عودة نازحين سودانيين من مصر.. إليك قصة النزوح ووجهتها خلال الحرب

عاد إلى السودان طوعا نحو 428 ألفا و676 شخصا حتى نهاية العام الماضي- جيتي
عكست قضية النزوح في السودان خلال سنوات الحرب أحد أبرز مشاهد المعاناة الإنسانية المستمرة، سواء تعلق ذلك بالنزوح بين الولايات والمدن السودانية أو المغادرة إلى الخارج، هرباً من الاشتباكات وعمليات القصف وجرائم الإبادة والتطهير العرقي.

وأسفرت الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع والمتواصلة منذ نيسان/ أبريل 2023، عن مقتل عشرات الآلاف ونزوح نحو 13 مليون شخص، وذلك في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

وخلال الأسبوع الماضي، أعلنت لجنة الأمل للعودة الطوعية عن تفويج 350 سودانيا على متن 7 حافلات من مدينة الإسكندرية شمال مصر، علما أن اللجنة هي مبادرة إنسانية تعمل بالتنسيق مع مؤسسات الدولة الإنسانية لتسهيل العودة الطوعية والآمنة والكريمة.

وفي 30 تموز/ يوليو الماضي، عاد 1200 سوداني من مصر عبر 24 حافلة جرى تسييرها للراغبين في العودة، ليبلغ عدد العائدين 6074 سودانيا من مصر عبر 6 رحلات ضمن برنامج العودة الطوعية، في تموز/ يوليو الماضي.



ومنذ اندلاع الحرب في السودان في نيسان/ أبريل 2023، غادر أكثر من مليون و200 ألف سوداني إلى مصر، وفق تقديرات رسمية، فيما كان يقيم فيها نحو 5 ملايين سوداني قبل الحرب، لتصبح مصر إحدى أبرز وجهات الفارين من المعارك.

وحتى نهاية عام 2025، عاد إلى السودان طوعا نحو 428 ألفا و676 شخصا، وفق أرقام سبق أن أعلنها قنصل عام السودان في أسوان المصرية السفير عبد القادر عبد الله، بعد مبادرة أطلقتها السلطات المصرية في تشرين الأول/ أكتوبر من العام نفسه لنقل السودانيين الراغبين في العودة بقطار مخصص من القاهرة إلى أسوان.

كيف بدأت معاناة النزوح؟


منذ الشرارة الأولى لحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في منتصف نيسان/ أبريل 2023، بدأت معاناة النازحين السودانيين وتحديدا حينما تحولت شوارع الخرطوم والمدن المجاورة إلى ساحات قتال مفتوحة.

ولم يكن لدى أغلب العائلات وقت للتخطيط أو حزم الأمتعة، وبدأت عملية خروجهم بالملابس التي عليهم بعد سقوط القذائف قرب منازلهم وانقطاع التيار الكهربائي والمياه.

واتسعت دائرة النزوح نتيجة توقف المستشفيات والخدمات العامة بسرعة، ولجأت العائلات إلى التجمع في محطات الحافلات الخالية أو السير على الأقدام لمسافات طويلة هربا من الاشتباكات العنيفة.

وساهم النهب والسرقة والدمار الذي طال منازل السودانيين في فقدان الأمل لديهم، ودفعهم إلى النزوح، وواجهوا أثناء طريق الفرار خطورة كبيرة بسبب حواجز التفتيش.

أين كانت البوصلة؟


توزعت مسارات النازحين بين نزوح داخلي يتنقل من ولاية إلى أخرى، ولجوء خارجي عبر الحدود إلى دول الجوار:

أولا: البوصلة الداخلية (النزوح داخل السودان)


⬛ ولاية الجزيرة: كانت الوجهة الأولى والأبرز لسنوات كملجأ آمن للخرطوم، قبل أن تتوسع المعارك إليها لاحقا وتجبرهم على نزوح ثاني.

