تبون يستقبل سانشيز.. هل تطوي الجزائر وإسبانيا صفحة أزمة الصحراء؟

يتزامن وصول سانشيز مع انعقاد منتدى الأعمال الجزائري الإسباني، الذي يهدف إلى إعادة تنشيط الاستثمارات والتبادل التجاري بين البلدين، بعد فترة من التراجع نتيجة الأزمة السياسية. (واج)
استقبل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، الاثنين، رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز في مقر رئاسة الجمهورية بالجزائر العاصمة، في مستهل زيارة رسمية خاطفة، تعد الأولى من نوعها منذ الأزمة الدبلوماسية التي هزت العلاقات بين البلدين عام 2022، وسط توقعات بأن تؤسس لمرحلة جديدة من الشراكة السياسية والاقتصادية بين الجزائر ومدريد.

وأظهر التلفزيون الجزائري الرسمي مراسم الاستقبال الرسمي، حيث التقط الرئيس تبون ورئيس الوزراء الإسباني صورة تذكارية أمام وسائل الإعلام الوطنية والدولية، قبل انطلاق المحادثات الثنائية التي تركز على ملفات الطاقة والاستثمار والتعاون الأمني والقضايا الإقليمية.

وتأتي الزيارة بعد أشهر من استعادة الدفء للعلاقات بين البلدين، عقب سنوات من التوتر الذي أعقب تغيير مدريد موقفها من قضية الصحراء الغربية عام 2022، وهو ما دفع الجزائر حينها إلى استدعاء سفيرها وتعليق معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون، فضلاً عن تجميد عدد من مجالات التعاون الاقتصادي.

الطاقة والاستثمار في صدارة المحادثات


ويضم الوفد الإسباني المرافق لسانشيز عدداً من كبار المسؤولين، بينهم وزيرة التحول البيئي والاتحاد الطاقوي، إضافة إلى ممثلين عن كبرى شركات الطاقة الإسبانية، مثل "ريبسول" و"ناتورجي" و"إيناغاز" و"مويفي"، بما يعكس المكانة المركزية التي يحتلها قطاع الطاقة في أجندة الزيارة.

ويتصدر ملف الغاز الطبيعي جدول الأعمال، في ظل اعتماد إسبانيا المتزايد على الإمدادات الجزائرية عبر خط أنابيب "ميدغاز"، إلى جانب بحث مراجعة بعض العقود طويلة الأمد الممتدة حتى عام 2030، فضلاً عن تعزيز التعاون في مشاريع الهيدروجين الأخضر والطاقات المتجددة.

كما يتزامن وصول سانشيز مع انعقاد منتدى الأعمال الجزائري الإسباني، الذي يهدف إلى إعادة تنشيط الاستثمارات والتبادل التجاري بين البلدين، بعد فترة من التراجع نتيجة الأزمة السياسية.

إعادة إحياء معاهدة الصداقة


وتكتسب الزيارة أهمية سياسية خاصة، إذ يرجح أن تمهد لإعادة تفعيل معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون الموقعة عام 2002، والتي جُمد العمل بها بعد الأزمة الدبلوماسية بين البلدين.

كما ينتظر أن يبحث الجانبان آليات إعادة تفعيل اللجان المشتركة، وإعادة إطلاق التعاون المؤسسي في مختلف المجالات، بما يعكس رغبة متبادلة في تجاوز تداعيات الخلافات السابقة وبناء شراكة أكثر استقراراً.

رسائل إقليمية.. الجزائر لاعب لا يمكن تجاوزه


وتحمل الزيارة رسائل إقليمية واضحة، في ظل التحولات الجيوسياسية التي يشهدها غرب البحر الأبيض المتوسط، وسعي القوى الأوروبية إلى تعزيز علاقاتها مع الجزائر، التي باتت تمثل أحد أهم موردي الطاقة إلى أوروبا منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية.

وتعكس زيارة سانشيز إقراراً إسبانياً بالدور المتنامي للجزائر في معادلات أمن الطاقة الأوروبية، كما تؤكد أن مدريد تسعى إلى استعادة موقعها كشريك استراتيجي للجزائر، بعد أن نجحت دول أوروبية أخرى، وفي مقدمتها إيطاليا وألمانيا، في توسيع حضورها الاقتصادي والسياسي خلال السنوات الأخيرة.

كما تؤكد الزيارة أن الجزائر أصبحت رقماً صعباً في ملفات الأمن الإقليمي، لا سيما في منطقة الساحل، حيث تتزايد المخاوف الأوروبية من تنامي نشاط الجماعات المسلحة والهجرة غير النظامية والجريمة العابرة للحدود.

ومن المنتظر أن تتناول المباحثات التنسيق الأمني، وتطورات الأوضاع في ليبيا ومنطقة الساحل، فضلاً عن التعاون في إدارة تدفقات الهجرة عبر الضفة الجنوبية للمتوسط.

رسائل دولية.. الجزائر شريك موثوق لأوروبا


على المستوى الدولي، تعكس الزيارة إدراكاً أوروبياً متزايداً لأهمية الجزائر كشريك موثوق في ظل التحولات التي تشهدها أسواق الطاقة العالمية، إذ تسعى مدريد إلى ضمان أمنها الطاقوي على المديين المتوسط والبعيد، بينما تعمل الجزائر على ترسيخ مكانتها كمصدر رئيسي للطاقة للأسواق الأوروبية.

كما تؤكد الزيارة استمرار توجه العواصم الأوروبية نحو تنويع شركائها بعيداً عن الاعتماد المفرط على مصادر الطاقة التقليدية، وهو ما يمنح الجزائر هامشاً أوسع لتعزيز نفوذها الاقتصادي والدبلوماسي.

ويعكس استقبال تبون لسانشيز، بعد سنوات من القطيعة السياسية، أيضاً نجاح الدبلوماسية الجزائرية في فرض العودة إلى الحوار وفق شروط تحفظ مكانتها الإقليمية، من دون تقديم تنازلات في القضايا التي تعتبرها سيادية.

رسائل داخلية.. تأكيد نجاح السياسة الخارجية


ويحمل توقيت الزيارة بعداً داخلياً لا يقل أهمية عن أبعادها الخارجية، إذ تأتي بعد الانتخابات التشريعية التي شهدت عزوفاً لافتاً عن المشاركة، في رسالة عكست، وفق مراقبين، اتساع الهوة بين السلطة وقطاعات من المجتمع. ومن هذا المنطلق، تبدو استعادة العلاقات مع مدريد، وإظهار الجزائر باعتبارها شريكاً لا غنى عنه لأوروبا في ملفات الطاقة والأمن، جزءاً من مسعى لتعزيز شرعية الأداء الخارجي للدولة وتوظيف نجاحاته في تدعيم الجبهة الداخلية، عبر تقديم السياسة الخارجية بوصفها أحد أبرز مصادر القوة والنفوذ في المرحلة الراهنة.

وبذلك، لا تبدو زيارة سانشيز مجرد محطة لإعادة الدفء إلى العلاقات الجزائرية الإسبانية، بل تمثل اختباراً لمرحلة جديدة من الشراكة، تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية مع الحسابات الجيوسياسية، في ظل بيئة إقليمية ودولية تشهد تغيرات متسارعة.