لم تكن
الهجرة على الدوام مجرد فرار من ضيق العيش إلى بلاد الأحلام، بل تحولت في عدة محطات من التاريخ إلى "سلاح ديمغرافي" تُشهره الدول في وجه بعضها، وما شهدته
سبتة الواقعة تحت الإدارة الإسبانية مؤخرا، لم يكن سوى الفصل الأحدث في هذا المسلسل.
ودخل نحو 75 ألف شخص قبل أيام عبر الحدود
المغربية نحو سبتة، بينما أعلنت إسبانيا بعد أيام عودة كامل من عبروا إلا قليلا منهم.
واستخدمت دول عدة
الضغط البشري ضد أخرى؛ فقذفت باكستان بالبشر نحو الهند خلال "حرب التحرير" في السبعينيات، واستخدمت ألمانيا الشرقية سلاح المهاجرين ضد شقيقتها الغربية في الثمانينيات، واقتفت ألبانيا الأثر ذاته بوجه إيطاليا في التسعينيات.
رسالة مغربية؟
قال مصدر مطلع على العمليات الأمنية لوكالة فرانس برس إن عمليات الأجهزة الأمنية "كانت اعتيادية ولم يكن هناك أي انتشار استثنائي" يمكنه التعامل مع تدفق آلاف الأشخاص.
ويرى الباحث المتخصص في شؤون المغرب بيار فيرميرين أن الأجهزة الأمنية للمملكة "فعالة للغاية، ومنظمة جدا، ولديها معلومات دقيقة"، ليخلص من ذلك إلى أنها كانت قادرة على منع تدفق المهاجرين لو أرادت.
على جانب آخر، يرى ريكاردو فابياني أن موجة الهجرة "تُذكّر إسبانيا بأن سبتة لا تزال منطقة متنازعا عليها ويصعب الدفاع عنها، وأن مدريد تحتاج إلى تعاون الرباط لحماية مصالحها".
ويعتبر جيبا سبتة ومليلية اللذان يخضعان للسيادة الإسبانية منذ عامي 1640 و1497 من الملفات العالقة بين البلدين، ويطالب المغرب بهما منذ استقلاله عن فرنسا عام 1956.
ويرى فيرميرين أن ما حدث يمثل "رسالة تحذير موجهة إلى إسبانيا" ورئيس حكومتها بيدرو سانشيز بشأن قضية إقليم الصحراء الغربية.
ويعتقد الباحث أن الزيارة الأخيرة لرئيس الوزراء الإسباني إلى الجزائر التي تدعم الانفصاليين الصحراويين ربما أثارت استياء الرباط.
حقد إسرائيلي؟
وتذهب بعض التحليلات إلى نطاق أوسع، في ظل التوتر بين إسبانيا من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، بسبب الحرب في غزة وإيران.
ويقول فابياني "على مدى أشهر، شجع مسؤولون من اليمين في الولايات المتحدة وإسرائيل، المغرب على التحرك بشأن سبتة، ردا على دعم إسبانيا للفلسطينيين وموقفها من الحرب مع إيران".
ويرى أن هذه الأحداث قد تمنح الرباط "مكانة أكبر في نظر حليفيها الرئيسيين، إسرائيل والولايات المتحدة" اللتين "أبدتا ارتياحا واضحا لما حدث".
وفي ذروة الأزمة انتقد السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة داني دانون مدريد، قائلا إنها "لا تفوت فرصة لإلقاء الدروس على إسرائيل" بينما "ينبغي أن تشرح للعالم سبب احتفاظها بجيوب استعمارية في إفريقيا".
أم غيرة أوروبية؟
لا تخفى على أحد الانتقادات الأوروبية لا سيما من الاقتصادات الكبرى لإسبانيا في ملف الهجرة، وظهرت تصريحات سريعة بعد حادثة سبتة من دول أوروبية تطالب بإخراج إسبانيا من فضاء شنغن.
سريعا، دعت ميلوني إلى تعليق عضوية إسبانيا في منطقة شنغن، واصفة الصور الواردة من سبتة والتي تُظهر آلاف المهاجرين الوافدين بأنها "صادمة".
وأعلنت فنلندا والدنمارك عن تأييدهما طلب إيطاليا استبعاد إسبانيا من منطقة شنغن.
كما انتقدت فرنسا وألمانيا ما حدث في سبتة، وطالبت برلين بمنع وصول المهاجرين إلى البر الأوروبي، فيما قالت فرنسا إنه يجب تعزيز الحدود مع إسبانيا.
وفي السنوات الأخيرة، أثبتت إسبانيا أنها قادرة على التعافي بعد جائحة كورونا، وسبقت اقتصادات كبيرة مثل فرنسا، وإيطاليا، وألمانيا.
في 2024 أظهرت بيانات صادرة عن المعهد الوطني للإحصاء (INE) أن الاقتصاد الإسباني تفوق على اقتصادات الدول الرئيسية الأخرى في منطقة اليورو في عام 2024، مؤكدةً بذلك التباين مع نظرائها في منطقة اليورو.
وبحسب ما نقلته
رويترز، نما الناتج المحلي الإجمالي لإسبانيا بنسبة 3.2% في عام 2024، وهو معدل أسرع بكثير من معدل نمو فرنسا وإيطاليا الذي يقارب 1%، ومعدل انكماش الاقتصاد الألماني الذي بلغ 0.2%.
