عودة السفراء وفتح المجال الجوي... هل انتهت أزمة الجزائر ومالي؟

بدأت الأزمة بين الجزائر من جهة ومالي وحليفتيها النيجر وبوركينافاسو من جهة أخرى قبل نحو سنتين- جيتي
في خطوة متزامنة تعكس رغبة مشتركة على ما يبدو في احتواء التصعيد، أعلنت كل من الجزائر ومالي، عودة علاقاتهما الدبلوماسية بعد أكثر من سنة على اندلاع واحدة من أعقد الأزمات الدبلوماسية والأمنية التي عصفت بالعلاقات بين الجزائر ودول الساحل الأفريقي وعلى رأسها مالي.

فبعد 15 شهرا من التوتر الشديد، الذي بلغ ذروته مع سحب السفراء وإغلاق المجال الجوي في أبريل 2025، إثر حادثة إسقاط طائرة مسيرة مالية، قررت الحكومتان إعادة المياه إلى مجاريها الدبلوماسية وفتح الأجواء أمام الملاحة المدنية والعسكرية.

فقد أعلنت الجزائر مساء الجمعة فتح مجالها الجوي ‌بالكامل مجددا أمام حركة الطيران القادمة من مالي، وقالت الحكومة الجزائرية إن هذا القرار يشمل "كل الرحلات الجوية المتوجهة والقادمة من دولة مالي عبر مختلف الوجهات الدولية".

وبعد الإعلان الجزائري بساعتين، أعلنت الحكومة المالية في بيان عودة سفيرها إلى الجزائر، وقالت الحكومة المالية إنها قررت كذلك "إعادة فتح المجال الجوي الوطني أمام كافة الطائرات المدنية والعسكرية التي تؤمن رحلات قادمة من أو متوجهة إلى الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية".

وأوضح البيان الموقع من طرف وزير الإدارة الإقليمية واللامركزية الناطق باسم الحكومة المالية عيسى عثمان كوليبالي، أن هذه الخطوة تأتي "في إطار تنشيط علاقات التعاون والصداقة بين جمهورية مالي والجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية".


جذور الأزمة

بدأت الأزمة بين الجزائر من جهة ومالي وحليفتيها النيجر وبوركينافاسو، من جهة أخرى، قبل نحو سنتين حين تبنت باماكو سياسة خارجية هجومية، تمثلت في إنهاء العمل باتفاق الجزائر للسلام مع الحركات الأزوادية، والارتماء في الحضن الروسي (عبر قوات فاغنر سابقا والفيلق الأفريقي حاليا)، وتأسيس تحالفات بعيدة عن المظلة الجزائرية المعتادة.

هذه التحولات جعلت الجزائر تعتبر إلغاء اتفاق السلام يهدد أمنها القومي المباشر على حدود تمتد لنحو 1400 كيلومتر، حيث ترى أن التدخلات الأجنبية في مالي تشكل تهديدا لاستقرار المنطقة.

ويرى الصحفي المتابع للشأن الأفريقي أحمد محمد فال، أن حادثة الطائرة المسيرة في أبريل 2025 لم تكن سوى الشرارة التي أشعلت الخلاف بين الجزائر ومالي بشكل خاص.

وأشار في تصريح لـ"عربي21" إلى أن الخطاب التصعيد للعسكر الممسكين بالسلطة في مالي بشكل خاص أغضب الجزائر التي ردت حينها بإغلاق مجالها الجوي، ومنافذها البرية مع مالي، مضيفا أن هذا القرار انعكس بشكل واضح على مالي التي كانت تعتمد بشكل كبير على المنتجات الجزائرية، ما تسبب في موجة غلاء غير مسبوقة.

كلفة باهظة

وعلى ما يبدو أدرك الطرفان بعد 15 شهرا من القطيعة أن كلفة العداء باهظة جدا، فمالي الدولة الحبيسة، عانت اقتصاديا ولوجستيا من إغلاق المجال الجوي الجزائري والمنافذ البرية، وهو ما زاد من عزلتها الإقليمية.

في المقابل أدركت الجزائر أن سياسة الكرسي الشاغر في مالي تترك فراغا تملؤه قوى دولية وإقليمية منافسة، وأن تأمين حدودها الجنوبية لا يمكن أن يتم دون حد أدنى من التنسيق مع باماكو.

مسار تسوية شاملة

ويرى الأستاذ الجامعي والكاتب الصحفي الجزائري محمد شيحات أن قرارات الدولتين الجزائرية والمالية باستئناف العلاقات الدبلوماسية بينهما، وإيفاد كل منهما سفيرا برتبة سفير فوق العادة ومفوض، تعد مؤشرا إيجابيا قويا على عودة العلاقات الى مسارها الطبيعي والتاريخي.

