جدل في بريطانيا بعد حرمان أكثر من 16 ألف لاجئ من لمّ شمل عائلاتهم

حذر مجلس اللاجئين من أن إغلاق أحد أهم المسارات القانونية والآمنة أمام الأسر يدفع كثيرين إلى البحث عن بدائل غير نظامية، بما في ذلك الاعتماد على شبكات تهريب البشر وعبور بحر المانش في قوارب صغيرة.. غيتي
كشف مجلس اللاجئين البريطاني أن أكثر من 16 ألف لاجئ حُرموا من لمّ شملهم مع أفراد أسرهم في المملكة المتحدة منذ أن علقت الحكومة البريطانية برنامج لمّ شمل أسر اللاجئين قبل عشرة أشهر، وهو ما أدى، بحسب المنظمة، إلى بقاء آلاف الأشخاص عالقين في مناطق النزاعات أو اضطرار بعضهم إلى اللجوء إلى مهربي البشر للوصول إلى بر الأمان.

وتأتي هذه الأرقام في وقت تواجه فيه الحكومة البريطانية انتقادات من منظمات حقوقية وإنسانية تتهمها بتشديد سياسات اللجوء والهجرة على حساب الأسر التي فرقتها الحروب والنزاعات، بينما تؤكد الحكومة أنها تعتزم استبدال النظام السابق بآليات أكثر تشددا ضمن إصلاحات شاملة لمنظومة اللجوء.

تعليق البرنامج منذ سبتمبر الماضي

وكانت الحكومة البريطانية قد أوقفت في سبتمبر/أيلول 2025 العمل ببرنامج لمّ شمل أسر اللاجئين، الذي يتيح للشخص الحاصل على صفة لاجئ في المملكة المتحدة التقدم بطلب لاستقدام أفراد أسرته المباشرين، مثل الزوج أو الزوجة والأبناء الذين تقل أعمارهم عن 18 عاما.

وعند إعلان القرار، أشارت الحكومة إلى أن التعليق سيكون مؤقتا حتى ربيع عام 2026، غير أنه لم يصدر حتى الآن أي إعلان رسمي عن استئناف العمل بالبرنامج، الأمر الذي ترك آلاف العائلات في حالة من عدم اليقين.

واعتمد مجلس اللاجئين في تقديراته على بيانات وزارة الداخلية البريطانية الخاصة بالفترات السابقة لتعليق البرنامج، ليخلص إلى أن نحو 16 ألفا و300 شخص حُرموا من حق التقدم بطلبات لمّ الشمل خلال الأشهر العشرة الماضية.

النساء والأطفال الأكثر تضررا

وتشير بيانات المنظمة إلى أن تسعة من كل عشرة مستفيدين من برنامج لمّ شمل أسر اللاجئين كانوا من النساء والأطفال.

وبحسب التقديرات، فإن الأشخاص الذين حُرموا من الاستفادة من البرنامج منذ تعليقه يشملون: نحو 9273 طفلا، حوالي 5835 امرأة.

وترى المنظمة أن هذه الأرقام تعكس حجم التأثير الإنساني للقرار، خاصة أن غالبية المستفيدين من البرنامج ينتمون إلى الفئات الأكثر هشاشة.

مخاطر متزايدة واللجوء إلى التهريب

وحذر مجلس اللاجئين من أن إغلاق أحد أهم المسارات القانونية والآمنة أمام الأسر يدفع كثيرين إلى البحث عن بدائل غير نظامية، بما في ذلك الاعتماد على شبكات تهريب البشر وعبور بحر المانش في قوارب صغيرة.

ونقلت صحيفة "الغارديان" عن  عمران حسين، مدير الشؤون الخارجية في مجلس اللاجئين، قوله: إن توفير طرق قانونية وآمنة للوصول إلى بريطانيا "ينقذ الأرواح"، مؤكدا أن النساء والأطفال الفارين من الحروب في دول مثل السودان وأفغانستان لا يغامرون بحياتهم في البحر إلا عندما تصبح الأخطار التي يهربون منها أشد من مخاطر الرحلة نفسها.

وأضاف أن الحكومة، رغم إعلانها عن إنشاء مسارات آمنة جديدة، يجب ألا تلغي البرامج القائمة التي أثبتت فعاليتها في إنقاذ الأسر، داعيا إلى إعادة العمل ببرنامج لمّ الشمل بصورة عاجلة إلى جانب توسيع قنوات اللجوء القانونية.

