في التاسع من آب/ أغسطس، تحل الذكرى السنوية الـ81 لإسقاط قنبلة "الرجل البدين - Fat Man" على مدينة ناغازاكي
اليابانية عام 1945، وهي الحادثة الثانية والأخيرة حتى اليوم التي استُخدم فيها سلاح نووي في الحرب.
لكن التاريخ النووي منذ ذلك اليوم لم يكن فقط تاريخ استخدام، بل كان أيضاً سلسلة طويلة من اللحظات التي اقترب فيها العالم من
كارثة نووية لم تقع، رغم مرور ثمانين عاماً دون استخدام فعلي آخر لهذا السلاح.
الغواصة "بي-59"
في تشرين الأول/ أكتوبر 1962، وبينما كان العالم يترقب مواجهة مفتوحة بين واشنطن وموسكو بسبب نشر صواريخ سوفيتية في كوبا، كانت هناك أزمة موازية تجري تحت سطح الماء، ظلت طي الكتمان لعقود.
وأرسل الاتحاد السوفيتي أربع غواصات من طراز "فوكستروت"، تحمل كل واحدة منها طوربيداً نووياً تكتيكياً، ضمن الانتشار السوفيتي الأوسع نحو كوبا، وفي 27 تشرين الأول/ أكتوبر، رصدت القوات البحرية الأمريكية الغواصة "بي-59" بالقرب من الحصار المفروض على كوبا، وبدأت بإسقاط شحنات مائية غير قاتلة لإجبارها على الصعود إلى السطح.
ولأن الغواصة كانت منقطعة الاتصال بموسكو منذ فترة، ومحاصرة في درجات حرارة تجاوزت 50 درجة مئوية، اعتقد قائدها فالنتين سافيتسكي أن الحرب قد اندلعت فعلاً، وأمر بتجهيز الطوربيد النووي للإطلاق.
لكن على خلاف الغواصات السوفيتية الأخرى التي كانت تتطلب موافقة ضابطين فقط لإطلاق
السلاح النووي، فرض وجود قائد الأسطول فاسيلي أرخيبوف على متن "بي-59" شرطاً إضافياً: وهو موافقته الشخصية.
ورفض أرخيبوف الموافقة على الإطلاق، مقتنعاً بأن الأسلوب الأمريكي كان يهدف إلى إجبار الغواصة على الصعود لا تدميرها، وتمكن من إقناع سافيتسكي بذلك بعد نقاش حاد بينهما.
وصعدت الغواصة إلى السطح لاحقاً، ولم تكتشف الولايات المتحدة حقيقة أنها كانت تحمل سلاحاً نووياً إلا بعد عقود من انفتاح الأرشيف السوفيتي. ووصف مدير أرشيف الأمن القومي الأمريكي توماس بلانتون أرخيبوف لاحقاً بأنه "الرجل الذي أنقذ العالم".
إنذار الصواريخ الخمسة
بعد أقل من عام واحد من واقعة الغواصة السوفيتية، وفي خضم واحدة من أكثر فترات الحرب الباردة توتراً، وقعت حادثة أخرى كادت تنتهي بكارثة، هذه المرة داخل غرفة قيادة سوفيتية قرب موسكو.
ففي 26 أيلول/ سبتمبر 1983، وأثناء مناوبة الضابط ستانيسلاف بيتروف في مركز القيادة "سربوخوف-15"، أطلق نظام الإنذار المبكر السوفيتي "أوكو" تحذيراً بإطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من الولايات المتحدة، تبعه تحذير بأربعة صواريخ إضافية.
كان على بيتروف، بحسب البروتوكول العسكري، أن يبلغ قيادته فوراً، وهو ما كان سيؤدي على الأرجح إلى أمر بضربة نووية مضادة نظراً للمناخ السياسي المتوتر في ذلك الوقت، إلا أنه اختار الانتظار بدلاً من ذلك، مستنداً إلى قناعته بأن أي هجوم أمريكي حقيقي سيكون أوسع نطاقاً من خمسة صواريخ فقط، إلى جانب أن رادارات أرضية أخرى لم ترصد أي دليل على أي هجوم.
وتبين لاحقاً أن النظام قد أخطأ في تفسير انعكاس ضوء الشمس على الغيوم المرتفعة باعتباره إطلاقاً صاروخياً.
ووقعت الحادثة بعد ثلاثة أسابيع فقط من إسقاط الاتحاد السوفيتي لطائرة الخطوط الجوية الكورية الجنوبية رحلة 007، ما زاد من هشاشة الوضع الأمني وحساسيته في تلك اللحظة بالذات.
"أيبل آرتشر 83"
جاءت الحادثة التالية بعد أسابيع فقط من واقعة بيتروف، حين اعتقدت القيادة السوفيتية أن مناورة عسكرية غربية اسمها "أيبل آرتشر 83" كانت غطاءً لهجوم نووي حقيقي وشيك.
المناورة، التي استمرت بين 2 و11 تشرين الثاني/ نوفمبر 1983، كانت تدريباً سنوياً لحلف الناتو يهدف إلى محاكاة إجراءات إطلاق
الأسلحة النووية، لكنها تضمنت في تلك السنة عناصر جديدة غير معتادة، من بينها رؤوس حربية وهمية، وتغييرات في مستويات الاستعداد، وفترات صمت لاسلكي أثارت الشكوك.