أفاد التقرير الفصلي للمعهد الوطني للإحصاء (INE) أن النمو الاقتصادي الإسباني تسارع في عام 2024 مقارنةً بنسبة 2.7% في عام 2023، مدفوعًا بقطاعات مرتبطة بالسياحة كالنقل والفنادق والتجزئة، بالإضافة إلى قطاعي التصنيع والزراعة.
وتوقعت رويترز آنذاك أن يكون النمو في الاقتصادات الكبرى بمنطقة اليورو أقل بكثير، حيث توقعت أن ينمو الاقتصاد الألماني، صاحب أكبر اقتصاد، بنسبة 0.2% في 2025 بينما توقعت أن ينمو اقتصادا إيطاليا وفرنسا بنسبة 0.7%.
من جانبه، قال
صندوق النقد الدولي في 2025 إن الاقتصاد الإسباني يشهد الاقتصاد الإسباني أداء قويا، مدعومًا بصادرات الخدمات ونمو القوى العاملة. ومن المتوقع أن يظل النمو أعلى بكثير من متوسط منطقة اليورو على المدى القريب.
واعتبر الصندوق اعتمادا على أرقام 2024 أن إسبانيا من أسرع الاقتصادات نموًا في منطقة اليورو. وقد غذّى هذا النموّ ازدهار صادرات الخدمات ونموّ القوى العاملة، بما في ذلك الهجرة.
وبحسب الصندوق، تعززت صادرات الخدمات بفضل الانتعاش القوي لقطاع السياحة بعد جائحة كوفيد-19، بالإضافة إلى تحسن أداء المصدرين الإسبان في الخدمات غير السياحية.
أما تقرير
الصندوق في 2026 فأكد أن الاقتصاد الإسباني واصل تفوقه على اقتصادات منطقة اليورو، مع توقعات بنمو قوي رغم الآثار السلبية للحرب في الشرق الأوسط.
وتابع بأن انتعاش الطلب المحلي والاستثمار عوض انخفاض صافي الصادرات. وعلى صعيد العرض، دعمت الهجرة القوية مكاسب القوى العاملة، وانخفضت البطالة بشكل طفيف، وكان نمو الإنتاجية أقوى مما كان عليه قبل جائحة كوفيد-19. وفي ظل اقتصاد وسوق عمل قويين، ظل التضخم الرئيسي مستقرا، بحسب الصندوق.
وبحسب معهد
فلوسباخ فون ستورش للأبحاث الاقتصادية والتجارية، فقد ساهمت الهجرة في نمو التوظيف في إسبانيا أكثر من ألمانيا، ويعود ذلك في الغالب إلى اختلافات في سياسات سوق العمل والسياسات الاجتماعية. ففي ألمانيا، يُشترط عادة الحصول على وضع قانوني رسمي وتصاريح عمل قبل بدء العمل. بينما في إسبانيا، غالبا ما يُسمح بالانضمام المبكر إلى القطاع غير الرسمي قبل تسوية أوضاعهم لاحقًا. وهذا النهج يُسهّل اندماجهم في سوق العمل بشكل أسرع.
وبحسب المعهد أيضا، يبدو أن التحويلات المالية من الاتحاد الأوروبي، الموجهة في معظمها نحو الاستثمار، قد دعمت نمو إسبانيا، وبالتالي اندماج المهاجرين في سوق العمل.
وقبل جائحة كورونا، بلغت التحويلات إلى إسبانيا ما يقارب 1% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنةً بنسبة تتراوح بين 0.3 و0.4% في ألمانيا.
بعد أزمة كوفيد-19، زادت التحويلات إلى إسبانيا بشكل ملحوظ حيث وصلت بحلول 2024 المدفوعات من بروكسل إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي الإسباني، بينما تلقت ألمانيا تحويلات تعادل 0.6% من ناتجها المحلي الإجمالي.
كما استحوذت إسبانيا على 41% من الوظائف المستحدثة في الاتحاد الأوروبي عام 2025. وقد أضاف الاقتصاد الإسباني أكبر عدد من الوظائف الجديدة، بواقع 526 ألف وظيفة، بحسب صحيفة "
البايس" الإسبانية نقلا عن الوكالة الإحصائية الأوروبية "يوروستات".
وبحسب "
كايكسا بانك" - ثالث أكبر بنك إسباني - نما قطاع الصناعات التحويلية في إسبانيا بين عامي 2019 و2025، بمعدل مماثل لنمو الناتج المحلي الإجمالي، على الرغم من تأثير جائحة كورونا وأزمة الطاقة. ويتناقض هذا الأداء القوي مع الركود والتراجع اللذين شهدهما القطاع الصناعي في الاقتصادات الأوروبية الرئيسية.
ولعبت قوة الصناعة التحويلية الإسبانية دورًا حاسمًا في تحسين أداء الاقتصاد الإسباني مقارنةً بالاقتصادات الأوروبية الرئيسية الأخرى. فبين الربع الأخير من عام 2019 والربع الثاني من عام 2025، ارتفعت القيمة المضافة للصناعة التحويلية الإسبانية بنسبة 9.4%، بينما شهدت ركودًا في فرنسا وإيطاليا، وانخفضت بنسبة 3.2% في ألمانيا.
وتضع حادثة سبتة البلدين - وآخرين - أمام معادلة جديدة كليا فيها حسابات الجغرافيا والسيادة والاقتصاد، وتفتح نقاشا لن يغلق قريبا، حول الهجرة والحدود.