ما سر الفجوة بين أرقام بغداد وواشنطن للاتفاقيات؟.. "تباين كبير"

في 13 تموز/ يوليو الجاري، أجرى الزيدي برفقة وفد حكومي رفيع، زيارة إلى الولايات المتحدة- الأناضول
أثارت الاتفاقيات التي وقعها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي مع الشركات الأمريكية أثناء زيارته إلى الولايات المتحدة، جدلا واسعا في العراق، ولاسيما بخصوص التباين الكبير في الأرقام المعلنة لقيمة التعاقدات، ومدى قدرة الحكومة على تنفيذها على أرض الواقع.

وفي 13 تموز/ يوليو الجاري، أجرى الزيدي برفقة وفد حكومي رفيع، زيارة إلى الولايات المتحدة استمرت 5 أيام، التقى خلالها بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وكبار المسؤولين في إدارته، كما أشرف على إبرام نحو 50 اتفاقية ومذكرة تفاهم مع كبرى الشركات الأمريكية.

 تباين بالأرقام


مع عود الزيدي وطاقم حكومته إلى العراق، صرّح وزير النفط العراقي باسم محمد، أن قيمة الاتفاقيات الموقعة ‌بين الوزارة وشركات أمريكية خلال زيارة رئيس الوزراء إلى الولايات المتحدة تقدر بنحو 200 مليار دولار.

وفي مقابلة مع التلفزيون العراقي ⁠الرسمي، الثلاثاء الماضي، أوضح الوزير العراقي، أن هذه الاتفاقات ستضيف طاقة إنتاجية كبيرة للنفطوستزيد الاستثمارات في مشروعات الغاز المصاحب، مضيفا أن الطاقة الإنتاجية للنفط في العراق تبلغ حاليا 4.8 مليون برميل يوميا.

لكن بيانا أصدرته غرفة التجارة الأمريكية، أوضح أن قمة أعمال أمريكية - عراقية عُقدت بواشنطن في 17 تموز جمعت كبار المسؤولين في الحكومتين وقادة قطاع الأعمال بهدف تعزيز النمو الاقتصادي في العراق بقيادة القطاع الخاص، وأسفر اللقاء عن توقيع أكثر من 50 اتفاقية ومذكرة تفاهم.



وبلغت القيمة الإجمالية لما جرى توقيعه، أكثر من 60 مليار دولار، شملت صفقات تهدف إلى إنشاء مسارات بديلة لتصدير النفط بعيداً عن مضيق هرمز، وقطاعات أخرى إلى جانب الطاقة، من بينها الرعاية الصحية والاتصالات والبنية التحتية والتجارة، وفقا للبيان.

وعبرت سوزان كلارك، رئيسة غرفة التجارة الأمريكية ومديرتها التنفيذية، عن أهمية هذا الحدث بالقول: إن "توقيع والإعلان اليوم عن أكثر من 60 مليار دولار من الاتفاقيات والشراكات ومذكرات التفاهم يمثل دليلا ملموساً على الثقة والطموح المشترك".

وأضافت كلارك، أن "هذا الأمر يشير إلى الاتجاه الذي تتجه إليه العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة والعراق، نحو روابط تجارية أعمق، وتعاون اقتصادي أكبر، وشراكات أقوى تخلق قيمة لكلا بلدينا”.

على ضوء التباين في الأرقام وتصريحات الوزير عن قيمة الاتفاقيات الموقعة، قدّمت عضو مجلس النواب العراقي هيام الياسري، طلبا إلى برلمانيا من أجل استضافة وزير النفط داخل قبة البرلمان.

ووقع 72 نائبا على الطلب البرلماني، للاستيضاح من الوزير حول "العقود ومذكرات التفاهم التي تم إبرامها مع الجانب الأمريكي خلال الزيارة الأخيرة لواشنطن، وخاصة ما يتعلق منها بصندوق الطاقة والتنمية ودعم الخزين الاستراتيجي الأمريكي".

"تضخيم دعائي"


تعليقا على ذلك، قال الخبير الاقتصادي العراقي، صلاح العبيدي في حديث لـ"عربي21"، إن "زيارة الزيدي للولايات المتحدة، أثارت بالفعل تساؤلات كثيرة جدا في العراق، ولاسيما أنه التصريحات المتضاربة بشأن أرقام الاتفاقيات العراقية- الأمريكية".

