الجغرافيا السياسية والجيوبوليتيك.. دور المكان والقوة في صياغة النظام العالمي

إن أي ظاهرة سياسية أو أي موضوع متعلق بالمنظمات السياسية، يعدُّ موضوعاً للدراسات الجيوبوليتيكية طالما أنَّ لها مكوناً مساحياً الأرض..
الكتاب: الجغرافية السياسية
الكاتب :د. شاهر الشاهر
الناشر:المركز الديمقراطي العربي للدراسات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية،برلين ألمانيا، 2024، (عدد الصفحات 296من القطع الكبير).


يقدّم الباحث والكاتب التونسي توفيق المديني في هذا الجزء الأول من قراءة موسعة وشاملة كتبها خصيصا لـ "عربي21"، كتاب "الجغرافيا السياسية" للدكتور شاهر الشاهر، دراسة متعمقة للعلاقة الجدلية بين المكان والقوة في تشكيل النظام العالمي.

تستعرض القراءة تاريخ الجغرافيا السياسية منذ جذورها القديمة مرورًا بتطورها الأكاديمي في القرن التاسع عشر على يد راتزل، وصولًا إلى مفهوم الجيوبوليتيك ودوره في تحويل المعلومات الجغرافية إلى أدوات استراتيجية للدولة.

كما يبرز الكاتب كيف أن الفهم الدقيق للتفاعل بين الظواهر السياسية والمكان أصبح ضرورة لفهم التغيرات العالمية الحديثة، وهو ما يجعل هذا التحليل مدخلًا أساسيًا لأي دراسة جيوسياسية معاصرة، مستعرضًا الفروق الجوهرية بين الجغرافيا السياسية كمراقب للوضع القائم، والجيوبوليتيك كمخطط لما يجب أن تكون عليه الدولة في الساحة الدولية.

الجغرافيا السياسية.. علم قديم

الجغرافيا السياسية علم قديم في التاريخ يعود لأكثر من ألفي سنة، وإن كان ظهورها كفرع متميز في الجغرافيا ذي منهج محدد ومنظم يعود إلى القرن التاسع عشر فقط. وعلى الرغم من قدم الفكر الجغرافي السياسي، إلا أن استخدام مصطلح الجغرافية السياسية يعود بحسب العديد من الباحثين إلى العالم الألماني كانت Kant، الذي كان يدلي بأسس الجغرافية السياسية أثناء محاضراته في الجغرافية الطبيعية.

بعد حروب نابليون بونابرت التي دامت 25عامًا، وهزيمته في معركة واترلوعام 1815، انبثق نظام عالمي جديد بقيادة بريطانيا، واستمر لغاية نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، التي خرج من رحمها نظام عالمي جديد آخر بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية القوة الغربية الصاعدة، اعتقد الباحثون في علم الجغرافيا السياسية، أنَّ مؤسساته نجحت في كبح جماح القوة وتنظيم العلاقات الدولية وفق قواعد قانونية ملزمة.
ظهرت الجغرافية السياسية كعلمٍ في القرن التاسع عشر على يد الباحث الألماني فريديك راتزل، الذي يرى أنَّ الدولة كائن حي يحتاج لضمان بقائه وتطوره إلى مجالٍ جغرافيٍّ حيويٍّ، يتوسع أو ينكمش تبعاً لموازين القوة والموقع الجغرافي. فهناك تأثير جدلي متبادل: تأثير الجغرافيا على السياسة، وتأثير السياسة على الجغرافيا، حيث كانت القوة والجغرافيا السياسية في صميم الصراع من أجل إرساء نظام عالمي جديد. ولكنَّ هناك أيضًا الكثير من القرارات السياسية التي غيَّرتْ الوجه الجغرافي لمناطق كثيرة في العالم، مثل حفر قناة السويس التي أدت إلى تغيير طرق التجارة الدولية، وما زالت حتى اليوم تتمتع بأهمية استراتيجية كبيرة.

