أثار
بيان وقّعه عدد من الوزراء والمسؤولين
والنواب السابقين وشخصيات سياسية ومدنية
تونسية، بعنوان "بيان وطني: تونس
دولة حرة، مستقلة، ذات سيادة"، جدلاً سياسياً واسعاً، بعدما عبّر موقّعوه عن
رفضهم لما اعتبروه مساساً بمبدأ السيادة الوطنية، وذلك على خلفية تصريحات قالوا
إنها صدرت عن الرئيس
الجزائري عبد المجيد تبون في 27 يوليو/تموز 2026، وتكررت في
مناسبة سابقة.
وشدد الموقعون على أن تونس، وفق ما ورد في
البيان، دولة "حرة، ديمقراطية، كاملة السيادة"، وأن استقلال القرار
الوطني وصون السيادة التونسية يمثلان "مبدأين ثابتين لا يقبلان التأويل أو
الانتقاص أو المساومة".
ويأتي البيان في سياق حساس للعلاقات
التونسية الجزائرية، التي يصفها الموقعون بأنها
علاقات تاريخية وأخوية، قائمة على
روابط جغرافية وشعبية وتاريخ مشترك، فضلاً عن تعاون متواصل في ملفات الأمن
والاقتصاد والطاقة ومواجهة التحديات الإقليمية.
تحفظات على خطاب "الحماية الخارجية"
ورغم تأكيدهم أهمية التضامن بين الشعبين
التونسي والجزائري، ولا سيما في مواجهة الإرهاب والتحديات المشتركة، قال الموقعون
إن أي خطاب يمكن أن يُفهم منه أن أمن تونس يحتاج إلى "حماية خارجية"، أو
أن يمنح أي طرف حقاً في التدخل في شؤونها الداخلية، يمثل، من وجهة نظرهم، مساساً
بمبدأ السيادة الوطنية.
وأكد البيان أن مثل هذه المواقف تستوجب،
بحسب أصحابه، "موقفاً وطنياً واضحاً لا لبس فيه"، معتبرين أن التضامن
بين الدول والشعوب لا ينبغي أن يتحول إلى صيغة تضع دولة في موقع الحامي وأخرى في
موقع المحمي.
وفي هذا السياق، شدد الموقعون على أن
الصداقة بين تونس والجزائر يجب أن تقوم على أساس الندية والاحترام المتبادل
والمساواة الكاملة في السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، معتبرين أن قوة
العلاقات الثنائية تكمن في استقلال طرفيها وتكافؤهما.
الدفاع عن العلاقات التونسية الجزائرية
ورغم لهجة البيان المنتقدة، حرص الموقعون
على التأكيد أن العلاقات بين تونس والجزائر تمثل "رصيداً استراتيجياً ثميناً"
ينبغي الحفاظ عليه وتعزيزه.
وأشاروا إلى أن هذه العلاقات تشكلت، وفق
البيان، عبر تاريخ مشترك من النضال ضد الاستعمار وتضحيات متبادلة، قبل أن تتعزز
خلال عقود من التضامن وحسن الجوار.
ودعا الموقعون إلى صون هذا الرصيد من خلال
بناء العلاقات الثنائية على قاعدة الاحترام المتبادل والمساواة في السيادة، مؤكدين
أن "الصداقة الحقيقية" لا يمكن أن تقوم إلا بين دولتين مستقلتين
ومتساويتين في السيادة.
وتحمل هذه النقطة أهمية خاصة في ظل الطبيعة
المتشابكة للعلاقات بين البلدين، إذ تشترك تونس والجزائر في حدود برية طويلة،
وتتقاطع مصالحهما في ملفات أمن الحدود ومكافحة الإرهاب والتهريب والاستقرار
الإقليمي، فضلاً عن الروابط الاجتماعية والاقتصادية العميقة بين شعبيهما.
أمن تونس مسؤولية مؤسساتها
وجدد البيان التأكيد على أن مسؤولية حماية
تونس والدفاع عن سيادتها ووحدة أراضيها تقع حصراً على عاتق مؤسسات الدولة التونسية
وجيشها الوطني وقواتها الأمنية وشعبها.
