بعد حملة مكافحة الفساد.. هل ينجح الزيدي في كسر حصانة الفاسدين؟

اعتقلت حملة صولة الفجر 47 شخصا بينهم 12 نائبا- جيتي
اعتاد العراقيون على سيناريو يتكرر مع وصول كل رئيس وزراء جديد، يبدأ بعناوين كبيرة وتعهدات حاسمة بمكافحة الفساد، تليها حملات اعتقال وملاحقة تحظى باهتمام واسع، قبل أن يتراجع الزخم تدريجيا ويطوى الملف ضمن سلسلة طويلة من الوعود التي لم تجد طريقها إلى الاكتمال.

وتطرح تساؤلات عدة حول ما إذا كان رئيس الوزراء الشاب علي فالح الزيدي سيكرر هذا السيناريو، أم أن حملته التي بدأت بمداهمة المنطقة الخضراء، أحد أكثر معاقل الطبقة السياسية العراقية تحصينا، تمثل هذه المرة بداية لمسار مختلف؟.

حملة لم يشهد العراق مثلها منذ سنوات

نفذت قوات جهاز مكافحة الإرهاب والجيش العراقي، فجر الأحد 28 حزيران/يونيو الماضي، عملية أطلق عليها اسم "صولة الفجر"، بتوجيه مباشر من رئيس الوزراء علي فالح الزيدي، استهدفت شخصيات سياسية داخل المنطقة الخضراء شديدة التحصين في بغداد ومناطق أخرى خارج العاصمة.

وأسفرت العملية عن اعتقال 47 شخصا، بينهم 12 نائبا على الأقل في مجلس النواب، من بينهم النائبة عالية نصيف التي داهمت القوات منزلها وصادرت مبالغ مالية وذهباً بحوزتها، بحسب ما نقله المستشار القانوني لرئيس الوزراء.

وشملت المصادرات 11 مليون دولار نقدا و98 مليار دينار عراقي، إضافة إلى كميات من الذهب والعقارات في مناطق مختلفة وأسلحة وذخيرة.


ومن بين أبرز الموقوفين، علي معرج البهادلي، نائب وزير النفط لشؤون التوزيع وزعيم تحالف "عزم" السني، مثنى السامرائي، إضافة إلى عدد من النواب المرتبطين بشكل رئيسي برئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني.

وكانت شرارة الحملة قد انطلقت فعليا في أيار/مايو الماضي، حين أدى توقيف وكيل وزارة النفط عدنان الجميلي، المعتقل على ذمة قضايا فساد، إلى انهيار سلسلة من الاعترافات كشفت تورط عشرات المسؤولين والنواب ورجال الأعمال.

هل توقفت الحملة أم لا تزال مستمرة؟

في رده على تساؤلات حول مصير الحملة بعد موجتها الأولى الصاخبة، أكد المتحدث باسم الحكومة العراقية حيدر العبودي، في وقت سابق، أن العملية "لن تتوقف"، واصفا إياها بأنها تمثل "تحولا جذريا في سياسة الدولة تجاه ملفات الفساد".

وشدد العبودي على أن ملاحقة المتورطين "ستستمر بغض النظر عن مناصبهم أو نفوذهم"، مؤكدا أن ما جرى يمثل "المرحلة الأولى" فقط من مسار أطول.

وأعلن مجلس القضاء الأعلى، في الأسبوع الذي أعقب الموجة الأولى، تفاصيل تطورات جديدة في قضية الجميلي أسفرت عن اعتقال محافظ صلاح الدين الأسبق ومدير الصحة الحالي فيها رائد الجبوري، استنادا إلى اعترافات أدلى بها الجميلي أثناء استجوابه، مع ضبط أموال إضافية بلغت أكثر من 100 مليار دينار.

وأكد الزيدي نفسه، في تصريحات لاحقة، أن حكومته "ماضية، بكل ثبات وحزم، في ملاحقة الفاسدين، واسترداد حقوق الدولة"، مضيفا أنها "لن تتراجع عن هذا النهج مهما بلغت التحديات أو تعاظمت الضغوط".

وفي خطوة لتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية في الحملة، أعلن الزيدي عرضا يمنح المواطنين "نسبة مجزية" من الأصول والأموال المستردة مقابل تقديم إخبار يؤدي إلى كشفها، معتبرا أن "مكافحة الفساد ليست معركة حكومة فحسب، بل هي معركة وطن بأكمله".

غير أن هذا الخطاب الرسمي المتفائل قوبل بقراءة أكثر تشككا من بعض المحللين؛ إذ حذر وزير المالية الأسبق علي عبد الأمير علاوي في تصريح لقناة الشرقية، من أن حملة الزيدي لمكافحة الفساد قد تواجه مخاطر سياسية، إذ أن ردود فعل مراكز النفوذ والقوة قد تكون "قاتلة سياسيا" إذا شعرت بتهديد وجودها.


