أثار
الجفاف غير المسبوق الذي تشهده المملكة
المتحدة تساؤلات متزايدة بشأن قدرة البلاد على تجنب أزمة مائية في المستقبل، بعدما
دخلت نصف مناطق إنجلترا وجميع أنحاء ويلز رسمياً في حالة جفاف، وسط تحذيرات من أن
استمرار التغير
المناخي وتراجع الاستثمار في البنية التحتية قد يدفع البلاد إلى
مواجهة نقص حاد في إمدادات المياه خلال العقود المقبلة.
وتأتي هذه المخاوف بعدما سجل شهر تموز/
يوليو الماضي أكثر الأشهر جفافاً في إنجلترا منذ بدء تسجيل البيانات المناخية قبل
نحو قرنين، إذ لم تتجاوز كمية الأمطار 7 بالمئة من متوسطها التاريخي، وهو ما وصفته
رئيسة المجموعة الوطنية للجفاف، هيلين ويكهام، بأنه "جفاف استثنائي
الخطورة" ستكون له آثار طويلة الأمد على البيئة والاقتصاد.
جفاف غير مسبوق رغم السمعة المطيرة
ورغم أن
بريطانيا تُعرف عالمياً بغزارة
أمطارها، فإن تقريرا لصحيفة "الغارديان" اليوم نقل عن خبراء تأكيدهم أن
تغير المناخ غيّر طبيعة الفصول بصورة واضحة، إذ أصبحت فصول الصيف أكثر حرارة
وجفافاً، بينما لم تعد أمطار الشتاء كافية لتعويض النقص في الأنهار والخزانات
والمياه الجوفية.
ويشير المختصون إلى أن انتهاء الجفاف لا
يتحقق بمجرد هطول الأمطار، وإنما عندما تعود مستويات الأنهار والخزانات والمياه
الجوفية إلى معدلاتها الطبيعية، وهي عملية قد تستغرق أشهراً.
لماذا تواجه بريطانيا خطر نقص المياه؟
يرجع الخبراء الأزمة إلى مجموعة عوامل
متداخلة، أبرزها: تراجع معدلات الأمطار
وارتفاع درجات الحرارة بفعل التغير المناخي، زيادة الطلب على المياه مع النمو
السكاني، توسع مراكز البيانات ومشروعات الطاقة التي تحتاج كميات كبيرة من المياه، غياب
الاستثمارات الكافية في البنية التحتية المائية لعقود، استمرار فقدان كميات ضخمة
من المياه بسبب التسربات.
وتقدر وكالة البيئة البريطانية أن إنجلترا
قد تواجه عجزاً يومياً يبلغ خمسة مليارات لتر من المياه بحلول عام 2055 إذا لم
تُتخذ إجراءات عاجلة.
بنية تحتية متقادمة وتسربات هائلة
وتبرز أزمة البنية التحتية باعتبارها أحد
أكبر أسباب تفاقم المشكلة. فلم تُنشأ أي خزانات مياه جديدة في بريطانيا منذ عام 1992، بينما كشفت
منظمة "غرينبيس" أن شركات المياه تهدر يومياً نحو 2.87 مليار لتر من
المياه بسبب تسرب الأنابيب، وهي كمية تكفي لملء أكثر من 1100 مسبح أولمبي، وتمثل
نحو خمس المياه التي تضخها الشبكات في إنجلترا وويلز.
ودعا الاتحاد الوطني للمزارعين الحكومة إلى
تسريع إجراءات الترخيص لبناء منشآت تخزين المياه، بهدف الاستفادة من مياه الشتاء
لمواجهة فترات الجفاف.
من يستهلك المياه؟
ولا تقتصر الاستهلاكات الكبيرة للمياه على
شركات التوزيع المنزلية، إذ تستخدم قطاعات عديدة كميات ضخمة من الموارد المائية،
تشمل الزراعة، ومحطات توليد الكهرباء، والصناعات التحويلية، ومزارع الأسماك، وحتى
ملاعب الغولف.
