عنوان الكتاب: دراسات إسلامية وقرآنية:
مستقبل الدراسات الإسلامية، قراءات المصحف، تأويل الآيات القرآنية
المؤلف : تاليف جماعي
الناشر : مؤمنون لا حدود
سنة النشر : 2025
يمثّل هذا المقال الجزء الثاني والأخير من
قراءة خاصة تنشرها "عربي21"، يكتبها الباحث والإعلامي التونسي عامر عياد
لكتاب: "دراسات إسلامية وقرآنية: مستقبل الدراسات الإسلامية، قراءات المصحف،
تأويل الآيات القرآنية" (تأليف جماعي، مؤمنون بلا حدود، 2025). وإذا كان
الجزء الأول قد انشغل بعرض الأطروحات الأساسية للكتاب ورصد ملامحه العامة، فإن هذه
الحلقة تنصرف إلى مساءلته من الداخل، عبر تفكيك منطلقاته الفلسفية، وتحليل
اختياراته المنهجية، واستنطاق نتائجه المعرفية في ضوء الأسئلة الكبرى التي تحكم
الجدل المعاصر حول النص الديني.
فالكتاب لا يقترح مجرد أدوات جديدة لقراءة
المصحف أو تأويل الآيات، بل يقدّم تصورًا متكاملًا لإعادة تعريف الدراسات
الإسلامية ضمن أفق العلوم الإنسانية الحديثة، بما يستبطنه ذلك من إعادة نظر في
مفهوم النص، والحقيقة، والمعيارية. ومن هنا تكتسب هذه القراءة النقدية أهميتها،
لأنها لا تناقش عملًا أكاديميًا فحسب، بل تحاور اتجاهًا فكريًا واسعًا يسعى إلى
إعادة موضعة القرآن داخل البراديغم التاريخي ـ التأويلي، وتطرح السؤال الحاسم: هل
يمكن تحديث الدراسات الإسلامية دون أن تفقد خصوصيتها المرجعية، أم أن الثمن
المعرفي للتحديث هو إعادة تعريف الحقل ذاته؟
خامسًا ـ نقد الأطروحات المؤسسة للمشروع
1 ـ في نقد المنطلقات الفلسفية
يقوم المشروع الذي يقترحه كتاب "مستقبل
الدراسات الإسلامية: قراءات المصحف وتأويل الآيات القرآنية" على جملة من
الافتراضات الفلسفية التي لا يُصرَّح بها دائمًا بوصفها اختيارات نظرية قابلة
للنقاش، بل تُقدَّم في كثير من الأحيان وكأنها مقتضيات بديهية لـ "الحداثة
المعرفية" أو لـ "العلمية" المعاصرة. وفي مقدمة هذه الافتراضات
تأتي تاريخية النص والمعنى بوصفها أفقًا قبليًا للفهم.
غير أن تاريخية الفهم شيء، وافتراض تاريخية
النص من حيث هو وحي مؤسس شيء آخر. فالكتاب ينتقل، في مواضع كثيرة، من المسلّمة
المقبولة فلسفيًا ـ أي كون كل فهم يتم داخل التاريخ ـ إلى مسلّمة أقوى بكثير، وهي
أن النص نفسه لا يملك أي وضع متجاوز للتاريخ إلا بوصفه خطابًا تشكل داخل شروط
بشرية محضة. وهذا الانتقال لا يُبرهن عليه بقدر ما يُفترض ضمنًا داخل الجهاز
المفهومي المستعمل.
إن مستقبل الدراسات الإسلامية، وفق ما يلمح إليه هذا الكتاب، لا يمر فقط عبر تطوير أدوات القراءة أو التأويل، بل عبر إعادة التفكير في شروط المعرفة نفسها: في علاقة النص بالقارئ، وفي حدود السلطة المعرفية للتراث، وفي دور التاريخ والسياق في إنتاج المعنى. وهو ما يجعل الكتاب، رغم كل الانتقادات الممكنة، وثيقة مهمة لفهم الصراع المستمر بين التقليد والتحديث، بين النص والعلوم الإنسانية، بين المعنى التاريخي والمعنى المعياري.
كما يقوم المشروع على تصور مخصوص للحقيقة،
مستمد من الهرمنيوطيقا الفلسفية، يجعلها أفقًا تأويليًا متغيرًا لا يمكن القبض
عليه في صيغة معيارية مستقرة. غير أن إسقاط هذا التصور، كما هو، على نص ديني مؤسس،
دون تفكيك للفارق الأنطولوجي بين "نص ثقافي" و"نص وحي"، يفضي
إلى تسوية إشكالية بين المستويين، يكون ثمنها بالضرورة تفريغ النص من أي امتياز
معرفي معياري.
