تمر الأمم
بلحظات انكسار وضعف قد تطول وقد تنتهي إلى زوال كما حدث لأمم سابقة في التاريخ، وقد
تستطيع الأمة الضعيفة أن تنهض من جديد وأن تستيقظ من غفلتها وتقوم من كبوتها.
ولكن نهضة
الأمم ليست وليد الصدفة ولا ضربة حظ، فهي تبدأ أولا من العلم بأسباب الضعف والعمل على
علاجه أو بتره. فالتغيير والنجاح يعتمد على التشخيص والعلاج والأخذ بكل الأسباب، وهذه
سنن كونية يهب بها الله النجاح والتوفيق لمن أخذ بها ولو كان كافرا ويحجبها عمن تخلى
عنها ولو كان عابدا متنسكا.
وأول أسباب
تخلف الأمة وضعفها وانكسارها هو غياب العدل واستبداد الحكم. وقد كتب العظيم الكواكبي
كتابه الشهير "الاستبداد ومصارع الاستعباد" الذي ألفه قبل 120 عاما،
بالتحديد عام 1900، وقد عرف فيه الاستبداد بأنه حكم الفرد للأمة دون محاسبة أو خوف،
وبيّن أن القوة وحدها لا تحمي الطاغية، بل يساعده الجهل والخوف والنفاق والمال. كيف يُفسد
الطغيان العلم والأخلاق والدين والعمران؟ هو ما نراه اليوم رأي العين.
الجميع أبناء وطن متساوون في الحقوق والواجبات، ولا يمكن لشعب مشتت منقسم تراوحه فتن طائفية وعرقية أن ينهض، فأساس النهضة الوحدة الوطنية التي يشعر فيها الجميع بالأمان والحرية والعدل والمساواة
ثاني عوامل النهضة بعد أن ينال الشعب حريته هو العلم
والمعرفة فلا تنهض أمة بدون علم وهو ما يلزم تغيير منظومة التعليم بأكملها وأن يوضع
المعلم في مكانه اللائق به وتوفر له حياة كريمة، وما نهضت اليابان بعد تدميرها إلا
برفع قيمة العلم والمعلم، والأمة الناهضة والمتقدمة هي من تستثمر في التعليم والبحث
العلمي وتهتم بالثقافة والمعرفة.
ثالث هذه العوامل للنهضة واستعادة مكانة مصر هو العدل
والمساواة، فالعدل أساس النهضة كما هو أساس الملك، والأمة التي تميز بين أفرادها على
أي أساس غير الكفاءة هي أمة ظالمة، فالعدل هو الذي يخلق بيئة صحية للتنافس الشريف والابداع.
رابع العوامل
المهمة لنهضة الأمة هو العمل والإنتاج، فالأمة الكسولة لا تنهض وإهدار الوقت هو تضييع
للفرد والأمة. وأمة يقضى شبابها أوقاتهم على المقاهي إلى قبل الفجر لا يمكن أن تنهض
أو تتقدم.
العامل الخامس
هو الإرادة والعزيمة عند القيادة والشعب، فالشعب الذي يستسلم لليأس والإحباط وعدم المبالاة
واليأس من القدرة على التغيير لا يمكن أن ينهض، بينما العمل والجد والحفاظ على الوقت
واستثماره فيما يفيد في العمل والإنتاج يقود إلى التقدم والازدهار. ولا يوجد بلد في
العالم يستمر العمل فيها في المقاهي والأسواق إلى فترات متأخرة من الليل إلا مصر، فكل
أوروبا تغلق محلاتها على الساعة الرابعة أو السادسة بحد أقصى.
العامل السادس
هو التحام الشعب ككيان واحد دون تفرقة على أساس لون أو عقيدة، فالجميع أبناء وطن متساوون
في الحقوق والواجبات، ولا يمكن لشعب مشتت منقسم تراوحه فتن طائفية وعرقية أن ينهض،
فأساس النهضة الوحدة الوطنية التي يشعر فيها الجميع بالأمان والحرية والعدل والمساواة.
ومن العام
للخاص؛ فلو تحدثنا كيف تنهض مصر من هذه الكبوة السحيقة فلن تخرج عما وصفناه في العموم،
فإذا زالت هذه الغمة عن مصر وتولى أمرها أحد رجالها المخلصين وتمكنت من عبور المرحلة
الانتقالية وأصبح لها دستور جديد تتفق عليه كل الأمة ومجلس نيابي حر؛ فإن من أولويات
النظام المنتخب سيكون التعليم فهو السلاح الأقوى لمواجهة التخلف ويجب أن أهتم التعليم
بالأسلوب النقدي والإبداع لا على الحفظ والتلقين.
نهضة مصر ليس حلما يصعب تحقيقه، وهي هدف واقعي يمكن أن نراه إذا توافرت الإرادة السياسية والشعبية، وتضافرت الجهود وتم وضع الخطط الواقعية وتولى المسئولية من هو أهل لها
ثم يأتي الاقتصاد
الذي نجح الحكم العسكري في تدميره، وهو يحتاج إلى جهد كبير ينتقل من اقتصاد الاستهلاك
إلى اقتصاد الإنتاج والتصدير والتقليل من الاقتراض، وهو يتطلب خطة عاجلة يشعر فيها
المواطن بتحسن مستواه وأخرى طويلة ليناء اقتصاد واعد.
ويأتي دور
بناء الإنسان، ودور الإعلام في تشكيل وعي المواطن، ودور القضاء في ترسيخ مبدأ سيادة
القانون وأن الجميع أمامه سواء، حكاما أو محكومين، فالمحسوبية ومحاباة الشريف على حساب
الضعيف تهلك الأمم.
ويكون الاهتمام
بالبحث العلمي والاستثمار فيه ورفع قدر العلماء وتسليط الدور عليهم؛ عاملا مهما في
عودة مصر لمكانتها.
إن نهضة مصر
ليس حلما يصعب تحقيقه، وهي هدف واقعي يمكن أن نراه إذا توافرت الإرادة السياسية والشعبية،
وتضافرت الجهود وتم وضع الخطط الواقعية وتولى المسئولية من هو أهل لها.
إن مصر لن
تنهض إلا بجهد أبنائها المخلصين الذين يضحون من أجلها ويعملون لها بجهد وإخلاص، والمهم
أن يكون لدينا أمل في التغيير وإرادة صادقة على العمل والبناء.
حفظ الله مصر
من كل مكروه وإقامها من عثرتها أمة قوية عزيزة.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.