وأوضح العبيدي أن "التصريحات العراقية الرسمية خلطت بين العقود الاستثمارية الملزمة ومذكرات التفاهم الأولية. لكن يبدو أن أرقام وزارة النفط شملت تقديرات الفرص الاستثمارية الكلية بعيدة المدى بشكل كامل".



أما غرفة التجارة الأمريكية، فقد ركزت على القيمة المباشرة الحالية للمشاريع المحددة والمحددة 60 مليار، وهذه هي الأرقام بشكل عام، وأن ما ذكره وزير النفط من مبلغ 200 مليار، فهذا يمثل القيمة التقديرية التراكمية وعوائد المشاريع طيلة فترة الاستثمار المستقبلية، وفقا للعبيدي.

من الناحية القانونية، أكد الخبير أن "هناك فرق ما بين مذكرات التفاهم والعقد الاستثماري، فالأولى تكون هي غير ملزمة قانونيا بمعنى أنها مجرد عملية تفاهم لا يترتب عليها أي تبعات مالية أو التزامات مباشرة، فهي تعتبر خارطة الطريق، لكن العقد الاستثماري يكون ملزما".

ولفت إلى أن "العقد الاستثماري يترتب عليه شروط جزائية، وتعويضات ضخمة، لأنه البدء بشكل فعلي في ضخ رؤوس الأموال، وبالتالي يكون هناك تطبيق رسمي، لذلك فإن هذا الخلط عند الناس هو الذي طرح هذه المشكلة".

وتابع: "بعد غلق مضيق هرمز خلال الفترة الأخيرة، أصبحت التحديات جدا كبيرة على الاقتصاد العراقي، بالتالي ستدخل شركات تكنولوجية أمريكية متطورة تسهم في زيادة الطاقة الإنتاجية في قطاعي النفط والغاز، وكذلك الاستفادة من الغاز المصاحب الذي يعاني العراق من عدم استثماره".

وأشار العبيدي إلى أن "الشراكات العالمية الكبرى التي يبرمها العراق ستعزز الثقة بالبيئة الاستثمارية للبلد، بمعنى عندما تعمل الشركات الأمريكية الكبيرة لدينا، فإنها تعطي رسالة واضحة إلى باقي الشركات العالمية بوجود بيئة استثمارية صالحة للعمل".

من جانب آخر، رأى العبيدي أن "عمل الشركات الأجنبية في العراق يسهم في تحريك الاقتصاد المحلي، وأن كل القطاعات تربط مع بعضها بشكل أو بآخر، بالتالي يتم توفير فرص عمل جديدة بموجب هذه الاتفاقات، خصوصا نحن نعاني من بطالة في صفوف الشباب".

 فيما يتعلق في دور البرلمان في الرقابة على التعاقدات، أكد العبيدي: "من واجب السلطة التشريعية حماية الاقتصاد الوطني من أي هدر بالثروات النفطية أو تجنيبه الالتزام بشروط مجحفة تكون للعراق، وكذلك إبرام عقود طويلة الأمد ليس فيها جدوى اقتصادية واضحة".

من جهته، قال الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي خلال تدوينة على منصة "أكس" الأربعاء، إن "وزير النفط العراقي طرح أرقاما فلكية عن عقود الشراكات مع الولايات المتحدة تزيد بثلاث مرات عن الأرقام التي أعلنها الأمريكان".

وأوضح، أن الوزير تحدث أن قيمة الاتفاقيات الموقعة في قطاع الطاقة تصل إلى نحو 200 مليار دولار، لكن غرفة التجارة الأمريكية، التي استضافت القمة وأعلنت نتائجها، تحدثت عن أكثر من 50 اتفاقية ومذكرة تفاهم بقيمة 60 مليار دولار فقط، وتشمل قطاعات متعددة وليس الطاقة وحدها.

ورأى الهاشمي أن هذا التناقض لا يمكن اعتباره مجرد اختلاف بسيط في التقديرات، بل نحن أمام فجوة تتجاوز 140 مليار دولار، من دون أن تقدم وزارة النفط حتى الآن كشفاً يوضح كيف ظهر الرقم العراقي، وما العقود التي يتكون منها؟

وأردف: الأكثر إثارة للتشكيك، هو أن جزءا كبيرا من الاتفاقيات المعلنة لا يزال في مستوى مذكرات التفاهم والدراسات الأولية، وهذه ليست عقودا نهائية، ولا تعني أن التمويل قد تأمّن أو أن التنفيذ قد بدأ.

