حين أفتح
القرآن،
لا أفتحه لأبحث عن صورة؛ أقرأ، ثم تأتي الصورة. قد تأتي من كلمة واحدة، فتفتح أمامي
فضاء لم أكن أراه قبلها، وقد تأتي من حركة صغيرة في الآية، من ضوء أو ظل، من بزوغ أو
أفول، من لون أو صوت، فتتحول الكلمات أمام عيني إلى مشهد حي.
ربما لأنني
أمضيت سنوات خلف الكاميرا، ألاحق الضوء، وأنتظر تلك اللحظة التي يتحول فيها الواقع
إلى صورة. وربما لأنني عرفت أيضا، أمام القماش الأبيض، ذلك الشعور الغريب الذي ينتاب
الرسام حين يضع اللون الأول، ثم يكتشف أن اللوحة بدأت تقوده هي، لا هو الذي يقودها.
هكذا يحدث
لي أحياناً وأنا أقرأ القرآن؛ لا أعرف مسبقاً أين ستأخذني الآية، ولا أريد أن أعرف. لا أضع للرحلة
خريطة، ولا أبحث عن ترتيب يربط صورة بصورة. أترك عيني تمشي حيث تأخذها الكلمات، وأترك
الصورة التي تولد في داخلي أن تقودني إلى ما بعدها.
لكن الإنسان لا يرى المشهد بعين الفنان وحدها، إنه يراه بعين صاحب الأرض. الأرض تزدهر أمامه، الزرع يكثر، الثمر ينضج، والحياة تبدو سخية إلى حد يجعل الإنسان يطمئن
قد أبدأ من
الأرض، فأجد نفسي في السماء، وقد أرى قطرة ماء، فتأخذني إلى الغمام. وقد يخرج قمر من
ظلمة الليل، فيأخذني إلى سؤال عن الوجود كله. أنا لا أخطط للرحلة، الآية هي التي تقودني.
كنت أقرأ في
سورة يونس، فتوقفت عند الأرض: "حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا
أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا
حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ". توقفت عند كلمة واحدة: "زخرفها"، وكأن الكلمة
فتحت أمامي نافذة.
كانت الأرض،
في خيالي، ساكنة تحت الشمس؛ يابسة، صامتة، لا شيء فيها سوى التراب والمساحات الممتدة،
ثم بدأ شيء يتحرك. خرج الأخضر
من أعماقها. في البداية كان خافتا، كأن الحياة تفتح عينيها ببطء، ثم امتد العشب، وارتفعت
السيقان، وتفرعت الأغصان، وامتلأت الأشجار بالأوراق. ظهرت الزهور في أماكنها، ثم جاءت
الثمار، ثقيلة ناضجة، تتدلى تحت الضوء؛ لون بعد لون، وحركة بعد حركة، حتى غطى الجمال
وجه الأرض.
لم تعد الأرض
مجرد يابسة، لقد دبّت فيها الحياة، ثم أخذت تتزين بها، حتى بدا المشهد وكأن الأرض أخرجت
كل ما تختزنه من ألوان، ووقفت أمام الضوء في أبهى صورتها.
ثم تأتي: "وَازَّيَّنَتْ".
ما أجمل أن تأتي كلمة واحدة فتجعل كل هذا الجمال حاضراً أمام العين. هنا أعرف تلك اللحظة،
لحظة اكتمال اللوحة، حين يشعر الرسام أن القماش لم يعد ينتظر لونا آخر، وأن كل شيء
صار في مكانه.
لكن
الإنسان
لا يرى المشهد بعين الفنان وحدها، إنه يراه بعين صاحب الأرض. الأرض تزدهر أمامه، الزرع
يكثر، الثمر ينضج، والحياة تبدو سخية إلى حد يجعل الإنسان يطمئن.
ثم تأتي: "وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ
قَادِرُونَ عَلَيْهَا". أشعر أن شيئاً خفياً دخل إلى الصورة، ليس الخراب بعد،
فقط الظن. ذلك الشعور الهادئ بأن الأشياء التي أمامنا أصبحت لنا، وأن ما اكتمل اليوم
سيظل مكتملا غدا، وأن المشهد الجميل الذي نراه الآن يمكن أن يستمر إلى الأبد.
