بعد 99 عاما من العمل في السوق المحلي والتصدير للأسواق العربية والأفريقية والعالمية، تدشن الحكومة
المصرية الشهر المقبل، شركة جديدة منبثقة عن شركة "
غزل المحلة"، وستبدأ في تلقي عروض المستثمرين المهتمين بالصرح الصناعي المصري العريق.
رائد الاقتصاد المصري طلعت حرب باشا، كان قد أسس شركة "مصر للغزل والنسيج"، بمدينة "المحلة الكبرى" بمحافظة الغربية (دلتا النيل) عام 1927، على أراضي تبرع بها عمدة المحلة نعمان باشا الأعصر، لتكون نواة لصناعة وطنية بمواجهة الاحتلال الإنجليزي في مصر، ولتصنيع القطن المصري (طويل التيلة) صاحب السمعة والجودة العالمية.
وفي تفاصيل الخبر الذي نقلته نشرة "
إنتربرايز"، الثلاثاء، عن مساعد رئيس الوزراء ورئيس "وحدة الشركات المملوكة للدولة" هاشم السيد، فإن "الشركة الجديدة ستضم المصانع الجديدة التي شُيدت ضمن برنامج التطوير المدعوم من الدولة والبالغة تكلفته 35 مليار جنيه"، مشيرا إلى "إمكانية طرحها لمستثمر استراتيجي أو إدراجها بالبورصة المحلية".
المسؤول المصري صاحب التكليف الأحدث من رأس النظام عبدالفتاح السيسي، في شباط/فبراير الماضي، بمهمة طرح ما تبقى من شركات عامة أمام مستثمرين استراتيجيين وبالبورصة، أكد أن تقسيم الشركة "يهدف فصل الطاقات الإنتاجية الجديدة عن الأعباء القديمة؛ إذ سيصبح الكيان الأول شركة جديدة أكثر مرونة تضم مصانع مطورة وعمالة محدودة، في حين يمثل الكيان الثاني الشركة القديمة التي ستخضع لإعادة هيكلة منفصلة".
ولفت إلى أن "الشركة بوضعها الحالي كانت مثقلة بالالتزامات المالية، ما صعَّب جذب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية"، مشيرا إلى أن "عملية التقسيم ستجعل الشركة الجديدة أكثر جاذبية للاستثمار"، متوقعا أن "تصبح الشركة الجديدة أكبر شركة غزل في العالم من حيث الطاقة الإنتاجية".
وفي 26 نيسان/أبريل الماضي،
طالب رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، بتسريع إجراء انقسام "غزل المحلة"، وقيد شركاتها بالبورصة لطرحها أمام القطاع الخاص، فيما تحدث حينها السيد، عن خطط "بيع حصص لمستثمرين استراتيجيين" أو "الإدراج بالبورصة"، أو "إسناد الإدارة للصندوق السيادي"، مع "ترك خيار البيع لمستثمر استراتيجي مطروحا".
وبينما تمتلك شركة غزل المحلة نادي "المحلة" أو "الفلاحين"، الذي تأسس عام 1936، وفاز بالدوري العام موسم (1972/ 1973)، بجانب كأس الاتحاد المصري (1994)، ووصل نهائي دوري أبطال أفريقيا عام 1975،
فشلت محاولات حكومية لطرح النادي كأول نادي مصري في البورصة آب/أغسطس 2022.
جدل ومخاوف وتساؤلات
وكالمعتاد إزاء التصريحات الحكومية؛ فقد فجر الحديث عن "غزل المحلة"، الجدل خاصة ما أثاره حول: "تقسيم الشركة، وفصل الأعباء المالية والعمالة الأكبر عن الشركة الجديدة، ثم طرح الأخيرة أو التنازل عن الإدارة أو الملكية لصالح القطاع الخاص أو الأجنبي؛ في توقيت بدأت فيه الماكينات الجديدة بالإنتاج".
وفي حين أكد السيد، أن تلك خطوة هامة لجذب الاستثمارات بقطاع
الغزل والنسيج، يراها مصريون "تفريطا بأصول تاريخية، وعزلا للمصانع المطورة عن القديمة، مع تخصيص عدد عمالة محدود بها، وتسليمها لمستثمر أجنبي بعد إنفاق مليارات على تطويرها من أموال دافعي الضرائب والموازنة العامة".
ولفت مراقبون إلى أنه "على الجانب الآخر، يظل وضع الشركة الأم التاريخية صاحبة العدد الأكبر من العمالة غامضا، وسط تساؤلات: هل سيتم تصفيتها بشكل نهائي والاستفادة من مساحات شاسعة من الأراضي بقلب المدينة الصناعية العريقة، قبل التخلص من عمالتها بإجبارهم على المعاش المبكر؟".