بعد حروب نابليون بونابرت التي دامت 25عامًا، وهزيمته في معركة واترلوعام 1815، انبثق نظام عالمي جديد بقيادة بريطانيا، واستمر لغاية نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، التي خرج من رحمها نظام عالمي جديد آخر بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية القوة الغربية الصاعدة، اعتقد الباحثون في علم الجغرافيا السياسية، أنَّ مؤسساته نجحت في كبح جماح القوة وتنظيم العلاقات الدولية وفق قواعد قانونية ملزمة.

بدأت الدراسات في حقل الجغرافيا السياسية في العام 1897 على يد الباحث الألماني راتزل، ولكنها أهملت تماماً بعد أن ساء صيتها نتيجة للتوظيف النازي لها، ولم تعد إلى دائرة الضوء إلا منذ منتصف سبعينيات القرن العشرين، لتصبح واحدة من الحقول الواعدة في محاولة فهم عمليات وآليات التحول السياسي على المستوى الدولي من خلال بحث العلاقات القائمة بين الحقائق المكانية والعمليات السياسية، أو بعبارة أخرى دراسة الخصائص المكانية للعمليات السياسية.

لا تهتم الجغرافيا السياسية بتركيب الدولة من حيث وظائف سلطاتها الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية، سواء أكانت الحكومات ديمقراطية أو ديكتاتورية. فتلك كلها تدخل في مجال علم السياسة، ولكن الجغرافية تهتم بنوع السيطرة الحكومية على جزء معين من سطح الأرض ودرجة السيطرة ومدى فعاليتها وانعكاسها على شكل الدولة ودورها في تقويم القوة الاقتصادية والسكانية.

هذا الكتاب الجديد، الذي يحمل العنوان التالي: "الجغرافيا السياسية" لمؤلفه الدكتور شاهر الشاهرأستاذ في كلية الدراسات الدولية جامعة صن يات سين ـ الصين الشعبية منذ عام 2019، والمتكون من مقدمة وستة فصول، والصادر عن المركز الديمقراطي العربي للدراسات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، برلين ألمانيا 2024 ، يتناول موضوعًا من موضوعات الساعة وهو الجغرافيا السياسية التي تُعَدُّ أكثر الفروع الجغرافية حيوية، نظرًا لما تمتع  به من ديناميكية فريدة من نوعها في ظل تغير الخارطة السياسية التي شهدها العالم المعاصر.

تعريف الجغرافيا السياسية

يتناول الفصل الأول من هذا الكتاب تعريف مصطلح الجغرافيا السياسية الذي اتخذ معاني شتى في زمننا الراهن. ولكن معناه الحقيقي هو أنه العلم الذي يدرس منافسات السلطة والنفوذ التي تجري على أراض جغرافيا معنية وتخص شعوباً محددة تماماً. فهناك دائماً تنافس على السلطة والثروة والنفوذ بين البشر في نطاق جغرافي معين. وهذا التنافس السياسي هو ما يدعوه الدكتور شاهر بالجغرافية السياسية أو علم الجيوبوليتيكا.

ويُعَدُّ الجيوبولتيك الابن الشرعي للجغرافيا السياسية، فبينما تعنى الجغرافيا السياسية بتقويم الدولة على أساس ما فيها من مقومات طبيعية وسكانية واقتصادية وسياسية وإدارية، يهتم الثاني بالتنبؤ بمستقبل الدولة على أساس تلك المقومات. وتتجلى أهمية الدراسات الجيوبولتيكية، من خلال تصاعد الأزمات الدولية، واتساع رقعة المشكلات السياسية والاقتصادية والعسكرية بين العديد من دول العالم، فليس صدفة أن يكون القرن العشرين قرن الصراعات الدولية، هو القرن الذي تطور فيه علم الجيوبوليتيك، وتنوعت الدراسات حوله.