برامج بديلة محدودة الأثر

وتؤكد الحكومة البريطانية أنها لا تزال توفر مسارات قانونية أخرى لاستقبال الفئات الأكثر ضعفا من اللاجئين، إلا أن بيانات مجلس اللاجئين تشير إلى أن أعداد المستفيدين من هذه البرامج انخفضت بأكثر من الثلث خلال العام الماضي.

كما أعلنت الحكومة عن توسيع نظام الكفالة المجتمعية، الذي يسمح لمجتمعات محلية أو جمعيات برعاية لاجئين وتأمين السكن وفرص العمل والمساعدة على الاندماج.

غير أن مصادر في وزارة الداخلية أوضحت أن هذا البرنامج، منذ إطلاقه قبل نحو عقد، لم ينجح سوى في استقبال حوالي 1000 لاجئ فقط، معظمهم ضمن وحدات أسرية، وهو ما يجعل أثره محدودا مقارنة بحجم الاحتياجات.

وأضافت المصادر أن الحكومة تتوقع أن تستقبل برامج الكفالة المجتمعية، إلى جانب المسارات الجديدة المتعلقة بالدراسة والعمل، أعدادا لا تتجاوز "بضع مئات" في المرحلة الأولى، بينما يعبر مئات طالبي اللجوء بحر المانش في بعض الأيام بواسطة قوارب صغيرة.

معاناة الأسر المشتتة

ونقلت صحيفة "الغارديان" شهادة لاجئة إيرانية تقيم في لندن مع طفليها، قالت إن زوجها لا يزال عالقا داخل إيران في ظروف وصفتها بأنها "بالغة الخطورة".

وأوضحت أنها وصلت إلى بريطانيا قبل أربع سنوات، لكنها اضطرت للانتظار نحو عام ونصف العام قبل أن تنظر وزارة الداخلية في طلب لجوئها، قبل أن يُرفض الطلب في البداية ثم يُقبل لاحقا بعد الاستئناف.

وقالت إن بطء إجراءات اللجوء حرمها من فرصة التقدم بطلب لمّ شمل زوجها قبل تعليق البرنامج، مضيفة أن استمرار احتجازه في إيران يمثل "عذابا يوميا"، ووصفت القرار بأنه انتهاك واضح لحقوق الإنسان لأنه يفرق بين أفراد الأسرة ويحرمهم من آخر أمل لديهم في الاجتماع مجددا.

الحكومة: لمّ الشمل لن يكون تلقائيا

من جهتها، دافعت وزارة الداخلية البريطانية عن سياستها الجديدة، مؤكدة أن مشروع قانون الهجرة واللجوء الذي تعمل عليه الحكومة يهدف إلى إصلاح قوانين حقوق الإنسان بما يضمن استمرار حماية المحتاجين إليها، مع الحد مما تصفه بإساءة استخدام نظام اللجوء.

وقالت الوزارة إن إطلاق المسارات القانونية الجديدة لاستقبال اللاجئين سيبدأ خلال فصل الخريف المقبل.

وأوضحت كذلك أن نظام اللجوء الجديد سيغير آلية لمّ شمل الأسر، بحيث لن يصبح لمّ الشمل حقا تلقائيا كما كان في السابق، بل سيخضع لمعايير أكثر صرامة، وسيتعين على اللاجئين الراغبين في استقدام أفراد أسرهم استيفاء شروط إضافية تحددها الحكومة.

جدل متواصل حول سياسة اللجوء

ويأتي هذا الجدل في ظل استمرار الحكومة البريطانية في تشديد سياسات الهجرة غير النظامية، خاصة بعد الارتفاع المتواصل في أعداد طالبي اللجوء الذين يعبرون بحر المانش على متن قوارب صغيرة.

وتقول منظمات حقوقية إن تقليص مسارات الوصول القانونية يدفع مزيدا من اللاجئين إلى المخاطرة بحياتهم عبر طرق غير آمنة، فيما ترى الحكومة أن الإصلاحات الجديدة ضرورية لإقامة نظام لجوء "أكثر عدالة"، يمنع إساءة استغلال القوانين، ويوازن بين الالتزامات الإنسانية ومتطلبات ضبط الحدود.