واعتبر الموقعون أن تونس راكمت، على مدى
أكثر من عقد، خبرة في مواجهة الإرهاب، مشيرين إلى التضحيات التي قدمتها القوات
المسلحة والأمنية ومختلف أبناء الشعب التونسي خلال تلك المرحلة.
وبحسب البيان، فإن هذه التجربة تثبت قدرة
تونس على حماية أمنها وصون سيادتها "دون وصاية أو حماية من أي طرف كان".
ويعكس هذا الطرح رغبة الموقعين في التأكيد
على استقلالية المؤسسة العسكرية والأمنية التونسية، ورفض أي تصور يمكن أن يوحي بأن
أمن البلاد أو قدرتها على مواجهة المخاطر مرهونة بتدخل خارجي.
التعاون الأمني والعسكري "على قاعدة
الندية"
وفي الوقت نفسه، لم يدعُ البيان إلى قطع
التعاون الأمني والعسكري بين تونس والجزائر، بل أكد أن هذا التعاون يمثل خياراً
تفرضه التحديات والمصالح المشتركة.
غير أن الموقعين شددوا على ضرورة أن يقوم
التعاون بين البلدين على «الندية والثقة المتبادلة والاحترام الكامل لسيادة كل
دولة واستقلال قرارها الوطني».
كما رفضوا، وفق نص البيان، أن يُقدَّم هذا
التعاون بما يمكن أن ينتقص من كفاءة المؤسسات العسكرية والأمنية التونسية، أو يقلل
من دورها الوطني في حماية البلاد والدفاع عن استقلالها وسيادتها.
ويبدو أن هذه النقطة تمثل جوهر الرسالة
السياسية للبيان: "التعاون مع الجزائر مرحّب به، لكن ضمن علاقة متكافئة بين
دولتين مستقلتين، وليس على أساس الحماية أو الوصاية".
انتقاد حاد للسلطة التونسية
ولم يقتصر البيان على توجيه رسائل إلى
الخارج، بل تضمن أيضاً انتقادات مباشرة للسلطة القائمة في تونس.
واتهم الموقعون السلطة بـ "الفشل في
إدارة شؤون الدولة"، و"تقويض دولة القانون"، و"تفكيك المؤسسات"،
و"التضييق على الحقوق والحريات"، فضلاً عن تعميق الأزمات السياسية
والاقتصادية والاجتماعية.
كما انتقدوا ما وصفوه بتضييق مجال العلاقات
الدولية لتونس وعزلها عن محيطها، معتبرين أن هذه السياسات أضعفت، بحسب تقديرهم،
مناعة الدولة وجعلتها أكثر عرضة للضغوط الخارجية، وكذلك للمواقف والخطابات التي
يمكن أن تمس بسيادتها واستقلال قرارها الوطني.
وبذلك، يربط البيان بين ما يعتبره الموقعون
أزمة داخلية في تونس وبين قدرتها على حماية قرارها السيادي في علاقاتها الخارجية.
فبحسب هذا الطرح، فإن الدولة القوية داخلياً، القائمة على المؤسسات وسيادة
القانون، تكون أكثر قدرة على الدفاع عن استقلال قرارها في محيطها الإقليمي والدولي.
رسالة مزدوجة إلى الداخل والخارج
يحمل البيان، في مضمونه، رسالة مزدوجة؛
الأولى موجهة إلى الخارج، ولا سيما إلى الجزائر، ومفادها أن العلاقات الأخوية
والتعاون الأمني لا ينبغي أن يمسا باستقلال القرار التونسي أو أن يُفهما
باعتبارهما شكلاً من أشكال الحماية.
أما الرسالة الثانية فهي موجهة إلى الداخل
التونسي، إذ يحمّل الموقعون السلطة القائمة مسؤولية ما يعتبرونه تراجعاً في مناعة
الدولة ومؤسساتها، ويربطون بين الأزمة السياسية الداخلية وبين تنامي قابلية البلاد
للتأثر بالضغوط الخارجية.