يقول الدكتور شاهر: "اختلفت تعريفات الجغرافيا السياسية كعلم بين المدارس الفكرية، وتباينت هذه التعريفات في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية عن تلك التي كانت سائدة في النصف الأول من القرن العشرين، ولكن الجغرافيين على الرغم من ذلك، اتفقوا على إطار عام لمفهوم الجغرافيا السياسية، يتلخص في أن الجغرافيا السياسية هي العلم الذي يختص بدراسة الإقليم والوحدات السياسية، والمفهوم الأكثر دلالة، هو أن الجغرافيا السياسية تقوم بدراسة الظاهرة السياسية في المكان، أي التأثير المتبادل بين الظاهرة السياسية والمكان بخصائصه الطبيعية والبشرية والاقتصادية، وتعد الدولة من أهم الظاهرات السياسية في المكان.  

اختلفت تعريفات الجغرافيا السياسية كعلم بين المدارس الفكرية، وتباينت هذه التعريفات ... ولكن الجغرافيين على الرغم من ذلك، اتفقوا على إطار عام لمفهوم الجغرافيا السياسية، يتلخص في أن الجغرافيا السياسية هي العلم الذي يختص بدراسة الإقليم والوحدات السياسية، والمفهوم الأكثر دلالة، هو أن الجغرافيا السياسية تقوم بدراسة الظاهرة السياسية في المكان، أي التأثير المتبادل بين الظاهرة السياسية والمكان بخصائصه الطبيعية والبشرية والاقتصادية، وتعد الدولة من أهم الظاهرات السياسية في المكان.
فهي العلم الذي يبحث في تأثير الجغرافيا على السياسة. أي الطريقة التي تؤثر بها المساحة والتضاريس والمناخ على أحوال الدول والناس. فبسبب الجغرافيا تمتعت الجزيرة البريطانية في القرن الثامن عشر بحرية الملاحة في البحار، وأصبحت قوة بحرية مكنتها من استعمار العديد من المناطق. وهي العلم الذي يهتم بتأثير السياسة على الجغرافية. فقرار إنشاء قناة السويس كان قراراً سياسياً ترتب عليه تغير في المكان وهو الجغرافيا". (ص10).

ويقدم  المؤلف في هذا الفصل تعريفات العديد من الباحثين حول موضوع الجغرافيا السياسية التي تختلف حسب نظرتهم لهذا العلم وموضوعاته.

التعريف الأول: هي العلم الذي يدرس الأرض بوصفها وطناً للإنسان، فموضوع علم الجغرافيا هو الأرض لا لذاتها، وإنما من حيث هي وطن الإنسان، ومن ثم كان أهم تطبيق يدور حولهما البحث في الجغرافية هما الأرض والإنسان.

التعريف الثاني: تعريف هارتس هورن Hartshorne عام 1935 للجغرافيا السياسية على أنها علم دراسة الدولة كمساحة متغيرة بالنسبة لغيرها من المساحات المتميزة الأخرى، ثم يعود بعد ذلك هارتس هورن ليعرف الجغرافيا السياسية عام 1954 بأنها العالم الذي يهتم بدراسة التماثل أو التباينات في الشخصية السياسية للمساحات المختلفة، ويجب أن ينظر إليها على أنها أجزاء مترابطة في كل مركب، أقرب ما يكون إلى تماثلات وتباينات عامة.

التعريف الثالث: يعرف دوجلاس جاكسون w.A. Douglas Jaxkons عام 1964، إن الجغرافيا السياسية هي العلم الذي يهتم بدراسة الظاهرات السياسية political Phenomena في أبعادها المساحية Aerial context.

التعريف الرابع: ما قدمته الأكاديمية للعلوم في واشنطن عام 1965 من أن الجغرافيا السياسية هي العلم الذي يهتم بدراسة التفاعل الذي يوجد بين المساحات الجغرافية والعمليات السياسية.

