على ماذا يراهن النظام المصري؟

محيي عيسى
"كلما ضاقت على المواطن سبل الحياة والمعيشة، زادت أذرعه الإعلامية من الترويج لنظرية الأمن قبل الخبز"- جيتي
"كلما ضاقت على المواطن سبل الحياة والمعيشة، زادت أذرعه الإعلامية من الترويج لنظرية الأمن قبل الخبز"- جيتي
شارك الخبر
بعد قرب انتهاء الولاية الثانية ومحاولة تعديل الدستور للترشح لولاية ثالثة، يعيش النظام المصري أزمة حقيقية بعد مرور ثلاثة عشر عاماً على انقلاب 3 تموز/يوليو 2013.

ففي وقت يعيش فيه أغلب الشعب تحت خط الفقر، وتلاشت فيه الطبقة الوسطى، وزادت معدلات التضخم بشكل غير مسبوق، وارتفعت البطالة، ولا تتناسب معدلات الأجور مع ارتفاع الأسعار الذي لا يكاد يستقر على حال شهراً واحداً؛ يعيش النظام رغم كل هذا على انتصارات على الورق؛ فتعمل أجهزته الإعلامية والتنفيذية على مدار اليوم على تسويق الوهم للمواطن المصري بأن الاقتصاد مزدهر، وأن القادم أفضل، مع أن القادم يأتي ولا يحمل إلا الأسوأ.

فمن منظور المؤسسات المالية الدولية، قد يكون الاقتصاد المصري يمرّ فعلاً بتعافٍ نسبي غير ملموس للمواطن. ففي آذار/مارس 2026، تراجع التضخم الحضري الإجمالي من ذروة 38 في المئة في 2024 إلى 15.2 في المئة، وتراجع التضخم الأساسي إلى 14 في المئة. كما أن احتياطي النقد الأجنبي مستقر، وتدفقات غير المقيمين إلى الدين المحلي استعادت بعض زخمها. وعندما أكمل صندوق النقد الدولي مراجعته السابعة في حزيران/يونيو 2026، أشاد بـ"إجراءات سياسية حاسمة وفي الوقت المناسب" ساعدت الاقتصاد على الحفاظ على مرونته.

تشكّل هذه الأرقام سردية مكتملة: التقشف يجلب الاستقرار، والاستقرار يجذب رأس المال، ورأس المال يقود النمو. كل هذا تسوقه الحكومة كعامل تسكين لغليان الشارع؛ حيث ما يهم المواطن ليس الأرقام، وإنما أن يلمس ذلك في أحوال معيشته

ورغم ذلك، فإن الانضباط المالي يتعزز أيضاً. ففي الأشهر التسعة الأولى من السنة المالية 2025/26، تجاوز الفائض الأولي المستهدف، ونمت الإيرادات الضريبية بقوة. وتقول الحكومة المصرية إن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي انخفضت من 96 في المئة إلى نحو 85.6 في المئة، مع هدف خفض دين القطاع الحكومي إلى ما دون 80 في المئة. وانخفضت عوائد السندات الدولية، وتراجعت فروقات مقايضات التخلف عن السداد لخمس سنوات إلى أدنى مستوى منذ 2020.

تشكّل هذه الأرقام سردية مكتملة: التقشف يجلب الاستقرار، والاستقرار يجذب رأس المال، ورأس المال يقود النمو. كل هذا تسوقه الحكومة كعامل تسكين لغليان الشارع؛ حيث ما يهم المواطن ليس الأرقام، وإنما أن يلمس ذلك في أحوال معيشته.

فحسابات الشارع مختلفة؛ لأن النجاح الكلي يجب أن يخترق مائدة الطعام، ولكن ما حدث هو العكس. ففي آذار/مارس 2026، ارتفعت أسعار الغذاء 4.8 في المئة على أساس شهري، وقفزت أسعار الخضروات 21.8 في المئة في شهر واحد، وارتفعت أسعار اللحوم والدواجن 5.9 في المئة. وارتفعت أسعار الوقود والنقل بسبب تعديل الحكومة تسعير الطاقة، وبلغت الزيادة الشهرية في خدمات النقل 8.5 في المئة. كما ترتفع أسعار الكهرباء ارتفاعاً دورياً.

وتكشف توقعات البنك المركزي المصري نفسه صورة أكثر قسوة: من المتوقع أن يبلغ متوسط التضخم الإجمالي في السنة المالية 2026/27 نحو 16.6 في المئة، ولن ينخفض إلى 8.1 في المئة إلا في السنة المالية 2028/29. وهذا يعني أن تراجع استهلاك الطبقة الوسطى سيستمر عامين على الأقل.

