في
ميشيغان، لم تكن مجرد عاصفة سياسية عابرة، بل زلزالا حقيقيا ضرب قلب النظام من
الداخل. هناك، حيث اعتاد اللوبي التقليدي المتصهين وشيكات "إيباك"
المفتوحة حسم النتائج مسبقا، استيقظ جيل "Z" ليعلن عصيانا واعيا على قواعد اللعبة. لم يعد هؤلاء الشباب
يبتلعون التبريرات الباردة ولا الشعارات الحزبية الجوفاء التي تبرر الظلم
والإبادة؛ رفضوا التمويل السياسي الضخم، ورسموا خطا فاصلا بين الضمير الإنساني
والمال والمصالح.
وفي قلب
هذا الزلزال، جاء انتصار عبدول السيد، الشاب ذي الأصل العربي المصري المسلم، ليكون
لحظة أثبتت أن النفوذ الذي صُرفت عليه الملايين يمكن أن يتهاوى أمام وعي جيل حاسم.
انتصار أظهر أن اللوبيات التي راكمت نفوذها لعقود يمكن أن تخسر معركة حين تقرر
عقول شابة ألا تشتريها الأموال.
ومن
ميشيغان، يرتد الصدى عبر المحيط حتى يصل إلى أسوار
سبتة. هناك، عند
السياج، وبين قنابل إيران، ومليارات تتبخر عند ماسك، وجنون إنفانتينو: أهلا بكم في
مسرح اللصوص.
هناك منطق
غير معلن في أعلى هرم النظام العالمي: يجب أن تبقى البقرة السمراء مريضة. ليست
ميتة تماما، بل ضعيفة بما يكفي لتُحلب دون مقاومة. وبينما يروي الغرب قصصا رنانة
عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، تعمل آلة الحلب بأقصى طاقتها، إنها الآلة الحسابية
الباردة خلف حدود أفريقيا. لماذا يُسمح لقارة أن تزدهر إذا كان بالإمكان نهبها
بثمن أرخص وهي راكعة؟ الثروات تتدفق إلى الخارج، والمواد الخام تختفي في بطون
السوق العالمية الجائعة، والطغاة الذين يمسكون مفاتيح الخزائن يُكافَؤون بصمت دولي.
وعندما
تنهض الشعوب، كما حدث في تلك الآمال القريبة البعيدة للربيع العربي، يصاب النظام
بالذعر. فقارة حرة تعني أنها ستصبح صاحبة قرار في ثرواتها، وهذه هي الخطيئة
الوحيدة التي لا تغفرها آلة الحلب.
هكذا
تُفتح أبواب الجحيم. عندما يُقتحم السياج في سبتة أو مليلية، تنظر أوروبا بصدمة
إلى صور آلاف اليائسين، لكنها ليست كارثة مفاجئة؛ إنها نتيجة معادلة تعمل منذ قرون
في الخلفية. لا يمكنك نهب بيت كامل ثم تتوقع من سكانه أن يبقوا في الخراب.
وبين تلك
الآلاف يقف دائما إنسان واحد، شاب من وجدة أو ربما من صفاقس التونسية لا يقتحم
الحدود، بل يمشي، يحمل حذاءه بيده لأن نعليه انفصلا منذ زمن. لا يرى أوروبا كحلم،
بل كمهرب من غرفة ضاقت عليه حتى اختنق. لا يملك شعارا ولا علما ولا خطة، فقط جسد
يتحرك إلى الأمام لأن ما خلفه عبث وإحباط.
وبجانبه
امرأة من الخرطوم، غطّت شعرها بوشاح خفيف، ليس تقليدا بل ضرورة؛ فقد سبق أن عروا
كرامتها في حروب طاحنة على خيرات مدينتها التي لا يزال غبارها عالقا في وجدانها.
لا تركض ولا تصرخ، تتحرك كما تتحرك من فقدت أكثر مما يمكن أن يُفقد. يداها لا
ترتجفان؛ فقد تجاوزت مرحلة الارتجاف، لا تحمل حقائب، بل ذكريات لا يراها أحد.
وعلى
مسافة قصيرة، أب من مالي. لا يريد الذهاب إلى أوروبا، يريد الذهاب إلى السكينة،
يريد مكانا لا يستيقظ فيه أطفاله على أصوات تشبه ما نجا منه. يمشي بخطوة ليست
يائسة بل منهكة؛ إنه إرهاق لا يسكن العضلات بل الروح. لا ينظر إلى الأفق، بل إلى
الأرض، كأنه يخشى أن تخونه حتى التربة.
في فوضى
الحشود، هؤلاء الثلاثة هم الصمت: أجساد تتقدم لأن ما خلفها لم يعد صالحا للحياة. ولو
فُتحت أبواب القارة حقا، لما بقي أحد، حتى النسخ القذرة من الأنظمة الجاثمة على
صدور شعوبها ستلتحق بالجماهير المغادرة.