التعريف الخامس علم دراسة الدول، ومن التعريفات الأخرى أيضاً أن الجغرافيا السياسية تختص بدراسة الارتباط بين المساحات الأرضية والدولة الأرض ـ الدولة ثم بين الدولة وغيرها من الدول، وبالتالي ينصب هذا التعريف على جغرافية الدول أو الوحدات السياسية، وهناك تعريفاً آخر ينص على أن الجغرافيا السياسية هي علم دراسة المناطق المنتظمة سياسياً، ومهمتها في ذلك هي التركيز على كل من هذه الوحدات المنتظمة سياسياً كوحدة قائمة بذاتها ـ لها كيانها الخاص وصفاتها المميزة لها.

التعريف السادس: يركز على ان الجغرافيا السياسية هي دراسة الوحدات أو الأقاليم السياسية كظواهر على سطح الأرض، وما تشتمل عليه هذه الوحدات من شعوب وجماعات، ويتوقف امتداد هذه الأقاليم وطبيعتها على تباين الظواهر السياسية التي تسود العالم، ففي بعض جهات من العالم، نجد أن الأقاليم السياسية لها صفة الاستقرار النسبي لمدة زمنية طويلة، بينما نجدها في جهات أخرى من العالم يصيبها تغيرات سريعة.

الجغرافيا السياسية ومراحل تطورها:

كما يتناول المؤلف في هذا الفصل الجذور الأولى لدراسة الجغرافيا السياسية لأرسطو 383 322 ق.م، والذي كان أول من تحدث عن قوة الدولة المستمدة من توازن ثرواتها مع عدد سكانها، كما ترك أرسطو أفكاراً بالغة الأهمية عن وظائف الدولة ومشكلات الحدود السياسية.

ومرت الجغرافيا السياسية خلال تطورها من الماضي إلى وقتنا الحاضر بأربع مراحل، وهي:

ـ المرحلة الأولى: وهي مرحلة التأثر بالبيئة والاعتقاد في الحتم الجغرافي، وهذه المرحلة مرت على جميع فروع الجغرافية البشرية، وتركز على دراسة التفاعل بين السلوك السياسي للإنسان وبيئته الجغرافية، وقد أظهرت هذه الفترة ما يلي:

1 ـ تتوقف قوة الدولة على سكانها ومواردها كما أوضحها أرسطو.

2 ـ يتوقف نجاح الدولة على مدى استغلال مواردها، وبناءً على هذه الأفكار لسقراط وأفلاطون فإن عوامل نشأة الدولة ونموها يهدف لسد حاجات الإنسان لكي تستطيع الدولة تحقيق الاكتفاء الذاتي.

غير أن التغير الذي حدث مع ظهور الإسلام وقيام الدولة الإسلامية وانهيار كلاً من الامبراطورية الفارسية والرومانية في ذلك الوقت، ظهر معها الفكر العربي والإسلامي والذي تمثل في عدد كبير من العلماء العرب والمسلمين الذين كتبوا في الجغرافيا خاصة الجغرافيا السياسية ومن أشهرهم: عبد الرحمن بن خلدون 1342 ـ 1405م الذي أشار في مقدمته إلى عوامل قيام الدولة وقوتها ثم سقوطها كما حدد المراحل التي تمر بها الدولة والتي بلغت خمسة أطوار تبدأ من نشأتها إلى انهيارها.

وفي منتصف القرن السابع عشر ظهر في بريطانيا جراح شاب، عكف معظم حياته على دراسة الجغرافيا وهو السير وليم بتي، وقد بدأ اهتمامه بالجغرافيا من خلال الخرائط السياسية والاقتصاد السياسي.

ـ المرحلة الثانية.. الدولة كائن حي:

وبعد قرنين كاملين السابع عشر والثامن عشر ظهرت كتابات الباحث الألماني راتزل عن الجغرافيا السياسية في عام 1897م، الذي حاول أن يوجد العلاقة بين الدولة والأرض. وأبرز راتزل  في هذه الدراسة أيضاً أهمية الموقع والمساحة وبدأ بدراسة مكان الدولة على الخريطة والمجال الذي يتحرك فيه الإنسان في الدولة.