وبعبارة أخرى، لا يناقش الكتاب بشكل صريح
السؤال الجوهري: هل يمكن الجمع، فلسفيًا، بين الإيمان بكون القرآن وحيًا يحمل
هداية ومعنى مقصودًا، وبين تبني تصور للمعنى لا يعترف إلا بما ينتجه التاريخ
والقارئ؟ أم أن الخيار الثاني يستبطن، منطقيًا، تعليق الخيار الأول إن لم يكن
نفيه؟
2 ـ في نقد المنهج المعتمد
على المستوى المنهجي، يلاحظ أن الكتاب يوظف
جملة من الأدوات المستمدة من الدراسات الكتابية الغربية، ومن اللسانيات، ومن
الهرمنيوطيقا الحديثة، غير أن هذا التوظيف يتم، في كثير من الأحيان، بشكل انتقائي
وغير مصحوب بنقد إبستمولوجي كافٍ لشروط هذه المناهج.
فمناهج النقد التاريخي، كما تشكلت في سياق
دراسة الكتاب المقدس، ليست مجرد أدوات تقنية محايدة، بل هي نتاج تاريخ فلسفي
ولاهوتي خاص، ارتبط بسياق علمنة المعرفة، وبأزمة السلطة الكنسية، وبسؤال "النص"
داخل المسيحية الغربية. ومن ثم، فإن نقلها إلى حقل الدراسات القرآنية دون مساءلة
هذا السياق يجعلها تتحول من أدوات تحليل إلى أطر تفسيرية حاكمة تُعاد من خلالها
صياغة موضوع الدراسة نفسه.
ويبدو هذا بوضوح في طريقة معالجة مسألتي
القراءات والتأويل، حيث تُستثمر المعطيات التراثية داخل سردية مُسبقة حول تاريخية
النص ولا نهائية المعنى، بدل أن تُقرأ داخل منطقها المعرفي الخاص. وبذلك، لا يعود
التراث شريكًا في بناء السؤال، بل مادة تُعاد قراءتها لإنتاج أجوبة سبق افتراضها.
كما يلاحظ غياب نقاش منهجي صريح حول إمكان
بناء نموذج تأويلي مزدوج يجمع بين الاعتراف بتاريخية الفهم والحفاظ على فكرة
المعنى المقصود والمعيارية الدلالية. فالكتاب يبدو، في أغلب مقالاته، وكأنه يفترض
أن الخيار الوحيد الممكن هو إما التقليد التراثي المغلق، أو التاريخانية التأويلية
المفتوحة، دون استكشاف جدي لإمكانات ثالثة.
3 ـ في نقد النتائج المعرفية للمشروع
أما على مستوى النتائج، فإن المآل الموضوعي
للمشروع ـ مهما كانت نواياه المعلنة ـ يتمثل في إعادة تعريف الدراسات الإسلامية
بوصفها فرعًا من فروع العلوم الإنسانية المحضة، لا بوصفها حقلًا معرفيًا له علاقة
بنص مؤسس ذي وظيفة هادية ومعيارية.
فحين يُعاد تعريف النص بوصفه corpus تاريخيًا
مفتوحًا، ويُعاد تعريف التأويل بوصفه إنتاجًا للمعنى لا كشفًا عنه، وتُعاد صياغة
الحقيقة بوصفها أفقًا نسبيًا، فإن ما يتبقى من مفهوم "الوحي" لا يكون
سوى رمز ثقافي أو لحظة تأسيسية تاريخية، لا مرجعية معرفية حية.
وبذلك، لا يقود المشروع إلى “تجديد”
الدراسات الإسلامية بقدر ما يقود إلى علمنتها الكاملة، أي إلى إدماجها إدماجًا
تامًا داخل أفق العلوم الإنسانية الحديثة، مع ما يقتضيه ذلك من تعليق كل خصوصية
معرفية للنص الديني. وهنا يبرز السؤال الحاسم: إذا كان هذا هو أفق "المستقبل"
المقترح، فهل ما زال من المشروع أن نسمي هذا الحقل "دراسات إسلامية"، أم
أننا أمام انتقال إلى شيء آخر تمامًا؟
سادسًا ـ موقع المشروع داخل خريطة الفكر
العربي المعاصر
لا يمكن فهم كتاب "مستقبل الدراسات
الإسلامية: قراءات المصحف وتأويل الآيات القرآنية" فهمًا كافيًا إذا عُزل عن
السياق الفكري العام الذي تشكلت داخله أطروحات "تجديد الفكر الديني" و"نقد
العقل الإسلامي" و"إعادة قراءة النص". فالكتاب، في عمقه، لا يمثّل
قطيعة مع هذا المسار بقدر ما يمثّل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من المشاريع التي
سعت إلى إعادة موضعة القرآن داخل أفق الحداثة المعرفية الغربية.