وأظهر تحليل حديث أن إجمالي المياه
المستخرجة من البيئة في عام 2023 بلغ نحو 47 مليار كيلولتر، استحوذ قطاع الكهرباء
على أكثر من نصفها، بينما بلغ نصيب إمدادات المياه العامة 9.2 مليارات كيلولتر،
والزراعة نحو ملياري كيلولتر.
أزمة كمية وجودة
ولا تواجه بريطانيا مشكلة نقص المياه فقط،
بل أيضاً أزمة متفاقمة في جودة المياه. وأظهرت بيانات حكومية حديثة أن جميع المسطحات المائية في إنجلترا ملوثة
بمواد كيميائية سامة، فيما لم يحقق سوى 14.3 بالمئة من المياه السطحية المعايير
البيئية الجيدة، ما يزيد من تعقيد إدارة الموارد المائية.
هل يمكن أن تنفد المياه فعلاً؟
ويرى الخبراء، وفق الغارديان، أن خطر نفاد
المياه لم يعد مجرد سيناريو نظري. فقد حذر تقرير برلماني صدر عقب جفاف عام 2025 من أن صنابير المياه في
إنجلترا قد تجف إذا لم تُخفض معدلات الاستهلاك ولم تُنشأ مصادر جديدة للإمداد.
وبدأت آثار الأزمة تظهر بالفعل في بعض
المناطق، حيث تأجلت مشاريع إسكانية وتجارية في ساسكس وكامبريدجشير وسوفولك
ونورفولك بسبب محدودية إمدادات المياه وضعف البنية التحتية.
كما أعلنت شركة "ساوث إيست ووتر"
أن احتياطياتها المائية بلغت مستويات "حرجة"، محذرة من احتمال انقطاع
الإمدادات عن بعض المشتركين إذا لم ينخفض الاستهلاك.
قيود قد تتجاوز حظر استخدام الخراطيم
ويخضع نحو 40 بالمئة من سكان إنجلترا حالياً
لقرار حظر استخدام خراطيم المياه، وهو إجراء قانوني يهدف إلى ترشيد الاستهلاك،
ويعاقب مخالفوه بغرامات تصل إلى ألف جنيه إسترليني.
لكن شركات المياه تمتلك صلاحيات أوسع في
حالات "الجفاف الطارئ"، تشمل تقنين ضخ المياه لساعات محددة يومياً، وخفض
ضغط الشبكات، وفرض قيود إضافية على الاستخدامات التجارية غير الضرورية.
هل يكفي ترشيد الاستهلاك؟
ويرى خبراء أن مسؤولية معالجة الأزمة لا تقع
على الأفراد وحدهم، رغم أن تقليل الاستهلاك المنزلي يسهم في تخفيف الضغوط على
الشبكات.
وتراهن وكالة البيئة البريطانية على خفض
التسربات وإدارة الطلب لتغطية نحو 60 بالمئة من العجز المتوقع بحلول 2050، فيما
يُفترض أن يأتي الجزء المتبقي عبر إنشاء خزانات جديدة ومشروعات لنقل المياه بين
المناطق.
وتعمل شركات المياه حالياً على تنفيذ برامج
استثمارية واسعة لإصلاح الشبكات، فيما يجري التخطيط لبناء عدد من الخزانات الجديدة
بعد أكثر من ثلاثة عقود من توقف هذه المشاريع.
وشهدت المملكة المتحدة خلال السنوات الخمس
الأخيرة ثلاث موجات جفاف متتالية، في مؤشر يعكس التأثير المتسارع للتغير المناخي
على الموارد المائية. ويقارن خبراء الهيدرولوجيا الظروف الحالية بجفاف عام 1976،
الذي يُعد الأسوأ في تاريخ البلاد، حين اضطرت بعض شركات المياه إلى قطع الإمدادات
واعتمد السكان على نقاط توزيع المياه في الشوارع.
ويحذر المختصون من أن تكرار مثل هذا
السيناريو لم يعد مستبعداً إذا استمرت درجات الحرارة في الارتفاع وتأخر الاستثمار
في إصلاح شبكات المياه وإنشاء خزانات جديدة، خاصة مع تزايد الطلب على المياه وتفاقم
الضغوط المناخية على مستوى العالم.