والأكثر إقلاقاً هو الجرح الخارجي؛ حيث بلغ الدين الخارجي نحو 164.8 مليار دولار نهاية الربع الأول من عام 2026 (وفقاً لبيانات البنك المركزي المصري). وخدمة الدين تلتهم نحو 49 في المئة من عائدات التصدير، أي أن نصف عائدات التصدير تقريباً تذهب إلى سداد فوائد الديون فقط، لا إلى أصلها، وتلتهم فوائد الديون 10 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي؛ فكل ضريبة تُحصَّل يذهب جزء كبير منها مباشرة إلى الدائنين.

وتبدو مقامرة النظام المصري على البقاء، رغم غليان الشارع، ثلاثية الوسائل:

الوسيلة الأولى: تصدير نظرية الأمن والاستقرار قبل السكن والغذاء، وهي نظرية عمل عليها منذ توليه السلطة، وكانت سوريا نموذجاً لها، ولكن بعد نجاح الثوار في تولي الحكم واستقرار سوريا، وجد النظام نماذج أخرى، منها السودان ولبنان، وكثّف هذه النغمة في الفترة الأخيرة. وكلما ضاقت على المواطن سبل الحياة والمعيشة، زادت أذرعه الإعلامية من الترويج لنظرية الأمن قبل الخبز، رغم أن حالة الأمن في مصر ليست في أحسن أحوالها بعد انهيار الأخلاق وانتشار البلطجة.

أما الوسيلة الأخرى، فهي محاولات فاشلة لتحسين الاقتصاد بجذب رؤوس الأموال، ولو على حساب بيع أصول ثابتة للبلد، والاعتماد على تحويلات المصريين وزيادة التصدير.

الوسيلة الثالثة هي محاولات مع صندوق النقد لتأجيل بعض الشروط لرفع الدعم وتحرير سعر الدولار بدرجة أكبر، ونتوقع أيضاً أن تفشل؛ فصندوق النقد يرى في النظام المصري طاعة كاملة لكل شروطه.

وهنا نأتي إلى السؤال الجوهري: أين تنتهي حدود الصبر؟
يراهن النظام المصري على أن ذلك اليوم لن يأتي، لكن أثبت التاريخ مراراً أن هذا الرهان يفوز أحياناً ويخسر أحياناً. وفي الوقت الراهن، لا تزال رهانات القاهرة موضوعة على افتراض أن "الوقت في صفها"، مع أن كل المعطيات والتجارب التاريخية تقول عكس ذلك

هذا المنطق يحمل نقطة ضعف لا مفر منها: إنه يحتاج وقتاً، والوقت هو المورد الأكثر ندرة. فصندوق النقد يحدد بوضوح "تقليص دور الدولة في الاقتصاد وتعزيز الخصخصة" كأولوية رئيسية، لكن التقدم "غير متوازن وأبطأ من المتوقع". فالإمبراطوريات الاقتصادية المرتبطة بالجيش، وامتيازات الشركات الحكومية في الأرض والائتمان، هي بالضبط جذور الفساد المؤسسي الذي يؤدي إلى التضخم وسوء توزيع الموارد. النظام يعتمد سياسياً على هذه المنظومة، لكنه يحتاج اقتصادياً إلى تفكيكها، وهذه عقدة أصعب من التضخم.

إن الصبر ليس مخزوناً أبدياً، فعندما يتبخر راتب معلم في التضخم، وعندما لا يكفي معاش متقاعد لشراء نصف شهر من الدواء، وعندما يكون معاش الطبيب بعد 30 عاماً من الخدمة لا يتجاوز 3000 جنيه، وهو لا يكفي نفقات أسرة من أربعة أفراد لمدة يومين، وعندما يصبح ثمن "الاستقرار" هو التغير الطفيف في سعر رغيف الخبز كل صباح، فإن تراكم هذه الآلام الدقيقة قد يجد، في لحظة لا يمكن التنبؤ بها، طريقة للتعبير الجماعي.

يراهن النظام المصري على أن ذلك اليوم لن يأتي، لكن أثبت التاريخ مراراً أن هذا الرهان يفوز أحياناً ويخسر أحياناً. وفي الوقت الراهن، لا تزال رهانات القاهرة موضوعة على افتراض أن "الوقت في صفها"، مع أن كل المعطيات والتجارب التاريخية تقول عكس ذلك.

السؤال المطروح الآن عند النخب المصرية، سواء أكانت تابعة للنظام أم معارضة، بل عند عموم الشعب، ليس: هل سيقع الانفجار؟ بل متى يقع؟ يرونه بعيداً، ويراه جميع المحللين قريباً. وإن غداً لناظره قريب..


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)