ثم تأتي الكلمة
التي تقلب المشهد كله: "أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً. ليلاً أو نهاراً؛ لا موعد، لا إنذار،
لا لحظة تختارها الأرض، ولا لحظة يختارها الإنسان.
ثم: "فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً".
كل ذلك الأخضر، كل تلك الزينة، كل ذلك الامتلاء؛ يصير حصيدا. ثم تأتي العبارة التي
أشعر أنها أشد من كل ما سبق: "كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ". بالأمس، ليس منذ زمن بعيد. بالأمس كانت
هنا، كانت جميلة، كانت ممتلئة بالحياة. واليوم كأنها لم تكن.
وأنا، أمام
هذه الصورة، لا أعود أرى الأرض وحدها؛ أرى مصير الأشياء. فالوجود من حولنا مليء بهذه
اللحظة: لحظة يبلغ فيها الشيء تمامه، ثم يبدأ في الرحيل. زهرة تتفتح، ثم تذبل. شجرة
تكبر، ثم تجف. حيوان يولد، وينمو، ويشيخ. إنسان يولد، ويشتد، ويملأ الدنيا بحضوره،
ثم يغيب.
كل مخلوق له
لحظته في الضوء، ثم يأتي وقت يغادر فيه المشهد. لكن ليس كل غياب يشبه الآخر. فالقمر،
مثلاً، يعلّمني شيئا آخر. أراه في ليلة اكتماله، بدراً مستديراً، كاملاً، معلقاً في
قلب السماء. يملأ العين، يملأ الليل، ثم يبدأ في النقصان. شيئاً فشيئاً، ليلة بعد ليلة،
يتراجع النور عن حافته، حتى لا يبقى منه إلا هلال رفيع، ثم يغيب.
ولوهلة يبدو
كأنه انتهى، لكن القمر يعود. يخرج من جديد هلالا صغيرا، ثم يكبر، حتى يبلغ اكتماله
مرة أخرى. يكتمل، ثم ينقص، ثم يغيب، ثم يعود في خلق جديد. كأن القمر لا يعرف صورة واحدة،
وكأن الجمال نفسه لا يثبت على هيئة واحدة.
لكن صورة القمر
هذه تأخذني إلى صورة أخرى أعمق؛ إلى إبراهيم عليه السلام، إلى إنسان كان يبحث، لا عن
جمال السماء، بل عن سر الوجود ورب الوجود: "فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً
قَالَ هَٰذَا رَبِّي".
أتصور القمر
وهو يخرج من الأفق بازغاً، حاضرا بكل جماله. كأن الليل كله يفسح له مكاناً، وعين إبراهيم
تتبعه. كان يبحث، وكان هذا العالم أمامه، بكل ما فيه من شمس وقمر ونجوم، يفتح له أسئلة
أكبر من أن تبقى معلقة في السماء.
ثم يمضي القمر،
حتى: "فَلَمَّا أَفَلَ".
أفل، غاب. وهنا تتغير الصورة. القمر الذي ملأ السماء قبل قليل غاب. لم يحتج إبراهيم
إلى أن يكسر القمر، ولا إلى أن يسأل أحدا عنه. القمر نفسه كشف، بأفوله، أنه مخلوق.
ما يأفل لا
يكون ربا، ما يظهر ثم يغيب، مهما كان جميلا، ومهما أسر العين، ومهما بدا عظيما، لا
يمكن أن يكون هو الحقيقة المطلقة. وهكذا يأخذني القمر من جمال الصورة إلى ما وراء الصورة؛
من المرئي إلى الغيب، من المخلوق إلى الخالق.
ثم يقول إبراهيم
عليه السلام: "لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي
رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ"..
وأتوقف. فما
أعمق أن يقود مشهد في السماء إنساناً إلى البحث عن رب السماء، وما أعمق أن يكون الأفول،
لا البزوغ، هو الذي يكشف الحقيقة.
وأعود إلى
الأرض، وأعود إلى القمر، وأفكر في الأشياء التي تمر أمام أعيننا كل يوم. كم من شيء
بلغ جماله ثم غاب، كم من وجه كان يملأ المكان ثم صار صورة في الذاكرة، كم من شجرة كانت
هنا ثم لم تعد. كم من إنسان عاش سنوات طويلة وهو يظن أن حضوره سيبقى، ثم غاب، وبقيت
آثاره.