ويؤكد الموقعون في ختام بيانهم أن موقفهم
يمثل تعبيراً عن "الوفاء لتونس" والدفاع عن استقلالها وكرامة شعبها، مع
التشديد على مبادئ القانون الدولي، وفي مقدمتها المساواة في السيادة وعدم التدخل
في الشؤون الداخلية.
ويخلص البيان إلى تأكيد أن تونس "لن
تقبل وصاية من أحد"، وأن استعادة مكانتها، وفق الموقعين، ستكون عبر جهود
التونسيين والتونسيات أنفسهم.
من هم أبرز الموقعين؟
حمل البيان توقيعات شخصيات شغلت مناصب رسمية
وبرلمانية في تونس، إلى جانب سياسيين وناشطين مدنيين وحقوقيين.
ومن أبرز الموقعين: الوزراء السابقون كمال
الجندوبي، محمد الحامدي، محمد الطرابلسي، علي الكعلي، عبد اللطيف المكي، وأحمد
قعلول، إلى جانب كمال العكروت، الوزير المستشار السابق للأمن القومي لدى رئاسة
الجمهورية، ومحسن مرزوق ونورالدين بن تيشة، وهما مستشاران سياسيان سابقان لدى
رئاسة الجمهورية.
كما وقّع البيان مصطفى كمال النابلي، المحافظ
السابق للبنك المركزي، وحامد الماطري، المستشار الوزاري السابق.
وشملت قائمة الموقعين كذلك عدداً من
البرلمانيين السابقين، من بينهم ريم محجوب، محمود الماي، سفيان المخلوفي، مجدي
الكرباعي، وهشام العجبوني.
وضمت القائمة أيضاً ناشطين سياسيين ومدنيين
ومحامين، بينهم وسام الصغير، رياض الشعيبي، رضا إدريس، نافع العريبي، دليلة بن
مبارك مصدق، مسعود الرمضاني، إلياس الشواشي، حسام الحامي، عز الدين الحزقي، محيي
الدين شربيب، وأحمد عبد النبي.
خلفية دستورية للجدل حول السيادة
وتستند فكرة استقلال الدولة التونسية
وسيادتها، من الناحية الدستورية، إلى مبدأ راسخ في النصوص الدستورية التونسية.
وينص الفصل الأول من دستور الجمهورية التونسية الصادر عام 2022 على أن "تونس
دولة حرّة مستقلّة ذات سيادة"، فيما ينص الفصل الثالث على أن الشعب التونسي
هو صاحب السيادة.
ومن هذه الزاوية، يقدم الموقعون بيانهم
باعتباره دفاعاً عن مبدأ دستوري وسياسي يتجاوز الخلافات الظرفية، مؤكدين أن أي
تعاون إقليمي أو دولي يجب أن يبقى منسجماً مع استقلال القرار الوطني.
ماذا قال تبون عن تونس؟
جاء البيان التونسي في أعقاب تصريحات أدلى
بها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال لقائه الدوري مع ممثلي وسائل الإعلام
الجزائرية، الذي بُثّ في 27 يوليو/تموز 2026، وتناول خلاله عدداً من القضايا
الداخلية والإقليمية، من بينها الوضع في تونس والتحديات الأمنية المرتبطة بالإرهاب.
وفي ما يتعلق بتونس، وجّه تبون تحذيراً شديد
اللهجة إلى أي جهة قد تحاول، وفق تصوره، تهديد البلاد أو زعزعة استقرارها عبر
الإرهاب، مؤكداً أن الجزائر لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي تهديد من هذا النوع.
ونقلت وسائل إعلام جزائرية عن تصريحاته قوله، بمعنى واضح، إن من "يجلب الإرهاب إلى
تونس أو يهدد تونس بالإرهاب" سيواجه رداً حازماً، في تعبير اعتُبر من أكثر
تصريحاته وضوحاً بشأن استعداد الجزائر للتدخل في مواجهة أي خطر أمني يستهدف جارتها
الشرقية.