ويعدُّ راتزل أول من درس عناصر الجغرافيا السياسية دراسة منهجية علمية رغم أنه كان حتمياً بيئياً، ولكن تكمن نقطة الضعف في كتابات راتزل في أنه كان وطنياً متطرفاً يتحدث باستمرار عن وطنه ألمانيا الكبرى، ومن ثم فقدت كتاباته موضوعيتها. وعلى العموم كانت كتابات راتزل هي نقطة البداية لكل من الجغرافيا السياسية والجيوبولتيك. وعلى الرغم من ذلك تعرض راتزل إلى انتقادات عديدة من جانب المدرستين الانجليزية والأمريكية لأنها تضر بالتعايش السلمي للدول.

مصطلح الجيوبوليتيك

ينتقل المؤلف فيما بعد إلى تعريف مصطلح الجيوبوليتيك، الذي يجمع بين الجغرافيا والسياسة، ويقوم على الدراسة الجغرافية للدولة من حيث سياستها الخارجية، وهنا يكون التأكيد على المظهر الجغرافي للعلاقات الخارجية، وهذا هو المفهوم الواسع للجيوبوليتيك، أي أنه العلم الذي يهدف إلى تحويل المعلومات الجغرافية إلى مادة علمية يتزود بها قادة الدولة وساستها.. فتعبير الجيوبوليتيك مشتق من Geo بمعنى الأرض وPolitik أي السياسة فمعناها إذا سياسة الأرض وهذا على قرار وصف الأرض Geography أو تركيب الأرض Geomorphology.

التغير الذي حدث مع ظهور الإسلام وقيام الدولة الإسلامية وانهيار كلاً من الامبراطورية الفارسية والرومانية في ذلك الوقت، ظهر معها الفكر العربي والإسلامي والذي تمثل في عدد كبير من العلماء العرب والمسلمين الذين كتبوا في الجغرافيا خاصة الجغرافيا السياسية ومن أشهرهم: عبد الرحمن بن خلدون 1342 ـ 1405م الذي أشار في مقدمته إلى عوامل قيام الدولة وقوتها ثم سقوطها كما حدد المراحل التي تمر بها الدولة والتي بلغت خمسة أطوار تبدأ من نشأتها إلى انهيارها.
يقول المؤلف شاهر: "إِنَّ أول من استخدم مصطلح الجيوبوليتيك هو الألماني رولف كيلين، والذي عرف الجيوبوليتيك بأنه: علم الدولة كجسم جغرافي متجسد في المكان، أما فريدريك راتزل، فهو أول من وضع الأسس الأكاديمية للجيوبولتيك.

تتداخل الموضوعات التي يتناولها كل من الجغرافيا السياسية والجيوبوليتيك، ولكن التفريق بينهما، يكون من خلال الموضوعات التي يتناولها كل منهما ومجال دراسته، وقد وقع الكثير من الباحثين في خطأ الجمع بين المصطلحين، وتعريفهما على أنهما علم واحد يدرس العلاقة بين الجغرافية والسياسة.

فالجيوبوليتيك لا يدرس المقومات الجغرافية للدولة فحسب ولا يدرس العلاقة بين الأرض والدولة كما هي، بل يدرس هذه العلاقة كما يجب أن تكون من وجهة نظر قومية محلية، وتدرس السياسة العالمية، وتعتنق فلسلفة خاصة هي فلسفة القوة".. (ص22).

ويهدف التحليل الجيوبوليتيكي إلى دراسة نفوذ الدولة خارج حدودها السياسية بناء على خصائصها ومقوماتها الجغرافية وتحالفاتها أو صراعها مع القوى الأخرى لتحقيق مصالحها خارج حدودها على حساب القوى الأخرى، وبما أن جوهر الجيوبوليتيك هو تحليل العلاقات السياسية الدولية على ضوء الأوضاع والتركيب الجغرافي، فإن الآراء الجيوبوليتيكية تختلف مع اختلاف الأوضاع الجغرافية التي تتغير بتغير تكنولوجيا الإنسان، وما ينطوي عليه ذلك من مفاهيم وقوى جديدة، وفي هذا يقول ماكيندر الكل قرن جيوبوليتيكته.

