه القوانين إلى إعادة النظر فيها بعد انعقاد مجلس الشعب السوري، مضيفا "لذلك أصحاب القضايا يضطرون حاليا إلى إجراء مصالحات أو تسويات لاسترداد حقهم المسلوب".
وفي صيف العام الماضي أصدر محافظ حلب عزام الغريب قرارا بتشكيل لجنة "الغصب البيّن" للعمل على التحقق من قضايا العقارات المستولى عليها من قبل أفراد متنفذين استملكوا عقارات المهجّرين خلال سنوات الثورة وقاموا ببيعها دون وجه حق.
وفي أواخر العام الماضي تسلمت لجنة “الغصب البيّن” أكثر من 900 طلب، لكن مصدرا قضائيا أكد لـ"عربي21" أن غالبية أصحاب الدعاوى توقفوا عن متابعة القضايا بسبب عدم فعالية اللجنة.
ولم ترد وزارة العدل السورية على تساؤلات "عربي21"، حتى إعداد التقرير.