وذهب البعض في مخاوفهم حد القول إن "الحديث الحكومي عن أكبر شركة غزل في العالم من حيث الطاقة الإنتاجية، يتجاهل قضية أمن قومي وصناعي، مع سيطرة مستثمر استراتيجي أجنبي على قوة إنتاجية بهذا الحجم، بما يمنحه حق التحكم في سوق الغزل والنسيج وصناعة الملابس الجاهزة في مصر".
وأشار منتقدون إلى أنه يجري هدم كل ما استقر في الذاكرة الوطنية من نجاحات، ملمحين إلى أن الدولة العميقة تريد التخلص من كتلة بشرية تصل حتى 16 ألف عامل ومهندس حاليا وفق صفحة "
وزارة قطاع الأعمال العام"، كان لإضراب نحو 27 ألف منهم في 4 نيسان/أبريل 2008، بالغ الأثر في الإطاحة بنظام حسني مبارك، في حراك انتهى بثورة 25 كانون الثاني/يناير 2011.
من الإهمال إلى التطوير ثم الطرح
وعانت الشركة التي تمتلك
6 مصانع للغزل والنسيج، من إهمال حكومي، اعترف به في تشرين الثاني/نوفمبر 2019، رئيس لجنة الصناعة بمجلس النواب سابقا، رجل الأعمال فرج عامر، مؤكدا أن "انتكاس (غزل المحلة)، ليس بسبب عدم حماية الدولة لزراعة محصول القطن فقط"، موضحا أن "الدولة لم تفِ بالتزاماتها تجاه دعم الصادرات"، مشيرا إلى أن "غياب الحماية والرقابة أضر بتلك الصناعة".
ويأتي القرار الحكومي عقب إطلاق مشروع تطوير صناعة الغزل والنسيج، بإنشاء مصانع جديدة، واستقدام ماكينات سويسرية وإيطالية وألمانية، وتطوير البنية التحتية ومحطات الكهرباء، والتشغيل الذكي، في "
غزل المحلة" بقيمة 31.5 مليار جنيه، بجانب 2 مليار جنيه لاستكمال مجمع الصباغة، ليصبح مصنعها "غزل 1" الأكبر بالعالم، وتصل طاقته الإنتاجية إلى جانب "غزل 4"، نحو 45 طن يوميا، بعد
بدء الإنتاج في كانون الأول/ديسمبر 2024.
ومطلع حزيران/يونيو الجاري، أكد رئيس الشركة أحمد بدر، لصحيفة "
أخبار اليوم"، "تحقيق إيرادات 1.6 مليار جنيه، وصادرات 20 مليون دولار إلى 12 دولة"، موضحا أن "الطاقة الإنتاجية لـ(غزل 1) تصل 30 طنا يوميا، ويحقق (غزل 4) حوالي 13 طنا يوميا، وشهريا 5 ملايين دولار عوائد تصديرية"، مشيرا إلى "ارتفاع
حجم المبيعات إلى 200 مليون جنيه شهريا من 75 مليونا".
وبحسب صفحة الشركة عبر الإنترنت فإن إنتاج الشركة
يتنوع بين (غزل، ونسيج، وملابس جاهزة، وفوط، وملايات، وكيس لحاف، وفوط سفرة، وقطن طبي، وبطاطين وكوفرتات)"، ويجري تصدير 48 بالمئة منه إلى الدول العربية، والاتحاد الأوروبي، وآسيا، بحجم صادرات بين 20 و50 مليون دولار، مع الحديث عن خطط تصديرية لنحو 80 بالمئة من الإنتاج.
مخاوف مشروعة
السياسي المصري طارق مرسي، وفي قراءته قال لـ"عربي21"، إن "ما يحدث اليوم في (غزل المحلة) يثير مخاوف مشروعة لدى كل من تابع ملف الصناعة المصرية خلال السنوات الماضية؛ لأن المصريين سمعوا من قبل مبررات مشابهة لما يُقال الآن".
عضو لجنة القوى العاملة والصناعة بمجلس الشورى المصري سابقا، أوضح أنه "قيل لنا في ملف شركة (الحديد والصلب) المصرية، إن هناك خسائر متراكمة وأعباء مالية ضخمة، وإن التطوير غير مجدٍ اقتصادياً، ثم انتهى الأمر إلى تصفية واحدة من أهم القلاع الصناعية في تاريخ مصر".
وأضاف: "واليوم نسمع حديثاً عن فصل الأصول الجديدة في (غزل المحلة) عن الشركة الأم المثقلة بالأعباء والعمالة والالتزامات المالية؛ وهو ما يدفع كثيرين للتساؤل: هل نحن أمام سيناريو مشابه ولكن بصورة مختلفة؟".
القيادي العمالي، مضى يؤكد أنه "إذا كانت الدولة قد أنفقت نحو 35 مليار جنيه من أموال المصريين لتطوير المصانع، فلماذا لا تبقى هذه الأصول الحديثة مملوكة بالكامل للشعب المصري وتدار بكفاءة؟، ولماذا يكون الحل بعد التطوير هو البحث عن مستثمر استراتيجي أو تمهيد الطريق لخصخصة الكيان الجديد؟".
