في إقامتي
المتكررة في دول أوروبا
الغربية، وآخرها أستراليا منذ ثلاث سنوات، ومن خلال ما يُعرض
علينا في المسجد من مشاكل وأزمات عائلية، أدركت عمق هذه المعضلة.
فكثير من الناس
يعتقدون أن الغرب هو جنة الله في الأرض، وأن النجاح في الوصول إليه -بطرق شرعية أو
غير شرعية- هو تأشيرة الدخول إلى عالم السعادة والثراء والاستقرار، دفع ذلك كثيراً
من
الشباب إلى المغامرة بحياتهم للوصول إلى شاطئ دولة أوروبية عبر
الهجرة غير الشرعية،
بدعم كامل من عوائلهم. لكن يغفل البعض أو يجهل أن المهاجر
العربي يمثل في الغرب نموذجاً
إنسانياً معقداً؛ يعيش حالة من التمزق بين ثقافتين، ويواجه تحدياً وجودياً يتمثل في
سؤال مصيري: هل يحافظ على هويته العربية والإسلامية في مجتمع مختلف، فيعيش في عزلة،
أم يذوب في الثقافة الغربية فيفقد جزءاً من كينونته؟
ورغم أن عدد
المهاجرين العرب في دول الاتحاد الأوروبي يقارب 7 ملايين، بين من يحمل الجنسية أو الإقامة
الدائمة أو طالبي اللجوء، فإنه لم تقم حتى الآن جهة واحدة تجمعهم في اتحاد، وإن وُجدت
جمعيات وهيئات دينية وثقافية.
والعزلة، حتى
لو اختارها، تظل مستحيلة على أبنائه، لأنهم يعيشون يومهم في مدارس التعليم والجامعات،
ويعانون من التضارب الثقافي. وقد يلجأ المهاجرون العرب إلى العزلة اللغوية، فلا يتعلمون
لغة الوطن الذي هاجروا إليه، وعزلة مكانية فيعيشون في أماكن مغلقة تضم فقط سكاناً من
جنسيتهم. وينتج عن ذلك عزلة نفسية قد تصل إلى مرحلة الاكتئاب والشعور الدائم بالغربة.
مشكلة المهاجر العربي بين العزلة والذوبان ليست خياراً فردياً بقدر ما هي نتيجة لتفاعل معقد بين عوامل ذاتية وموضوعية. والنجاح في تجاوزها يتطلب وعياً ذاتياً من المهاجر، وانفتاحاً من المجتمع المضيف، وإرادة سياسية تعترف بالتعددية الثقافية كقيمة مضافة، لا كتهديد للهوية الوطنية
وفي مقابل
هذا التطرف في الانعزال، نجد طرفاً آخر يرى أن الذوبان الكامل هو الحل، فيبدأ بتغيير
اسمه، ثم التقليد التام في الملابس وعادات وقيم الغرب، حتى لو خالفت قيم بلده الأصلية
ومعتقده ودينه. وقد يتخلى تماماً عن لغته الأصلية، ولا يتحدث إلا باللغة الجديدة حتى
بين أبناء وطنه. إنها حالة من الانهزامية والانسحاق التام أمام الحضارة والقيم والعادات
الغربية.
وتبقى المشكلة
والمعضلة الأكبر في الأبناء، لكلا الطرفين سواء من فضّل العزلة أو آثر الذوبان. فالجيل
الثاني والثالث الذي وُلِدَ هنا يستحيل عليه الانعزال؛ لأنه يتحدث لغة القوم، ويعيش
بينهم في المدارس والجامعات، ويتعلم ويشرب قيم الحريات وحقوق الإنسان في الاختيار،
وتضيق عنده مساحة الحرام أو تُلغى، فكل شيء مباح ما لم يتعدَّ حقوق الآخرين.
وتبقى المشكلة
قائمة ما لم يُحسن المهاجرون تحقيق التوازن بين ذوبان يمحو الهوية والقيم والدين، وبين
عزلة تفصلنا عن محيط المجتمع. والمطلوب هو:
- الاندماج
الإيجابي في المجتمع الغربي من خلال إتقان اللغة، وفهم القوانين، والمشاركة المدنية.
- الحفاظ على
الجوهر الثقافي والديني مع الانفتاح على الآخر.
- تربية الأبناء
على الاعتزاز بهويتهم مع احترام ثقافة المجتمع المضيف.
- ربط الأبناء
بالمساجد والكنائس الشرقية، وإنشاء مراكز ثقافية تحافظ على الهوية.
- ربط الأبناء
بلغة الوطن؛ لأنها تمثل الهوية.
- وفي هذا
الجانب، يمكن للمراكز الإسلامية والمسيحية الشرقية أن تتعاون بإقامة فعاليات مشتركة
تدعو فيها مفكرين عرب لطرح مشاكل المغتربين وكيفية إيجاد الحلول المناسبة.
- عدم الانقطاع
عن الوطن الأم، والقيام بزيارات دورية بصحبة الأبناء للالتقاء بأقاربهم والتعرف على
معالم الوطن.
- تنشئة الأولاد
على أدب الاختلاف وقواعد الحوار مع الآخر.
- وقبل كل
هذا وبعده، أن يكون الوالدان قدوة للأبناء أخلاقاً وديناً، قولاً وفعلاً.
إن مشكلة المهاجر
العربي بين العزلة والذوبان ليست خياراً فردياً بقدر ما هي نتيجة لتفاعل معقد بين عوامل
ذاتية وموضوعية. والنجاح في تجاوزها يتطلب وعياً ذاتياً من المهاجر، وانفتاحاً من المجتمع
المضيف، وإرادة سياسية تعترف بالتعددية الثقافية كقيمة مضافة، لا كتهديد للهوية الوطنية.
وقد يكون المهاجر العربي، لو أحسن توظيف تجربته، نموذجاً للجسر الثقافي بين الشرق والغرب،
إذا ما استطاع أن يحافظ على جذوره وهو يمد أغصانه في فضاءات جديدة، وتقبّله المجتمع
المضيف دون عنصرية أو تطرف.
وقد التقينا
بشباب وفتيات يعانون هذا التناقض بين المجتمع والبيت، ويلقون مشقة في تلقّي إجابات
حائرة من والديهم، مما يلزم تفعيل لغة الحوار في البيت وتشجيع الأبناء على طرح جميع
إشكالياتهم مهما كانت محرجة، ويجب الإجابة عليها بشكل منطقي ومقنع.
وفي النهاية،
لو استشعر المهاجر خطورة الذوبان أو الضياع على أولاده، فيمكنه المغادرة إلى وطنه إن
أمكن، أو إلى دولة يجد فيها الأمان والاطمئنان على مستقبلهم لفترة ثم يعود، وإن كان
هذا ليس حلاً مثالياً، فالأفضل التوطين والبقاء، وإقامة الجسور للتعايش السلمي بين
الشرق والغرب.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.