الجزائر تعزز قدرات النيجر العسكرية.. هل تتحول إلى رافعة لأمن الساحل؟

المروحيات الأربع لن تغير وحدها المعادلة الأمنية في النيجر، لكنها يمكن أن ترفع قدرة الجيش على الحركة والاستجابة والمراقبة والإسناد، وهي عناصر أساسية في أي استراتيجية لمواجهة الجماعات المسلحة.. فيسبوك
في منطقة الساحل التي تشهد تصاعداً في التهديدات المسلحة واتساعاً في رقعة النشاط الجهادي والجريمة المنظمة، تتجه الجزائر إلى تعزيز مقاربتها الأمنية القائمة على دعم قدرات دول الجوار، انطلاقاً من رؤية تعتبر استقرار الساحل جزءاً من أمنها الاستراتيجي المباشر. وفي أحدث تجسيد لهذا التوجه، سلّمت الجزائر الجيش النيجري أربع مروحيات عسكرية، إلى جانب ذخائر وقطع غيار وتجهيزات للصيانة والإسناد، في خطوة تعكس اتجاهاً نحو تعاون دفاعي يتجاوز المساعدات الرمزية إلى دعم القدرات العملياتية للقوات المسلحة في دول المنطقة.

وتأتي الخطوة في وقت تواجه فيه النيجر ضغوطاً أمنية متزايدة، مع استمرار الهجمات المسلحة في مناطق عدة من البلاد، وتصاعد المخاطر التي تهدد المنشآت السيادية والبنى التحتية الحيوية، بما فيها محيط العاصمة نيامي. وبينما تواجه دول الساحل تحديات مرتبطة باتساع الحدود وصعوبة مراقبة المناطق الصحراوية وشبه الصحراوية، تراهن الجزائر على توظيف خبرتها العسكرية وقدراتها اللوجستية في مساعدة جيوش المنطقة على بناء قدرات أكثر استقلالاً في مواجهة التهديدات.

أربع مروحيات إلى الجيش النيجري


وأعلنت الجزائر، وفق ما أوردته صحيفة "الخبر" الجزائرية، تحويل وتسليم هبة مقدمة من وزارة الدفاع الوطني إلى الجيش النيجري، تتكون من أربع مروحيات وتجهيزات عسكرية مرافقة، تنفيذاً لتوجيهات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة ووزير الدفاع الوطني، وفي إطار تعزيز التعاون الاستراتيجي بين البلدين، ولا سيما في المجال العسكري.

وأقلعت مروحيتان من طراز "MI-24V" ومروحيتان من طراز "MI-171" من قاعدة الانتشار الثانوية في إن قزام بالناحية العسكرية السادسة، باتجاه مطار نيامي، بالتزامن مع نقل شحنة من الذخائر الخاصة بالمروحيات، فضلاً عن قطع الغيار ومعدات الإسناد والصيانة والدعم اللوجستي.

ولا تكتسب الخطوة أهميتها من عدد المروحيات وحده، بل من طبيعة الحزمة المصاحبة لها، إذ إن توفير قطع الغيار ومستلزمات الصيانة والذخائر يعني أن الدعم لا يقتصر على تسليم منصات عسكرية، وإنما يستهدف، من حيث المبدأ، تمكين الجانب النيجري من تشغيلها والاستفادة منها في مهام ميدانية.

وتشكل المروحيات، في بيئة جغرافية مثل الساحل، أداة متعددة الاستخدامات، يمكن توظيفها في النقل والإخلاء والمراقبة والإسناد الجوي والعمليات ضد الجماعات المسلحة، فضلاً عن قدرتها على التعامل مع المساحات الواسعة التي يصعب تغطيتها بواسطة القوات البرية وحدها.

النيجر أمام تحديات أمنية متزايدة


وتأتي المساعدة الجزائرية في سياق أمني شديد الحساسية بالنسبة إلى النيجر، التي تواجه منذ سنوات نشاط جماعات مسلحة في مناطق حدودية، ولا سيما في المناطق المتاخمة لمالي وبوركينا فاسو ونيجيريا.

كما شهدت العاصمة نيامي نفسها تطورات أمنية لافتة خلال الأشهر الماضية، مع استهداف مطار ديوري حماني الدولي، الذي يضم منشآت عسكرية، في هجومين خلال أقل من ستة أشهر، كان آخرهما في 18 حزيران/يونيو الماضي، عندما حاول مسلحون اقتحام محيط المطار.