أزمة التجارب السابقة
ويرى أن "المشكلة ليست في جذب الاستثمار؛ فمصر تحتاج إلى الاستثمار المحلي والأجنبي، ولكن المشكلة عندما تتحول الدولة إلى جهة تتحمل تكلفة الإنقاذ والتطوير، بينما تذهب الأصول الأكثر ربحية وجاذبية للمستثمرين وتبقى الديون والأعباء والعمالة في الكيان القديم".
ويرى أن "غزل المحلة ليست مجرد شركة، بل رمز وطني أسسه طلعت حرب ضمن مشروع الاستقلال الاقتصادي المصري؛ ولذلك فإن أي خطوة تمس ملكيتها أو مستقبلها يجب أن تكون محل نقاش مجتمعي واسع وشفافية كاملة، خاصة أن قطاع الغزل والنسيج يرتبط بالأمن الاقتصادي ويوفر مئات الآلاف من فرص العمل بشكل مباشر وغير مباشر".
وذهب للقول إن "التجارب السابقة تدفعنا إلى الحذر؛ فمن حق المصريين أن يعرفوا بوضوح: هل الهدف الحقيقي هو تطوير الصناعة الوطنية وتعظيم دورها أم إعادة هيكلة تمهد مستقبلاً للتخلص من الشركة التاريخية كما حدث مع غيرها من القلاع الصناعية؟".
وختم مؤكدا أن "هذه الأسئلة ليست رفضاً للتطوير بل دفاعاً عن الصناعة الوطنية وعن حق الأجيال القادمة في الاحتفاظ بالأصول التي بناها المصريون على مدار قرن كامل".
أراضي واسعة وشهية الحكومة
وفي ذات سياق مخاوف التفريط في أراضي مصانع "غزل المحلة"، تفجرت أزمة أرض منطقة "المستعمرة" التابعة لشركة غزل المحلة والتي جرى تخصيصها عام 1945 كسكن لعمال الشركة، والتي كانت تقطنها قبل 3 سنوات نحو 750 أسرة عمالية، ليتم تهجير نحو 685 منها بعد تعويض غير عادل (205 آلاف جنيه)، وفق تقرير لـ"ديوان العمران"، مطلع أيار/مايو الماضي.
وتبقى أزمة نحو 65 أسرة ما زالت متمسكة بالبقاء، قائمة، وتتفاقم مع طرح أجزاء من الأرض البالغة نحو 69 فدانا من أغلى مناطق المدينة الصناعية، لمشروعات استثمارية كبرى، وذلك رغم تملك الشركة للمباني منذ عام 1976 ودفع ثمنها من حصص أرباح العمال.
وفي كانون الثاني/ديسمبر 2022، صدر قرار رئيس الجمهورية رقم (578) لسنة 2022، بتخصيص 47.96 فدانا من (المستعمرة) لصالح صندوق التنمية الحضرية لتنفيذ مشروع (سكن لكل المصريين)، الأمر الذي يثير المخاوف على مساحات واسعة من أراضي مصانع المحلة التي لم تخضع للتطوير.
وفي 13 حزيران/يونيو الجاري، أكدت "اللجنة الشعبية للدفاع عن أرض المحلة الكبرى"، تمسكها بـ"حقوق أبناء المدينة في الحفاظ على أراضيها، ورفضها لأي إجراءات أو قرارات من شأنها التفريط بهذه الحقوق"، مطالبة "الجهات المعنية الالتزام بالقانون، وإتاحة المعلومات للرأي العام بشأن هذه الأراضي".
أوامر الصندوق
ومن جانبه أرجع خبير الاقتصاد السياسي الدكتور حسني كحلة، في حديثه لـ"عربي21"، التوجه الحكومي لـ"أوامر صندوق النقد الدولي"، مضيفا أنه "توجه بدأ مع نظام الانفتاح الاقتصادي الذي أسس له أنور السادات مع وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر، والذي أسقطنا في فخ الدين خلال سنتين".
وقال إن "السادات لم يبع القطاع العام؛ ولكنه أعطى توجيهات لوزير الصناعة عيسى شاهين، بعدم استيراد قطع غيار لمصانع القطاع العام وتوقف الصيانة والإحلال والتجديد فتساقط القطاع العام الصناعي، وعندما تولى حسني مبارك قبل
الخصخصة وبيع المصانع لمواجهة مشكلة الدين".
وتابع: "عام 2016، قبلت الحكومة برنامج صندوق النقد الدولي الذي أجهز على البقية الباقية بتطبيق السياسات النقدية والمالية التي نتج عنها خفض قيمة العملة ورفع الدعم عن الطاقة؛ فارتفعت تكاليف المعيشة وتكلفة الاستثمار، وفقدنا الاقتصاد الحقيقي وأصبح الاقتصاد ريعي يعتمد على تحولات النقد الأجنبي والاستثمار العقاري وبيع الأول".