⬛ ولايات الشرق (القطارف، البحر الأحمر، كسلا): اتجه مئات الآلاف نحو مدينة بورسودان التي تحولت إلى العاصمة الإدارية المؤقتة ومركز لتلقي المساعدات، وكذلك إلى كسلا والقضارف.

⬛ ولايات الشمال (الولاية الشمالية ونهر النيل): شهدت مدن مثل دنقلا، مروي، وشندي توافدا كبيرا للعائلات نظرا لاستقرارها النسبي وقربها من الحدود المصرية.

⬛ ولايات دارفور وكيلا كردفان: تنقل فيها السكان بين المدن والقرى الداخلية بحثا عن مناطق أقل توترا.

ثانيا: البوصلة الخارجية (دول الجوار)


⬛ مصر: كانت الوجهة الرئيسية لمئات الآلاف من العائلات عبر المعابر الشمالية (أرقين وأشكيت).

⬛ تشاد: استقبلت التدفقات الأكبر من فارّي إقليم دارفور عبر الحدود الغربية.

⬛ جنوب السودان: اتجه إليها مئات الآلاف من النازحين والعائدين عبر الحدود الجنوبية.

⬛ إثيوبيا وإرتريا والجمهورية الأفريقية الوسطى: استقبلت أعدادا متزايدة من الفارين عبر الحدود الشرقية والجنوبية الغربية.

الأرقام المتوفرة


تركز أغلب النازحين داخل الولايات الـ18 السودانية، وضم إقليم دارفور وحده أكثر من 60 بالمئة من إجمالي النازحين داخليا (نحو 5.6 ملايين نازح)، واستضافت ولايات شمال وجنوب ووسط دارفور الكتلة الأكبر في مخيمات نُصبت في التوايل والفاشر ونيالا.

واستقبلت ولايات الشرق (البحر الأحمر، القضارف، كسلا) ملايين النازحين خاصة القادمين من العاصمة الخرطوم والجزيرة، وتعد بورتسودان المركز الرئيسي لإقامة النازحين والمؤسسات الإنسانية.



واتجهت بعض العائلات السودانية إلى الولايات الشمالية (نهر النيل والولاية الشمالية) بحثا عن الأمان وقربها من المعابر الحدودية المصرية، وتستضيف مدن مثل دنقلا وشندي وأتبرة أعدادا كبيرة من النازحين.

وبناء على الأرقام التي وثقتها المنظمات الحقوقية الدولية، فإن أكثر من 4.3 ملايين سوداني فروا عبر الحدود الدولية بشكل رئيسي إلى دول الجوار، وتوزعوا في مصر بنسبة 35 بالمئة وتشاد بنسبة 28 بالمئة وجنوب السودان بنسبة 28 بالمئة، فيما شكلت نسبة النازحين السودانيين في إثيوبيا وإرتريا 9 بالمئة من إجمالي الفارين إلى الخارج.

ووفقا لأحدث البيانات الصادرة عن المنظمة الدولية للهجرة (IOM) ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، فإن أكثر من 13 مليون شخص تركوا منازلهم في السودان ما بين نزوح داخلي ولجوء خارجي.

وبلغت ذروة النزوح الداخلي 11.58 مليون نازح، فيما تراجع العدد حاليا ليبقى حول 8.68 ملايين شخص، ويشكل الأطفال نحو 55 بالمئة من إجمالي النازحين، وتتحمل النساء والأطفال الثقل الأكبر من التبعات الإنسانية.


العودة الطوعية


شهدت الأشهر الأخيرة بداية مسار عكسي تمثل في حركة عودة طوعية متزايدة، وسجلت المنظمة الدولية للهجرة عودة أكثر من 4.6 ملايين شخص إلى مناطقهم الأصلية.

وجاء نحو 82 بالمئة من العائدين من مناطق النزوح الداخلي، بينما عاد 18 بالمئة من دول الجوار، وتركزت العودة بشكل أساسي إلى ولايات الخرطوم والجزيرة وسنار مع تحسن الأوضاع الأمنية فيها نسبيا.