وبحسب الحصيلة التي نقلتها «الخبر» عن وزارة الدفاع النيجرية، أسفر الهجوم الأخير عن مقتل 11 عنصراً من قوات الدفاع والأمن ومدنيين اثنين.

ويحمل استهداف منشأة استراتيجية داخل العاصمة دلالة أمنية تتجاوز الهجمات التقليدية في المناطق النائية؛ إذ يكشف قدرة الجماعات المسلحة على الوصول إلى مواقع ذات أهمية سيادية وعسكرية، ويضع مسألة حماية المنشآت الحيوية والنقل الجوي والبنية التحتية الأمنية في صدارة التحديات التي تواجه السلطات النيجرية.

وفي هذا السياق، يمكن قراءة إرسال المروحيات الجزائرية باعتباره جزءاً من مسعى لرفع قدرة القوات النيجرية على الاستجابة السريعة للتهديدات، خصوصاً في المناطق التي تتطلب دعماً جوياً أو عمليات نقل وإسناد للقوات المنتشرة على مساحات واسعة.

لماذا MI-24 وMI-171؟


وتثير طبيعة المروحيات التي اختارت الجزائر تقديمها للنيجر اهتماماً خاصاً، بالنظر إلى اختلاف وظائفها وقدراتها العملياتية.

وتعد "MI-24" من المروحيات المعروفة بقدراتها الهجومية، فيما تستخدم "MI-171" على نطاق واسع في مهام النقل والدعم والإسناد، ما يجعل الجمع بين الطرازين أقرب إلى توفير مجموعة من القدرات المتكاملة بدلاً من تقديم منصة واحدة ذات وظيفة محددة.

ونقلت "الخبر" عن الخبير الأمني أكرم خريف قوله إن النسخ الجزائرية من MI-24 خضعت لتعديلات في جنوب أفريقيا بهدف تعزيز ملاءمتها لمهام مكافحة الإرهاب، معتبراً أن هذه النسخ تختلف من حيث التجهيز والفعالية عن نماذج روسية مماثلة تستخدمها جيوش في منطقة الساحل.

وبحسب خريف، فإن نمط الطلاء الذي ظهرت به المروحيات يحمل، في تقديره، دلالة على طبيعة البيئة العملياتية التي يمكن أن تعمل فيها، ولا سيما المناطق ذات الغطاء النباتي في الحزام الساحلي، بما فيها مناطق تيلابيري ودوسو وحوض نهر النيجر.

وتشير هذه القراءة إلى أن الاختيار الجزائري قد يكون مرتبطاً بمتطلبات ميدانية محددة، وليس مجرد نقل معدات متوافرة إلى الجيش النيجري.

غير أن طبيعة المهام الفعلية التي ستضطلع بها المروحيات تظل مرتبطة بقرارات القيادة العسكرية النيجرية والظروف العملياتية على الأرض، فضلاً عن مستوى التدريب والصيانة والقدرة على تأمين منظومة تشغيل مستدامة.

الدعم لا يتوقف عند المروحيات


وتكمن إحدى أبرز دلالات الخطوة في أن الجزائر لم تكتف بتسليم المروحيات، وإنما أرفقتها بالذخائر وقطع الغيار ومعدات الصيانة والدعم اللوجستي.

ويعد هذا الجانب حاسماً في أي تعاون عسكري، إذ إن المعدات الجوية، بخلاف الأسلحة الفردية أو العربات، تحتاج إلى منظومة متكاملة من الصيانة والتدريب وقطع الغيار والدعم الفني حتى تتمكن من العمل بصورة منتظمة.

ومن ثم، فإن طبيعة الهبة قد تشير إلى تصور أوسع للتعاون الدفاعي بين الجزائر والنيجر، يقوم على دعم القدرة التشغيلية لا مجرد نقل المعدات.

ويكتسب ذلك أهمية خاصة بالنسبة إلى دولة تواجه تحديات لوجستية كبيرة بفعل اتساع مساحتها الجغرافية، وطول حدودها، وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق التي تنشط فيها الجماعات المسلحة.