وتزامنت هذه التصريحات مع تأكيد تبون أن
الجزائر لن تؤذي جيرانها، في رسالة حاول من خلالها، بحسب السياق الذي نقلته وسائل
الإعلام الجزائرية، تقديم الموقف الجزائري باعتباره قائماً على حماية الأمن
والاستقرار الإقليميين وليس على التدخل في شؤون الدول المجاورة.
غير أن لهجة التصريحات، ولا سيما الحديث عن
استعداد الجزائر للرد على من يهدد تونس، أثارت نقاشاً في الأوساط السياسية
والإعلامية التونسية حول حدود التضامن بين البلدين، وما إذا كان الخطاب الجزائري
يعبّر عن تعاون أمني مشروع بين دولتين جارتين، أم يمكن أن يُفهم على أنه منح
الجزائر دوراً يتجاوز التنسيق والتعاون إلى اعتبار أمن تونس جزءاً من الأمن القومي
الجزائري.
ومن هذه الزاوية، يبدو أن بيان "تونس دولة
حرة، مستقلة، ذات سيادة" جاء ليضع حدوداً سياسية وقانونية لهذا النوع من الخطاب،
إذ يميّز بين التضامن الأمني والتعاون في مكافحة الإرهاب من جهة، وبين الحديث عن حماية تونس أو الدفاع عنها من جانب دولة أخرى من جهة ثانية.
ويكتسب هذا الجدل حساسية خاصة بالنظر إلى
طبيعة العلاقات التونسية الجزائرية، حيث تتداخل اعتبارات الأمن الحدودي ومكافحة
الإرهاب مع العلاقات السياسية والاقتصادية والشعبية الوثيقة بين البلدين. وقد سبق
أن عبّر تبون في مناسبات مختلفة عن عمق العلاقة مع تونس، في وقت أكدت فيه السلطات
الجزائرية مراراً أهمية استقرار الجارة التونسية بالنسبة إلى الأمن الإقليمي
للبلدين. كما أن لقاءات المسؤولين التونسيين والجزائريين خلال يوليو/تموز 2026
عكست استمرار التنسيق الرسمي بين البلدين، إذ نقل وزير الخارجية التونسي محمد علي
النفطي إلى تبون تحيات الرئيس قيس سعيّد وتأكيده على مواصلة توطيد علاقات الأخوة
والتعاون والشراكة بين البلدين.
وبذلك، فإن خلفية التصريحات الأخيرة تكشف عن
مفارقة سياسية واضحة: ففي الوقت الذي ترى فيه الجزائر أن أمن تونس واستقرارها
يمثلان مصلحة استراتيجية مشتركة، يرى موقّعو البيان التونسي أن هذا التضامن يجب
ألا يُصاغ بطريقة توحي بأن تونس تحتاج إلى حماية خارجية أو أن للجزائر حقاً خاصاً
في التدخل لحماية أمنها.
ويبدو أن جوهر الخلاف لا يتعلق، وفق نص
البيان، بمبدأ التعاون التونسي الجزائري في حد ذاته، وإنما باللغة المستخدمة في
توصيف هذا التعاون وحدود الدور الذي يمكن أن تضطلع به الجزائر تجاه أمن تونس.
فالموقعون يقرّون بأهمية التنسيق الأمني والعسكري بين البلدين، لكنهم يصرون على أن
يكون ذلك في إطار الندية والاحترام المتبادل، وأن تبقى مسؤولية حماية الأراضي
التونسية وأمنها من اختصاص الدولة التونسية ومؤسساتها.
ومن شأن هذه التصريحات والردود عليها أن
تعيد إلى الواجهة نقاشاً أوسع حول طبيعة العلاقة بين البلدين، خصوصاً في ظل
التحولات السياسية التي تشهدها تونس والمنطقة المغاربية، وحول ما إذا كان التقارب
الأمني بين الجزائر وتونس قد دخل مرحلة جديدة تتجاوز التنسيق التقليدي لمواجهة
الإرهاب وحماية الحدود إلى تصور أوسع للأمن المشترك، وهو ما يثير بدوره أسئلة حول
حدود السيادة الوطنية وتوازن المصالح بين البلدين.