مع اقتراب نهاية ولايته في رئاسة الحكومة
البريطانية، يجد كير
ستارمر نفسه أمام سؤال جديد يتجاوز الحسابات الحزبية
والسياسية: ماذا سيفعل بعد مغادرة مقر رئاسة الوزراء في 10 داونينغ ستريت؟
وذكر تقرير لصحيفة "الغارديان"
اليوم تابعته "عربي21"، أنه بينما يمزح رئيس الوزراء المنتهية ولايته مع
أصدقائه بشأن احتمال خوض دورة في الطبخ أو الانشغال بقص الأشجار في حديقة والد
زوجته، يرى مقربون منه أن مستقبله قد يقوده على الأرجح إلى أدوار دولية، حيث بنى
خلال سنوات حكمه شبكة علاقات واسعة مع قادة العالم، واكتسب احتراماً في المحافل
الخارجية.
ولا يزال ستارمر، بحسب مقربين منه، لم يحسم
وجهته المقبلة، مؤكداً أنه سيأخذ وقته للتفكير في المرحلة القادمة. لكن شخصيات
عملت معه عن قرب ترجح أن يكون المجال الدولي هو المسار الأكثر انسجاماً مع خبرته
وشخصيته، خاصة بعد حضوره المكثف في الملفات الخارجية، وعلاقاته مع قادة حلف شمال
الأطلسي والاتحاد الأوروبي وشركاء
بريطانيا حول العالم.
من رئاسة الحكومة إلى أدوار عالمية محتملة
خلال فترة وجوده في الحكم، تعرض ستارمر
لانتقادات متكررة بسبب كثرة رحلاته الخارجية، حتى أطلق عليه خصومه لقباً ساخراً هو
"كير الذي لا يوجد هنا"، في إشارة إلى كثرة غيابه عن الداخل البريطاني.
لكنه دافع لاحقاً عن سياسته الخارجية بالقول إن الملفات الدولية والمحلية لم تعد
منفصلة، وأن التطورات العالمية تنعكس مباشرة على حياة المواطنين داخل بريطانيا.
زنقلت "الغارديان" عن أحد
المقربين منه تأكيده أن خبرته الدولية ستجعل من الصعب ابتعاده طويلاً عن هذا
المجال، قائلاً إن ستارمر "لديه قدراً هائلاً من الخبرة يمكن أن
يقدمها"، وإن العمل الدولي يمثل "مجاله الأكثر راحة والأكثر توافقاً مع
قدراته".
ومن بين الاحتمالات التي يتم تداولها
مستقبلاً إمكانية اهتمامه بمنصب الأمين العام لحلف شمال الأطلسي عند شغوره، وهو
موقع يتطلب خبرة سياسية ودبلوماسية واسعة، رغم أن الأمر يبقى في إطار التكهنات.
الحياة بعد السلطة.. العودة إلى مقاعد
البرلمان
بعد مغادرته رئاسة الحكومة، من المتوقع أن
يعود ستارمر إلى مقاعد مجلس العموم نائباً عن دائرته الانتخابية في هولبورن وسانت
بانكراس وسط لندن، حيث يعتقد بعض حلفائه أنه قد يستمر حتى الانتخابات المقبلة.
ويحكم هذا القرار عامل آخر يتعلق بمستقبل
مقعده البرلماني، إذ يخشى بعض أعضاء الحزب المحلي من أن يؤدي رحيله المبكر إلى
انتخابات فرعية قد تمنح حزب الخضر فرصة للفوز بالمقعد.
لكن بعض المقربين منه يشككون في قدرته على
العودة مباشرة إلى حياة برلمانية عادية بعد تجربة قيادة الحكومة، معتبرين أن الرجل
الذي عاش خلال السنوات الماضية تحت ضغط يومي هائل سيحتاج إلى وقت لاستيعاب
الانتقال المفاجئ من مركز القرار إلى موقع المعارضة أو النائب العادي.
أي دور لخلفه؟
كما هو الحال مع كل رئيس حكومة بريطاني
سابق، سيكون على ستارمر تحديد طبيعة علاقته بخليفته داخل حزب العمال والحكومة.
وتشير مصادر مقربة منه إلى أنه يفضل تقديم النصائح بعيداً عن الأضواء، بخلاف رئيس
الوزراء العمالي الأسبق توني بلير الذي ظل حاضراً بقوة في النقاشات العامة بعد
مغادرته السلطة.
ويرى بعض حلفائه، وفق الغارديان، أن شخصية
ستارمر أقرب إلى نموذج رئيس الوزراء الأسبق غوردون براون، الذي ركز بعد خروجه من
الحكم على قضايا دولية وإنسانية، أكثر من نموذج بلير الذي بنى حضوراً عاماً واسعاً
وأعمالاً تجارية بعد مغادرته الحكومة.
وقال أحد المقربين منه إن ستارمر "لن
يخرج ليجمع الملايين"، بل سيبحث عن قضية يؤمن بها ويكرس جهده لها، في إشارة
إلى احتمال انخراطه في ملفات حقوقية أو دولية.