وبحسب أرشيف الأمن القومي الأمريكي، لم يكن تقييم الاستخبارات السوفيتية لتحركات الناتو خاطئاً من حيث الوقائع، إذ كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها يجرون بالفعل تدريبات نووية واسعة شملت أكثر من أربعين ألف جندي أمريكي وهولندي وألماني وبريطاني وكندي، لكن التفسير السوفيتي لنوايا هذه التدريبات كان خاطئاً.
ونتيجة لذلك، وضعت القوات النووية السوفيتية في حالة تأهب قصوى، وأمر قائد القوات الجوية السوفيتية بحالة استعداد شملت التحضير لاستخدام فوري للأسلحة النووية. ووصف الجنرال الأمريكي ليونارد بيروتس، الذي كان يشغل منصباً استخباراتياً رفيعاً وقتها، الأزمة لاحقاً بأنها كادت تؤدي إلى "وضع كارثي محتمل".
"السهم المكسور"
إلى جانب الأزمات السياسية والعسكرية، شهدت الحرب الباردة سلسلة من الحوادث التقنية المباشرة، أطلق عليها الجيش الأمريكي تصنيف "السهم المكسور - Broken Arrow"، وهي حوادث تتعلق بفقدان السيطرة على أسلحة نووية أو سقوطها أو تعرضها لأضرار دون تفجيرها المتعمد.
وفي 24 كانون الثاني/ يناير 1961، تعرضت الطائرة العملاقة من طراز "بي-52" كانت تحمل قنبلتين نوويتين من طراز "مارك 39" لتسرب في الوقود أدى إلى تفككها في الجو فوق مدينة غولدسبورو بولاية كارولاينا الشمالية.
وسقطت القنبلتان من الطائرة، وبدأت إحداهما بالفعل تمر بمراحل التسليح كما لو كانت ستُستخدم في الحرب: انفتحت مظلتها، وتفعّلت آليات الإطلاق فيها، ولم يمنع انفجارها سوى مفتاح أمان واحد منخفض الجهد.
وبحسب تحقيق فني لاحق، فإن جميع مفاتيح الأمان في القنبلة الثانية قد تفعّلت بشكل غير مقصود باستثناء المفتاح الأخير فقط، وهو ما وصفه أحد خبراء الأسلحة النووية الحكوميين في وثيقة رُفعت عنها السرية لاحقاً بأن مفتاحاً واحداً بسيطاً كان كل ما يفصل الولايات المتحدة عن كارثة كبرى.
قنابل هيدروجينية
في 17 كانون الثاني/ يناير 1966، اصطدمت طائرة قاذفة أمريكية من طراز "بي-52" بطائرة تزويد بالوقود أثناء عملية تزويد جوي فوق الساحل الإسباني، ما أدى إلى مقتل أطقم الطائرتين جزئياً وسقوط أربع قنابل هيدروجينية بالقرب من قرية بالوماريس.
ولم تنفجر أي من القنابل نووياً، لكن المتفجرات التقليدية المحيطة بلبّ اثنتين منها انفجرت عند الارتطام، ما أدى إلى تناثر غبار البلوتونيوم المشع على مساحة زراعية واسعة.
أما القنبلة الرابعة فقد سقطت في البحر المتوسط، واستغرق البحث عنها نحو ثمانين يوماً قبل العثور عليها سليمة على عمق يتجاوز 900 متر.
وقد دفعت هذه الحادثة إسبانيا إلى حظر تحليق الطائرات الأمريكية المحمّلة بأسلحة نووية فوق أراضيها، كما دفعت الرئيس الأمريكي ليندون جونسون، إلى تقليص عدد رحلات التأهب الجوي النووي المستمر.
الصاروخ النرويجي
بعد انتهاء الحرب الباردة رسمياً بسنوات، وقعت حادثة أخرى أثبتت أن مخاطر الخطأ النووي لم تنته بانتهاء المواجهة الأيديولوجية بين الشرق والغرب، ففي 25 كانون الثاني/ يناير أيضا لكن من عام 1995، أطلق فريق من العلماء النرويجيين والأمريكيين صاروخاً بحثياً من طراز "بلاك برانت 12" من منصة أندويا في النرويج، بهدف دراسة الشفق القطبي.
لكن حجم الصاروخ ومساره جعلاه يشبه إلى حد كبير صاروخ "ترايدنت 2" الأمريكي العابر للقارات والمطلق من الغواصات، فرصدته الرادارات الروسية في محطة أولينيغورسك دون أن يتمكن الضباط من التعرف على طبيعته الحقيقية على الفور.
ورغم أن النرويج كانت قد أخطرت أكثر من ثلاثين دولة، من بينها روسيا، بالإطلاق المخطط له قبل شهر، فإن هذا الإخطار لم يصل إلى ضباط الرادار الروس المعنيين.
نتيجة لذلك، وُضعت القوات النووية الروسية في حالة تأهب، وسُلّمت "الحقيبة النووية" للرئيس الروسي بوريس يلتسين للمرة الأولى والوحيدة المعروفة في تاريخ استخدام هذه الحقيبة.
وبحسب ما صرّح به يلتسين لاحقاً، فقد تابع مسار الصاروخ "من البداية إلى النهاية" بالتنسيق مع وزارة الدفاع وقادة الجيش، واستمرت حالة الترقب نحو ثماني دقائق قبل أن يتضح أن مسار الصاروخ يبتعد عن الأراضي الروسية ولا يشكل تهديداً.