الفروقات بين الجغرافيا السياسية والجيوبوليتيك

يمكن أن نلخص الفروق بين الجغرافيا السياسية والجيوبوليتيك في النقاط التالية:

1 ـ إن الجيوبوليتيك ترسم خطة لما يجب أن تكون عليه الدولة، بينما الجغرافيا السياسية تدرس كيان الدولة كما هو فعلاً.

2 ـ إن الجيوبوليتيك ترسم حالة الدولة في المستقبل، بينما الجغرافيا السياسية تهتم برسم صور الماضي والحاضر.

3 ـ إن الجيوبوليتيك متطورة متحركة بينما الجغرافيا السياسية أميل إلى أن تكون ثابتة.

4 ـ الجغرافيا السياسية هي مرآة للدولة وتعكس صورتها الحقيقية، بينما يجعل الجيوبوليتيك الجغرافية في خدمة الدولة.

5 ـ تدرس الجغرافيا السياسية مقومات القوة متجردة غير متأثرة بدوافع معينة، بينما يعتنق الجيوبوليتيك فلسفة القوة ويرسم خطط الاستراتيجية التي تحقق السيطرة.

6 ـ تعترف الجغرافيا السياسية بالحدود القائمة بين الدول، بينما لا تعترف الجيوبوليتيك بحدود ثابتة.

فالجغرافيا السياسية تحدد السياسة الداخلية للدولة بشكل أساسي، بينما يتجه الجيوبوليتيك للتأثير في سياسة الدولة الخارجية وتحديدها. فالجغرافية السياسية تدرس الوحدات السياسية في ضوء البيئة الطبيعية، أما الجيوبوليتيكا فتدرس الوحدة السياسية من وجهة النظر الخاصة بالدولة ومطالبها في مجال السياسة الخارجية، وتقف الجيوبوليتيكا بين علم السياسة وبين الجغرافية السياسية.

ويمكن القول إن أي ظاهرة سياسية أو أي موضوع متعلق بالمنظمات السياسية، يعدُّ موضوعاً للدراسات الجيوبوليتيكية طالما أنَّ لها مكوناً مساحياً الأرض، حيث أنَّ التحليل الذي يفتقر إلى العمق الجغرافي، سينتج عنه عموميات سطحية لا تستطيع ربط الجزء مع الكل، ومن خلال الوحدات الجغرافية المتقطعة لا يمكن الوصول إلى تكامل متناسق.

ويعود لهنري كيسنجر الفضل في جعل مصطلح الجيوبوليتيك في فترة الحرب الباردة مصطلحاً شعبياً، بعد أن كان قبلها محصوراً بين فئة السياسيين والمتخصصين، وأصبحت توصف به المنافسات الدولية في دهاليز السياسة العالمية، ويعزو الباحثون هذا الشيوع، إلى تكرار ورود مصطلح الجيوبوليتيك على لسان وزير الخارجية الأمريكي كيسنجر سواء في مذكراته، أو في المناقشات التي تناولت أفكاره في وسائل الإعلام، وفي المقالات الصحفية الجادة حول القضايا العالمية الكبرى.

وبحسب هاوسهوفر، فإن الجغرافيا السياسية هي الأصل، والجيوبوليتيك هي الفرع بقوله: إن الجيوبوليتيك وليدة الجغرافيا السياسية لأنَّها المحرك لما يتناوله العلم الأخير من حقائق، فتجعل منها مادة يستعين بها الزعيم السياسي. وخلاصة القول: الجغرافيا السياسية تدرس كيان الدولة القائم فعلاً، بينما يدرس الجيوبوليتيكا ما يجب أن تكون عليها الدولة. فالجغرافيا السياسية والجيوبوليتيك، هما علمان مترابطان، ولكنهما غير متطابقين.
الأكثر قراءة اليوم
الأكثر قراءة في أسبوع