أما في
الطوابق العليا من المسرح العالمي، فلا تصل العاصفة إلى العمالقة. هناك، تحولت
الأرض في عيونهم من وطن إلى ملكية عقارية خاصة.
انظر إلى
إيلون ماسك، الذي تتبخر ملياراته في أسبوع كأنها فكة صغيرة. لكن خلف تلك النظرة
المتعالية خوف لا يعترف به: خوف من أن تدفعه الأرض يوما بعيدا، ومن أن ينفلت
العالم الذي يظنه ملكه من يده. لذلك ينظر إلى المريخ؛ ليس طموحا فقط، بل هروبا.
فإذا احترقت الأرض، سيطالب بكوكب جديد لن يناله رغم ملياراته المهدورة.
وانظر إلى
جياني إنفانتينو في
الفيفا. رجل يريد تقطيع كرة القدم، روح الشعوب، وبيعها
كممتلكات خاصة للمستثمرين. لكنه يحمل خوفا هو الآخر: خوفا من الجماهير التي قد
تستعيد منه ما يظنه ملكا له. إنه جنون عظمة رجل يعتقد أن اللعبة والمشجعين
والتاريخ ملك له.
وجوائز "السلام"
المصنوعة خصيصا من "ملك" الفيفا لساسة ينشرون الجحيم في غزة وطهران
وفنزويلا ليست سوى السخرية الكونية بعينها؛ لولا أن القنابل حقيقية.
وهكذا
تنفلت الجغرافيا السياسية في سلسلة من الانفجارات يفقد فيها العمالقة السيطرة. في
الشرق الأوسط تشتعل النيران في برميل البارود، إذ تشارك السعودية مع سلاح الجو
الأمريكي في قصف مليشيات موالية لإيران في العراق. ولا يتأخر الرد؛ فالحوثيون
يعلنون حصاراً بحرياً، ومنشآت النفط تحترق، وطائرات مسيّرة تضرب حتى موانئ مصر.
اللوحة
على وشك الانهيار تماما، لكن اللاعبين الكبار يواصلون الضغط دون وعي بالهاوية.
ومع ذلك،
لم يكن التاريخ دائما خاليا من الذين حاولوا كسر قواعد هذه اللعبة؛ كان هناك من
حاول أن يكتب نصا آخر.
هوجو
تشافيز كان بالنسبة إلى كثيرين في الجنوب واحدا من أولئك الذين رفضوا أن تكون
بلادهم مجرد ملحق في دفتر المصالح الكبرى. واجه الهيمنة الأمريكية، ودافع عن
استقلال القرار الفنزويلي، وحاول أن يعيد توزيع ثروة بلاده على الفئات التي ظلت
طويلا خارج الحساب.
كان من
القلائل الذين امتلكوا الجرأة على قول "لا" في وجه قوة اعتاد الآخرون أن
يخافوا منها، ولم يتردد في رفع صوته حين كان الصمت أكثر أماناً.
وفي زمن
الخذلان، تصبح الجرأة نفسها جزءا من الذاكرة، ولهذا يبدو الحاضر أكثر قسوة.
بيدرو
سانشيز، رئيس الحكومة الإسبانية، اعترف بالدولة الفلسطينية وانتقد علنا الإبادة في
غزة، في خطوة بدت نادرة من الشجاعة الأخلاقية في أوروبا، لكن السياسة لا ترحم
التناقضات. فبينما يدافع عن المبادئ على طاولة المفاوضات، يجد نفسه مضطرا إلى لعب
دور حارس القلعة عند أسوار سبتة.
إنها
مأساة عصرنا: أن يضيق الهامش حتى على من يريد الإصلاح، وأن يجد نفسه محاصرا داخل
النظام الذي يريد تغييره.
لكن
الزلازل لا تحتاج إلى إذن من أحد. ما حدث في ميشيغان ليس مجرد نتيجة انتخابية، ولا
حادثة معزولة في خريطة سياسية تتغير كل يوم. إنه شرخ في الجدار؛ لحظة يكتشف فيها
الجمهور أن المسرح الذي قيل له طويلا إنه ملك العمالقة، ليس ملكاً لهم تماماً.
فالمال
يستطيع شراء الحملات، لكنه لا يستطيع دائما شراء الضمير، واللوبيات تستطيع التأثير
في السياسيين، لكنها لا تستطيع إلى الأبد السيطرة على جيل كامل يرى التناقض بأم
عينيه.
من سبتة
إلى غزة، ومن القارة السمراء المستباحة إلى كب أصقاع كوكبنا، ومن المريخ الذي يحلم
به ماسك إلى الملاعب التي يريد إنفانتينو امتلاكها، تتكرر الحكاية نفسها: قلة تقف
فوق الخشبة، وجمهور هائل يُطلب منه أن يصفق.
لكن شيئا
ما تغيّر، الجمهور بدأ يتحرك، والستارة، التي ظن أصحاب المسرح أنها لا تسقط إلا
بإرادتهم، بدأت ترتجف. وفي مكان ما، تحت أقدام العمالقة، بدأ الزلزال.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.