وربما ليست
القضية أن الأشياء جميلة لأنها باقية، ربما جمالها نفسه في أنها لحظة. الزهرة لا تحتاج
إلى الخلود كي تكون جميلة، والقمر لا يحتاج إلى الثبات كي يملأ الليل جمالا، والإنسان
لا يحتاج إلى أن يبقى إلى الأبد كي يكون لحضوره معنى. لكن حين يرحل، ماذا يترك؟
هنا أتوقف
طويلا، فالإنسان يستطيع أن يجمع حوله الكثير من الأشياء، لكنه لا يستطيع أن يأخذها
معه. يبقى البيت، تبقى اللوحة، تبقى الكتب، يبقى المال. تبقى الأشياء التي أحبها واعتقد
يوماً أنها جزء من وجوده، أما هو، فيخرج من المشهد. لا يغادر الوجود، بل يغادر المشهد
الذي تستطيع عيننا أن تراه.
يخلو المكان
من صوته وخطواته، وتبقى الأشياء التي كانت تحيط به في أماكنها، كأن شيئاً لم يحدث.
لكن شيئا حدث، لقد انتقل إلى مشهد آخر، خلف الستار الذي لا تستطيع أعيننا اختراقه؛
إلى عالم البرزخ، حيث تبدأ مرحلة أخرى من الرحلة، لا نعرف منها إلا ما أذن لنا الوحي
أن نعرف.
ربما لهذا تبدو لي رحلة القمر مختلفة عن رحلة الإنسان. القمر يأفل ثم يعود، أما نحن، فلدينا أفول واحد من هذه الحياة. ولهذا تصبح أيامنا، بكل زينتها، أغلى مما نظن. نحن عابرون، لكننا لسنا بلا أثر. وقد تكون أجمل صورة يتركها الإنسان خلفه ليست صورته التي كان يراها في المرآة، بل ما بقي منه في قلوب الآخرين
وهنا أشعر
أن استعارة الكاميرا تصل إلى حدودها. أستطيع أن أصور لحظة الميلاد، والضحكة، والدمعة،
والشيخوخة، وحتى لحظة الرحيل. لكنني لا أستطيع أن أفتح عدستي على ما بعد الرحيل. هناك
يتوقف الضوء الذي أعرفه، تتوقف الألوان التي أملكها، تتوقف الكاميرا. أما الرحلة فلا
تتوقف.
وربما لهذا،
حين أفكر في الإنسان بعد رحيله، لا أفكر في جسده وحده، أفكر فيما تركه خلفه؛ كلمة قالها،
يداً مدها، قلباً جبره، رحمة منحها في لحظة لم يره فيها أحد، أو جرحا تركه في إنسان
آخر وظل ذلك الجرح حيا بعد غيابه.
فالإنسان لا
يختار دائما كيف سيبقى في ذاكرة الآخرين، لكن أفعاله تختار له. وكأن المخلوق، حين يغادر
المشهد، لا يحمل معه زخرفه؛ يترك وراءه ما صنعه.
وأفكر مرة
أخرى في الأرض: "كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ".
كأنها لم تكن. ثم أفكر في الإنسان؛ كم من الذين ملأوا الدنيا ضجيجاً أصبحوا الآن أسماءً
لا يعرفها أحد؟ وكم من إنسان عاش حياة هادئة، ثم ظل أثره في قلب شخص واحد أقوى من آثار
الذين ملأوا العالم كله؟
ربما لهذا
تبدو لي رحلة القمر مختلفة عن رحلة الإنسان. القمر يأفل ثم يعود، أما نحن، فلدينا أفول
واحد من هذه الحياة. ولهذا تصبح أيامنا، بكل زينتها، أغلى مما نظن. نحن عابرون، لكننا
لسنا بلا أثر. وقد تكون أجمل
صورة يتركها الإنسان خلفه ليست صورته التي كان يراها في المرآة، بل ما بقي منه في قلوب
الآخرين.
ثم أعود إلى
الصفحة. أقرأ مرة أخرى، ولا أعرف إلى أين ستأخذني الآية القادمة. وربما هذا هو أجمل
ما في الرحلة كلها. فأنا لا أبحث عن الصورة في القرآن. أقرأ، ثم تأتي الصورة، وأتبعها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.