يظهر هذا الانتماء بوضوح حين نقارن أطروحاته
بالمشاريع الكبرى التي طبعت الفكر العربي منذ سبعينيات القرن العشرين، وفي مقدمتها
مشروع محمد أركون في "نقد العقل الإسلامي" و"الإسلاميات التطبيقية"،
ومشروع نصر حامد أبو زيد في "مفهوم النص" و"نقد
الخطاب الديني"،
ثم بدرجات مختلفة مشروع محمد عابد الجابري وحسن حنفي وغيرهم. فالفكرة المركزية
المشتركة بين هذه المشاريع كلها هي أن أزمة الفكر الإسلامي ليست سياسية أو
اجتماعية فقط، بل هي ـ في العمق ـ أزمة في طريقة التعامل مع النص المؤسس.
وكما هو الشأن عند أركون، نجد في هذا الكتاب
ميلًا واضحًا إلى إدراج القرآن داخل أفق "تاريخ النصوص"، واستدعاء أدوات
النقد التاريخي والأنثروبولوجي واللساني لتفكيك ما يُسمّى “الأرثوذكسيا النصية”.
وكما هو الشأن عند أبو زيد، نجد تركيزًا على فكرة أن النص لا يتكلم بذاته، وأن
المعنى يُنتج داخل التاريخ، وأن سلطة القراءة لا تقل أهمية عن سلطة النص. غير أن
الكتاب الحالي يبدو أكثر راديكالية في تطبيع هذا الأفق، لأنه لا يقدّمه بوصفه
خيارًا إشكاليًا ضمن خيارات، بل بوصفه أفق المستقبل الضروري للدراسات الإسلامية.
ومع ذلك، يمكن القول إن هذا المشروع لا
يضيف، من حيث الأسس الفلسفية العميقة، قطيعة نوعية مع تلك المشاريع السابقة، بقدر
ما يعيد تركيبها وتطبيعها داخل خطاب أكاديمي جماعي أكثر هدوءًا وأقل سجالية. فهو
يرث منها التاريخانية، والهرمنيوطيقا، ونقد المعيارية، ويعيد تقديمها بوصفها
بديهيات منهجية لا تحتاج إلى كثير من الدفاع النظري.
غير أن هذا الانتماء إلى هذا التيار يضع
الكتاب داخل إشكالية كبرى لم تُحسم منذ عقود في الفكر العربي، وهي: هل يمكن تحديث
الدراسات الإسلامية من داخل مرجعيتها، أم أن التحديث لا يكون إلا عبر إعادة
تأسيسها داخل براديغم معرفي مغاير؟ فمشاريع أركون وأبو زيد ـ رغم اختلافهما ـ كانت
صريحة في أن الرهان هو نقل دراسة الإسلام إلى أفق العلوم الإنسانية الحديثة، حتى
لو أدى ذلك إلى صدام مع التصورات التقليدية للوحي والنص. ويبدو أن الكتاب الحالي
يواصل هذا الخيار، ولكن بلغة أقل تصادمية وأكثر "أكاديمية".
وفي المقابل، يغيب عن هذا المسار ـ سواء في
هذا الكتاب أو في أغلب المشاريع التي ينتمي إليها ـ أي اشتغال جدي على إمكان بناء
حداثة تأويلية من داخل علم أصول الفقه وعلوم القرآن نفسها، أي حداثة لا تنطلق من
نفي الإطار المرجعي، بل من إعادة بنائه وتطويره. فالتجارب التجديدية الداخلية (من
نوع بعض مشاريع المقاصد، أو تجديد أصول الفقه، أو نظريات السياق والمقاصد والتكامل
بين النص والواقع) إما تُهمّش، أو تُدرج سريعًا ضمن خانة “التقليد المقنّع”.
وبهذا المعنى، فإن كتاب "مستقبل
الدراسات الإسلامية" لا يمثل فقط خيارًا معرفيًا، بل يمثل اصطفافًا داخل صراع
عميق حول هوية هذا الحقل نفسه: هل هو حقل يشتغل على نص مؤسس من داخل منطقه، أم حقل
يُعاد تعريفه ليصبح فرعًا من فروع الأنثروبولوجيا والتاريخ الثقافي؟
ومن هنا، يمكن القول إن أهمية هذا الكتاب لا
تكمن فقط في أطروحاته التفصيلية، بل في كونه وثيقة كاشفة عن اتجاه آخذ في الهيمنة
داخل جزء من النخبة الأكاديمية العربية، يرى أن مستقبل الدراسات الإسلامية لا يكون
إلا عبر القطيعة الإبستمولوجية مع بنيتها الكلاسيكية، وإعادة تأسيسها داخل أفق
العلوم الإنسانية الحديثة، بكل ما يترتب عن ذلك من مكاسب وخسائر.