الجزائر وخيار "أمن الجوار"


ولا تبدو الخطوة منفصلة عن المقاربة الجزائرية التقليدية تجاه أمن الساحل. فالجزائر، التي تمتلك حدوداً طويلة مع منطقة الساحل، تنظر إلى التدهور الأمني في مالي والنيجر ومنطقة الصحراء الكبرى باعتباره تهديداً يمكن أن يمتد إلى حدودها الجنوبية، سواء عبر نشاط الجماعات المسلحة أو شبكات تهريب السلاح والمخدرات والبشر.

ولهذا ركزت الجزائر خلال السنوات الماضية على الجمع بين الأدوات الدبلوماسية والأمنية في التعامل مع أزمات المنطقة، مع التأكيد رسمياً على احترام سيادة الدول ورفض التدخلات العسكرية الأجنبية.

وفي هذا السياق، يكتسب التعاون العسكري مع النيجر بعداً يتجاوز العلاقة الثنائية، إذ يرتبط بمعادلة أمنية إقليمية أوسع تتداخل فيها حدود دول عدة، وتتحرك عبرها جماعات مسلحة وشبكات إجرامية عابرة للحدود.

وبالنسبة إلى الجزائر، فإن تعزيز قدرة الجيش النيجري على مراقبة أراضيه ومواجهة الجماعات المسلحة يمكن أن يساهم، بصورة غير مباشرة، في تقليل المخاطر التي قد تنتقل إلى المناطق الحدودية الجزائرية.



الساحل يعيد ترتيب تحالفاته


وتأتي المساعدة الجزائرية في لحظة تشهد فيها منطقة الساحل تحولات جيوسياسية وأمنية عميقة. فخلال السنوات الأخيرة، شهدت المنطقة تراجعاً في أدوار بعض القوى الدولية التقليدية، بالتزامن مع صعود مقاربات جديدة للأمن الإقليمي، وسعي دول الساحل إلى إعادة تعريف شراكاتها العسكرية والسياسية.

وفي هذا السياق، أصبحت مسألة امتلاك الجيوش الوطنية قدرات مستقلة في مجال مكافحة الجماعات المسلحة وحماية الحدود أكثر أهمية.

وتختلف المقاربة الجزائرية، في هذا الإطار، عن نماذج تقوم أساساً على نشر قوات أجنبية أو إنشاء قواعد عسكرية خارجية، إذ تركز على دعم قدرات المؤسسات الأمنية والعسكرية المحلية.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن هذه المقاربة قادرة وحدها على حل أزمة الساحل، التي تتداخل فيها عوامل أمنية وسياسية واقتصادية واجتماعية، لكن توفير قدرات جوية ولوجستية للجيوش الوطنية يمكن أن يشكل أحد عناصر تعزيز قدرتها على التعامل مع التهديدات.

من تجربة الجزائر في مكافحة الإرهاب إلى التعاون الإقليمي


وتستند الجزائر في جزء من تعاونها الأمني إلى تجربة طويلة في مواجهة الجماعات المسلحة خلال ما عُرف بـ "العشرية السوداء" في تسعينيات القرن الماضي، قبل أن تطور خلال العقود اللاحقة منظومتها الأمنية والعسكرية لمواجهة التهديدات المرتبطة بالإرهاب والجريمة المنظمة والتهريب عبر الحدود.

وقد دفعت الطبيعة الجغرافية للجزائر، التي تمتد حدودها الجنوبية إلى عمق الصحراء الكبرى، الجيش إلى تطوير قدرات خاصة بالمراقبة والاستطلاع وحماية الحدود والعمل في بيئات صحراوية واسعة.

وتمنح هذه الخبرة الجزائر موقعاً مهماً في المعادلات الأمنية لشمال أفريقيا والساحل، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمكافحة الجماعات المسلحة وتأمين الحدود.

لكن نقل الخبرة العسكرية من دولة إلى أخرى لا يقتصر على المعدات؛ إذ يتطلب تدريباً وتنسيقاً وتكييفاً مع طبيعة التهديدات المحلية، فضلاً عن بناء منظومات صيانة وإمداد قادرة على ضمان استمرار العمليات.

ومن هنا تبرز أهمية إرفاق الهبة بالمستلزمات اللوجستية، باعتبارها محاولة لتحويل الدعم من عملية تسليم عتاد إلى تعاون أكثر استدامة.