وأشار في تصريح لـ"عربي21" إلى أن هذه الخطوة تحمل رسالة واضحة الى المجتمع الدولي مفادها أن الخلافات السابقة قد دخلت مرحلة الاحتواء، وباتت تسير في مسار التسوية الشاملة.

ولفت إلى تزامن القرار مع إعادة فتح المجال الجوي، بعد ما يقارب 15 شهرا من الاغلاق، وما رافقه من تعطل واسع لجوانب مهمة من الانشطة السياسية والاقتصادية، فضلا عن تعليق آليات التنسيق الأمني".

واعتبر شيحات في حديثه لـ"عربي21" أن هذه البادرة التي وصفها بالمحورية "تمكن مالي من الاندماج في المساعي التنموية الاقليمية والقارية النشطة التي تقودها الجزائر، في إطار جهودها الرامية الى تحقيق التكامل الاقتصادي القاري، وبخاصة مع دول الجوار ودول منطقة الساحل".

وتابع: "القرار الذي اتخذته قيادتا البلدين ليس مجرد ذوبان جليد جزئي أو خطوة شكلية عابرة، بل يعد قرارا جادا يرمي إلى إعادة العلاقات بين مالي والجزائر إلى وضعها الطبيعي الكامل، بما يعكس إرادة مشتركة لترسيخ التعاون وتعزيز الاستقرار الإقليمي".


ملفات عالقة

ورغم بدء مسار عودة العلاقات بين الجزائر ومالي وعمليا باقي دول الساحل، إلا أنه لم يتم حتى الآن حسم مصير الترتيبات السياسية في شمال مالي، فالجزائر لا تزال ترى ضرورة إشراك الحركات الأزوادية في عملية سياسية لمنع تحول الشمال المالي إلى بؤرة دائمة للتمرد، بينما تصر باماكو على الحل العسكري كخيار أوحد لفرض سيادتها المطلقة.

كما أن التحالفات الإقليمية والدولية لا تزال متباينة، فارتهان مالي والحكومات العسكرية في الساحل للتعاون الأمني مع روسيا، يقلق الجزائر التي تفضل مقاربة إقليمية أفريقية خالصة لحل أزمات الساحل.
كما أن باماكو لم تغير بعد موقفها المتعلق بسحب اعترافها بالصحراء الغربية، حيث كانت أعلنت قبل نحو شهر سحب اعترافها بـ"الجمهورية الصحراوية"، بعد نحو 40 سنة من ذلك الاعتراف.

ويرى متابعون أن هذا التباين يعني أن الأزمة بصيغتها الحادة (القطيعة الكاملة) قد انتهت، لكن التأسيس لعلاقات استراتيجية مبنية على الثقة المتبادلة سيستغرق وقتا وسيبقى خاضعا لاختبارات ميدانية مستمرة.

انعكاسات التقارب على الوضع الأمني

يؤكد متابعون للشأن الأفريقي أن التقارب بين الجزائر ومالي ستكون له انعكاسات مباشرة على الوضع الأمني في منطقة الساحل الأفريقي التي تنشط فيها العديد من التنظيمات التي توصف بالمتشددة.
وفاقم غياب التنسيق الأمني بين البلدين على مدى 15 شهرا من المخاطر الأمنية، حيث استغلت التنظيمات المتشددة الفراغ الحاصل ووسعت من دائرة تحركاتها بالمنطقة، وتأمين خطوط إمدادها.

وينتظر أن يسمح فتح القنوات الدبلوماسية بتفعيل لجان الحدود المشتركة التي جمدت لأكثر من سنة، ما يعني تنسيقا أكثر بخصوص مواجهة شبكات تهريب الأسلحة والمخدرات، التي تغذي النزاعات المسلحة في المثلث الحدودي.

وتسعى الجزائر عبر التقارب مع مالي إلى مد جسور التواصل مع تحالف الساحل بشكل عام مما قد يؤدي إلى مقاربات أمنية أوسع تشمل دول الميدان برعاية أو تنسيق جزائري من جديد، بدلا من حالة الاستقطاب السابقة.

ورغم أن الحكومة المالية ألغت اتفاق الجزائر، إلا أن قنوات التواصل الجزائرية مع الحركات الأزوادية قد تلعب دورا في منع إنزلاق المنطقة نحو حرب أهلية شاملة وحرب عصابات تستنزف جيوش المنطقة.
كما أن التنسيق الجديد قد يسمح للجزائر بلعب دور كابح لأي تصعيد عسكري غير محسوب في المناطق المتاخمة لحدودها.