سابعًا ـ الخاتمة التركيبية
يبقى كتاب "مستقبل الدراسات الإسلامية:
قراءات المصحف وتأويل الآيات القرآنية"، في النهاية، عملًا محوريًا لفهم أحد
أبرز الاتجاهات في الفكر العربي المعاصر، وهو اتجاه يسعى إلى إعادة وضع القرآن
والنصوص الإسلامية الأساسية داخل أفق العلوم الإنسانية الحديثة. فالكتاب، كما تبين
من خلال تحليلنا، لا يكتفي بعرض مقاربات جديدة للقراءات أو التأويل، بل يُقدّم
مشروعًا معرفيًا كاملًا، يعيد تعريف طبيعة النص، والمعنى، والحقيقة، ويحوّل
الدراسات الإسلامية من حقل ذو وظيفة معيارية داخل الثقافة الإسلامية، إلى فرع من
فروع التحليل التاريخي ـ التأويلي.
أهمية هذا الكتاب لا تكمن فقط في أطروحاته التفصيلية، بل في كونه وثيقة كاشفة عن اتجاه آخذ في الهيمنة داخل جزء من النخبة الأكاديمية العربية، يرى أن مستقبل الدراسات الإسلامية لا يكون إلا عبر القطيعة الإبستمولوجية مع بنيتها الكلاسيكية، وإعادة تأسيسها داخل أفق العلوم الإنسانية الحديثة، بكل ما يترتب عن ذلك من مكاسب وخسائر.
وقد كشفت مراجعتنا المعمقة عدة نقاط جوهرية:
أولاً، أن المنطلقات الفلسفية للكتاب تفترض، ضمنيًا، تاريخية النص والمعنى، وتسقط
على النص القرآني أطرًا فلسفية نشأت في سياق ثقافي وفكري غربي بعيد عن تشكّل النص
الديني ووظيفته. ثانيًا، أن المنهجية التي يوظفها الكتاب، رغم حداثتها، غالبًا ما
تُفرض على التراث، بدل أن تُستثمر كأدوات لإنتاج معرفة متوازنة بين القديم
والجديد. ثالثًا، أن نتائج هذا المشروع، على المستوى المعرفي، تميل إلى علمنة
الدراسات الإسلامية، أي إعادة إدماجها بالكامل داخل أفق العلوم الإنسانية، مع ما
يترتب عن ذلك من تعليق أو تقليص للامتياز المعرفي للنص المؤسس.
غير أن قيمة الكتاب لا تكمن في كل ما يمكن
أن يُنتقد فيه، بل في ما يفتحه من أفق للنقاش: فهو يفرض على الباحث والمثقف إعادة
التفكير في العلاقة بين النص والتراث والمعرفة، ويضع الأسئلة الإبستمولوجية في
صميم الحوار، بدل أن يقتصر على تقديم أدوات تقنية جاهزة للفهم. بهذا المعنى، يشكل
الكتاب محفزًا إشكاليًا أكثر منه نموذجًا نهائيًا للتجديد: محفزًا يفتح الباب أمام
مناقشات مستقبلية حول طبيعة الدراسات الإسلامية، وإمكان الجمع بين التجديد المعرفي
والوفاء للخصوصية المرجعية للنص.
وعليه، يمكن القول إن مستقبل الدراسات
الإسلامية، وفق ما يلمح إليه هذا الكتاب، لا يمر فقط عبر تطوير أدوات القراءة أو
التأويل، بل عبر إعادة التفكير في شروط المعرفة نفسها: في علاقة النص بالقارئ، وفي
حدود السلطة المعرفية للتراث، وفي دور التاريخ والسياق في إنتاج المعنى. وهو ما
يجعل الكتاب، رغم كل الانتقادات الممكنة، وثيقة مهمة لفهم الصراع المستمر بين
التقليد والتحديث، بين النص والعلوم الإنسانية، بين المعنى التاريخي والمعنى
المعياري.
في الختام، فإن الكتاب يقدّم، قبل أي شيء
آخر، خريطة للنقاش: خريطة تحدد خطوط التوتر الكبرى داخل الدراسات الإسلامية، وتفتح
أمام الباحثين والمثقفين مجالًا للتفكير النقدي، ليس فقط في النصوص التي يدرسونها،
بل في الأدوات التي يستخدمونها، وفي الأسئلة التي يطرحونها عن مستقبل حقل معرفي
بأكمله. وهو بذلك يتحول إلى مرجع أساسي لأي محاولة نقدية أو تحليلية مستقبلية تهدف
إلى فهم ديناميكيات التجديد المعرفي داخل الفكر الإسلامي المعاصر.
إقرأ أيضا: مستقبل الدراسات الإسلامية أم إعادة تأسيسها؟ قراءة في مقاربات النص القرآني