هل تستطيع الجزائر إعادة الاستقرار إلى الساحل؟


يحمل عنوان "إعادة الاستقرار إلى الساحل" دلالة سياسية أكبر من قدرة أي عملية عسكرية منفردة على تحقيقها. فالاضطرابات في المنطقة لا ترتبط فقط بضعف القدرات العسكرية، وإنما تتصل أيضاً بالفقر، وضعف التنمية، والنزاعات المحلية، والحدود المفتوحة، وغياب الدولة في مناطق واسعة، وانتشار شبكات الجريمة المنظمة، فضلاً عن نشاط الجماعات الجهادية.

ومن ثم، فإن المروحيات الأربع لن تغير وحدها المعادلة الأمنية في النيجر، لكنها يمكن أن ترفع قدرة الجيش على الحركة والاستجابة والمراقبة والإسناد، وهي عناصر أساسية في أي استراتيجية لمواجهة الجماعات المسلحة.

والأهم أن العملية تكشف عن توجه جزائري يرى أن معالجة أزمة الساحل تبدأ من تعزيز مؤسسات دول المنطقة نفسها، ومنحها أدوات تمكنها من تحمل المسؤولية الأمنية على أراضيها.

رسالة سياسية وعسكرية في آن واحد


وبذلك تحمل الهبة الجزائرية للنيجر رسالتين متوازيتين: الأولى عسكرية، وتتمثل في دعم قدرات الجيش النيجري بمروحيات هجومية ونقلية، وذخائر وقطع غيار وتجهيزات للصيانة والدعم.

أما الثانية فهي سياسية، وتتصل بتأكيد الجزائر حضورها في محيطها الأفريقي، ولا سيما في منطقة الساحل، عبر التعاون مع دول الجوار ودعم مؤسساتها الوطنية.

وفي مرحلة تشهد فيها المنطقة تنافساً دولياً متزايداً على النفوذ والشراكات الأمنية، تبدو الجزائر حريصة على تقديم نفسها باعتبارها قوة إقليمية يمكنها توفير الدعم والخبرة، مع الإبقاء على خطاب يقوم على سيادة الدول ورفض الوصاية الخارجية.

ومن هذه الزاوية، فإن المروحيات الأربع التي وصلت إلى النيجر لا تمثل مجرد شحنة عسكرية؛ بل هي جزء من اختبار أوسع لمقاربة الجزائر تجاه الساحل: هل يمكن لدعم الجيوش الوطنية، إلى جانب الوساطة السياسية والتعاون الإقليمي، أن يساهم في بناء معادلة أمنية أكثر استقراراً؟

الإجابة ستتحدد على الأرض، في قدرة الجيش النيجري على تشغيل هذه المنظومات، وفي مدى مساهمتها في حماية الحدود والمنشآت الحيوية ومواجهة الجماعات المسلحة، وكذلك في قدرة دول الساحل على الانتقال من إدارة الأزمات الأمنية إلى معالجة جذورها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.




المغرب.. الغائب عن الهبة والحاضر في حسابات النيجر


وبينما تتحرك الجزائر في النيجر من بوابة الأمن والدفاع، فإن المغرب يحضر في المعادلة النيجريّة من بوابة مختلفة، تقوم أساساً على الاقتصاد والبنية التحتية والانفتاح الأطلسي. فالعلاقة بين الرباط ونيامي شهدت خلال الفترة الأخيرة دفعاً متزايداً نحو توسيع التعاون الثنائي، بما يجعل المغرب طرفاً حاضراً في إعادة تشكيل علاقات النيجر الخارجية، حتى وإن لم يكن طرفاً في الهبة العسكرية الجزائرية الأخيرة.

وفي نيسان/أبريل 2026، عقدت في نيامي الدورة الخامسة للجنة المشتركة المغربية ـ النيجرية للتعاون، وانتهت بتوقيع 14 اتفاقية ومذكرة تفاهم شملت قطاعات النقل الطرقي والسككي، واللوجستيات والبنية التحتية والتجارة والصناعة والزراعة والسكن والتعاون القضائي والتكوين الأكاديمي والمهني. وأكد الجانبان حينها رغبتهما في تحويل الشراكة الثنائية إلى نموذج للتعاون جنوب ـ جنوب في أفريقيا.