إرث ستارمر.. إنقاذ حزب العمال أم أكثر من
ذلك؟
عند الحديث عن إرثه السياسي، يركز ستارمر
على الدور الذي يرى أنه لعبه في إعادة بناء حزب العمال بعد مرحلة قيادة جيريمي
كوربين، التي شهد خلالها الحزب خسارة انتخابية كبيرة وصراعات داخلية حادة.
وقال ستارمر في مقابلة تلفزيونية أخيرة إنه
قد يُذكر باعتباره الشخص الذي "أنقذ حزب العمال"، معتبراً أن كثيرين
شككوا في قدرته على إعادة الحزب إلى السلطة، لكنه نجح في تغيير صورته والفوز
بالانتخابات العامة.
غير أن بعض أصدقائه يرون أن حجم التحول الذي
يعيشه لم يستوعبه بعد، إذ كان أسابيع قبل مغادرته المنصب لا يزال يعمل بوتيرة رئيس
حكومة كاملة، بين ملفات داخلية وزيارات خارجية ومفاوضات دولية.
زنقلت "الغارديان" عن أحد
المقربين منه قوله: إن السؤال الحقيقي سيكون: ماذا سيحدث عندما يستيقظ الأسبوع
المقبل ولا يكون مضطراً للنزول إلى الاجتماعات العاجلة، وعندما يسمع في الإذاعة
أخباراً عن رئيس الوزراء ولا يكون المقصود هو شخصه؟
البحث عن حياة خارج السياسة اليومية
وبعيداً عن الحسابات السياسية، تحدث ستارمر
عن رغبته في استعادة جانب من حياته العائلية التي تراجعت خلال سنوات السلطة. فقد
أكد أن أولويته بعد مغادرة المنصب ستكون قضاء وقت أكبر مع زوجته فيكتوريا وطفليه
المراهقين.
وقال في تصريح أخير إن ترك "أكثر وظيفة
شهرة في البلاد" سيكون انتقالاً إلى "أهم وظيفة"، وهي أن يكون
زوجاً وأباً أفضل لعائلته.
وبينما يختار بعض رؤساء الحكومات السابقين
البقاء في دائرة الضوء، كما حدث مع بوريس جونسون الذي لم يخفِ رغبته في العودة إلى
المشهد السياسي، يبدو أن ستارمر، وفق صورة مقربيه له، يميل إلى مسار أكثر هدوءاً:
دور دولي محتمل، أو قضية عامة يكرس لها جهده، أو حياة عائلية حاولت سنوات السلطة
أن تنتزعها منه.
لكن أياً كان خياره، فإن خروجه من داونينغ
ستريت لن ينهي بالضرورة حضوره السياسي؛ فخبرته في قيادة بريطانيا خلال مرحلة دولية
مضطربة قد تجعل منه شخصية مطلوبة في ساحات تتجاوز حدود المملكة المتحدة.
من ستارمر إلى بيرنهام.. انتقال داخل حزب
العمال
جاءت مغادرة كير ستارمر لرئاسة الحكومة
البريطانية بعد مرحلة سياسية اتسمت بمحاولته إعادة تشكيل صورة حزب العمال واستعادة
موقعه في السلطة بعد سنوات من الانقسامات الداخلية التي طبعت مرحلة قيادة جيريمي
كوربين. وقد ركّز ستارمر منذ وصوله إلى قيادة الحزب على نقل العمال من موقع
المعارضة إلى حزب قادر على الحكم، مقدماً نفسه باعتباره رجل الإدارة والاستقرار
وإعادة بناء الثقة بالمؤسسات.
غير أن ولايته لم تخلُ من الضغوط، إذ واجه
انتقادات بشأن غياب الرؤية الأيديولوجية الواضحة، وصعوبة تحقيق التوازن بين وعود
التغيير والقيود الاقتصادية التي فرضتها الأوضاع الداخلية والدولية. ومع تراجع
حضوره السياسي في المرحلة الأخيرة، بدأت الأنظار تتجه إلى خليفته آندي بيرنهام،
عمدة مانشستر الكبرى وأحد أبرز الشخصيات الصاعدة داخل حزب العمال، بوصفه شخصية
تحمل خطاباً مختلفاً يقوم على القرب من المجتمعات المحلية والتركيز على قضايا
الخدمات العامة والتنمية الإقليمية.
ويمثل انتقال القيادة من ستارمر إلى بيرنهام
تحولاً مهماً داخل حزب العمال؛ فبينما ارتبط عهد ستارمر بمحاولة إعادة الحزب إلى
الوسط السياسي واستعادة ثقة الناخبين بعد هزائم متتالية، يسعى بيرنهام إلى تقديم
صورة أكثر ارتباطاً بالقاعدة الشعبية وبالمدن والمناطق التي شعرت طويلاً بأنها
مهمشة في السياسات البريطانية. ويجد الحزب نفسه بذلك أمام تحدي الحفاظ على إرث
العودة إلى الحكم، مع إعادة تعريف مشروعه السياسي في مرحلة جديدة.