إلى أين تذهب الأموال المستردة؟

في خطوة وصفتها الحكومة بأنها "أكبر إعادة توظيف لأموال الفساد"، وجه الزيدي وزارة المالية بإنشاء حساب موحد خاص لإيداع الأموال والأصول المصادرة والمستردة، بهدف حماية المال العام وتعزيز الشفافية في إدارة الموارد.

وأوضح المستشار المالي لرئيس الوزراء مظهر محمد صالح، في تصريح للموقع نفسه، أن هذا الحساب الموحد "يتيح إدارة الأموال المستردة بصورة منظمة، بما يعزز الاستفادة منها في دعم الاقتصاد الوطني"، مؤكدا أن توظيف هذه الأموال "بصورة مدروسة يمكن أن يحقق عوائد اقتصادية أكبر"، سواء عبر إدراجها ضمن الخطط التنموية أو استثمارها في مشاريع استراتيجية تسهم في توفير فرص العمل.


وأضاف صالح أن وجود موارد مالية إضافية "يمنح الدولة مرونة أكبر في مواجهة التحديات الاقتصادية والإقليمية"، معتبرا أن نجاح هذه المبادرة "لن يُقاس بحجم الأموال المستردة فقط، وإنما بقدرة الدولة على تحويل هذه الموارد، إلى جانب الوفورات الناتجة عن الحد من الفساد، إلى استثمارات منتجة ومشاريع تنموية مستدامة".

من جانبه، أكد المستشار المالي لرئيس الوزراء، في تصريح سابق نقلته وسائل إعلام محلية، أن استرداد الأموال العامة "يعزز الثقة بالمؤسسات الوطنية، ويسهم في تخفيف الضغوط على الموازنة وتقليص الحاجة إلى الاقتراض"، كاشفاً أن الحكومة أصدرت توجيهات واضحة إلى الأجهزة الرقابية بفتح الباب أمام تلقي أي معلومات تتعلق بأداء المؤسسات الحكومية لرصد أي شبهات فساد.

تحديات تواجه الحملة

لم تمر الحملة دون مقاومة، فبعد ساعات من اجتماع سياسي مثير للجدل استمر حتى ساعة متأخرة من الليل بشأن استمرار الحملة، رُصدت طائرة مسيّرة تحلق فوق المنطقة الخضراء، بحسب ما أفاد به مسؤول أمني نقلت عنه منصة "ميدل إيست أونلاين"، موضحا أن الدفاعات الجوية حاولت إسقاط الطائرة الاستطلاعية لكنها فشلت بسبب ارتفاعها الشاهق.

ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الحادث، إلا أن توقيته أثار تكهنات داخل بغداد بأن عناصر معارضة للحملة كانت توجه رسالة تهديد أو ترهيب. وذكرت المنصة نفسها أن بعض الأطراف السياسية، رغم دعمها مكافحة الفساد "من حيث المبدأ"، حذرت من أن العمل "الأحادي" الذي ينتهجه الزيدي "قد يؤدي إلى تفكك الائتلاف الحاكم" المعروف بـ"الإطار التنسيقي"، في إشارة إلى توترات داخلية بين الحملة ومصالح بعض مكونات التحالف السياسي الذي رشّح الزيدي أصلاً لمنصبه.


وتأتي هذه التحديات في وقت لا يزال فيه العراق يحتل مرتبة متدنية على مؤشرات الفساد العالمية، إذ جاء في المرتبة 136 من أصل 181 دولة في تقرير منظمة الشفافية الدولية لعام 2025، بحسب ما ذكرته "ميدل إيست".

وحظيت الحملة أيضا بدعم شعبي لافت من التيار الصدري، الذي دعا أنصاره لمؤازرة جهود الزيدي، فيما حذر زعيم التيار مقتدى الصدر من أن مسؤولية أي ضرر يلحق بالمصلحين "تقع على عاتق خصومهم".


ويكشف مسار "صولة الفجر" حتى الآن نمطا مزدوجا، بين زخم أولي غير مسبوق تجلى في اقتحام قلب المنطقة الخضراء واعتقال 12 نائبا دفعة واحدة، يقابله تحذيرات من محللين بأن الحملة قد تكرر مصير سابقاتها إذا اقتصرت فعليا على "صغار الفاسدين" دون الوصول إلى الشبكات الكبرى.

وبينما تراهن الحكومة على تحويل الأموال المستردة إلى "رافد اقتصادي" حقيقي عبر آلية الحساب الموحد، تبقى الحملة معلقة بين ثلاثة اختبارات متزامنة: قدرتها على الاستمرار دون فقدان الزخم السياسي بعد تبدد عنصر المفاجأة، وصمودها أمام ضغوط داخل التحالف الحاكم نفسه الذي حذر من مخاطر "الانفراد" بالقرار، ومواجهتها لإشارات تهديد أمني مباشرة كواقعة الطائرة المسيّرة فوق المنطقة الخضراء.