وتبرز في هذا السياق "المبادرة المغربية لتمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي"، التي تستهدف الدول غير الساحلية في المنطقة، ومن بينها النيجر، من خلال ربطها بالبنية التحتية والموانئ المغربية. وتكتسب المبادرة أهمية جيوسياسية لأنها تقدم للرباط مدخلاً مختلفاً إلى منطقة الساحل، لا يقوم على التعاون العسكري المباشر، وإنما على التجارة واللوجستيات وربط الاقتصادات الساحلية بالأسواق الدولية.

وبالنسبة إلى النيجر، التي تبحث عن منافذ وبدائل اقتصادية في ظل التحولات التي تشهدها المنطقة، يمثل هذا المسار أحد الخيارات التي يمكن أن تمنحها منفذاً إضافياً نحو الأسواق الأطلسية. وفي المقابل، يمنح المغرب فرصة لتعزيز حضوره في منطقة الساحل عبر أدوات اقتصادية وتنموية، في وقت تسعى فيه دول المنطقة إلى إعادة تعريف شراكاتها بعيداً عن أنماط التحالفات السابقة.

وتزامن ذلك مع تأكيد الرباط ونيامي، خلال اجتماع اللجنة المشتركة في أبريل/نيسان الماضي، على توسيع التعاون في مجالات متعددة، بما يشير إلى أن العلاقة المغربية ـ النيجرية تتجاوز المبادرة الأطلسية إلى بناء شبكة أوسع من المصالح الاقتصادية والمؤسساتية.

ومن هنا، يمكن فهم الحضور المغربي في النيجر باعتباره حضوراً هادئاً ومتدرجاً؛ فبينما تقدم الجزائر نفسها شريكاً أمنياً وعسكرياً يمتلك خبرة طويلة في مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود، يحاول المغرب تثبيت موقعه عبر التجارة والاستثمار والبنية التحتية والربط الأطلسي.

ولا يعني ذلك أن البلدين يخوضان بالضرورة مواجهة مباشرة على الأراضي النيجرية، لكن اختلاف أدوات الحضور يكشف عن تنافس أوسع على صياغة العلاقة مع الساحل. فالجزائر تراهن على الجغرافيا والأمن والخبرة العسكرية، فيما يراهن المغرب على الاقتصاد والانفتاح الأطلسي وشبكات التعاون جنوب ـ جنوب.

وتكتسب المسألة حساسية أكبر بالنظر إلى أن النيجر عضو في تحالف دول الساحل إلى جانب مالي وبوركينا فاسو، وهي الدول التي باتت تبحث عن شراكات جديدة بعد إعادة ترتيب علاقاتها مع القوى الغربية. وفي هذا السياق، تبدو المبادرات الإقليمية المتنافسة محاولة من القوى المغاربية لملء جزء من الفراغ الذي خلّفته التحولات الجيوسياسية في المنطقة.

وإذا كانت الهبة العسكرية الجزائرية تمنح نيامي قدرة إضافية في مواجهة التهديدات الأمنية، فإن المشروع المغربي يطرح على المدى الأبعد سؤالاً مختلفاً: كيف يمكن لدولة ساحلية محاصرة جغرافياً أن تعيد بناء طرق تجارتها واتصالها بالاقتصاد العالمي؟

وهنا تلتقي المقاربتان، رغم اختلافهما، عند هدف معلن واحد هو تعزيز قدرة دول الساحل على الاعتماد على شراكات إقليمية بدلاً من الارتهان الكامل للقوى الخارجية. لكن الطريق إلى ذلك مختلف: الجزائر تبدأ من الأمن باعتباره شرطاً للاستقرار، بينما يبدأ المغرب من الاقتصاد والربط الإقليمي باعتبارهما مدخلاً إلى التنمية والاستقرار.

ومن ثم، فإن النيجر تبدو اليوم إحدى الساحات التي تتقاطع فيها مقاربتان مغاربيتان تجاه الساحل: مقاربة جزائرية أمنية وعسكرية، ومقاربة مغربية اقتصادية ولوجستية وأطلسية. وبينهما تحاول نيامي توسيع هامش خياراتها، مستفيدة من تنافس القوى الإقليمية على بناء شراكات جديدة مع دول الساحل.