وبحسب الهاشمي، فإن "جمع مشروعات محتملة، وإيرادات متوقعة، وتوسعات غير مقررة، ثم تقديمها للرأي العام على أنها اتفاقيات بقيمة 200 مليار دولار، سيكون تضخيما دعائيا وليس عرضاً دقيقاً للاستثمارات الفعلية".

تشكيك بالتنفيذ 


وبخصوص مدى تطبيق هذه الاتفاقيات، قال العبيدي إن "السنوات السابقة وقع العراق الكثير منها، لكن للأسف الواقع بقي كما هو عليه، لأن التنفيذ على أرض الواقع يتطلب مجموعة شروط، أولها الاستقرار السياسي والأمني في العراق، وهذا يشكل ضمانة للشركات أن تأتي وتعمل".

المسألة الثانية، تتعلق بالتمويل وتسهيل الإجراءات، بالتالي هل الحكومة تمتلك قدرة على توفير التخصيص المالي، وإنهاء البيروقراطية التي دائما ما تقف عائقا أمام المستثمرين، إضافة للفساد الذي يكاد يكون من أهم العوامل التي دفعت الكثير منهم للتراجع عن العمل في البيئة العراقية، وفقا للعبيدي.

وشدد الخبير على ضرورة أن "يجري تحويل مذكرات التفاهم، إلى عقود رسمية من اللجان المشتركة بين الجانبين، حتى يكون لدينا 50 عقدا استثماري وتصبح ثمة التزامات رسمية بها وجداول زمنية واضحة حتى يمكن تنفيذها على أرض الواقع، ويسير البلد بالاتجاه الصحيح".

وفي السياق ذاته، قال الباحث في الشأن السياسي العراقي، سعدون التكريتي إن "الزيدي يبدو ظاهريا ملتزما بالمسار الأمريكي، وهذا الأمر له تبعاته، ولاسيما أن برود الأوضاع العراقية يخفي تحته انفجارا قادما مع لهيب تموز وتردي الكهرباء وامتعاض إيران".



وأضاف التكريتي لـ"عربي21" أن "تنفيذ هذه الاتفاقيات أما يكون بترتيب وتبادل أدوار، بمعنى بيع العراق للولايات المتحدة اقتصاديا مقابل السكوت عن النفوذ الإيراني، أو أنها كسر عظم لإنهاء إيران وأذرعها، وبالتالي فإن الزيدي ماضٍ في تنفيذ تعهدات تفوق تحمله".

لكن التكريتي رجح أن الإطار التنسيقي الشيعي الحاكم يحاول كسب ود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن طريق أموال الاتفاقيات التي تبرمها الحكومة العراقية مع شركات بلاده، في خطوة لتجاوز الضغوطات بملفات النفوذ الإيراني والفصائل المسلحة.

وتوقع الباحث أن الولايات المتحدة مصرة هذه المرة على خفض الهيمنة الإيرانية على العراق وحل الفصائل ونزع سلاحها وحصره بيد الدولة، لذلك المراهنة على الوقت أو المال لن يكون مجديا، لأن الأمر يأتي في سياق تغيرات كبيرة تشهدها المنطقة.

أعلنت الحكومة العراقية في وقت سابق، أن الاتفاقات الموقعة مع الجانب الأمريكي تضمنت "مذكرة للتفاهم بين كيزلايت للتكنولوجيا والقطاع الخاص العراقي، وكذلك شركة بيبسيكو، وعدد من الشركات لما يتعلق بمد خطوط الأنابيب النفطية الناقلة إلى بانياس على البحر الأبيض المتوسط.

وكذلك تضمنت اتفاقيات للشراكة في مجال التعليم، واتفاقيات بين القطاع الخاص في مجال التوريد وصنع الأدوية، إضافة إلى توقيع اتفاقيتين مع شركة "فريتو لاي" الأمريكية لتطوير القطاع الزراعي، والشراكة مع شركات متخصصة في المجال الزراعي والتجاري والصناعي.