مذكرات بن غوريون.. تفكيك السردية الصهيونية من داخلها.. قراءة في كتاب

يمكن القول أن الشعب الفلسطيني هو ضحية من ضحايا عنصرية الغرب والتي لا يزال يدفع ثمنها حتى اليوم بدعم الغرب نفسه لهذا الكيان.
الكتاب: المذكّرات
المؤلف: دافيد بن غوريون،
الناشر: ذه وورلد ببلشين كومبني (نيويورك - كليفلاند)، 1970. 
عدد الصفحات: 216 صفحة


تتطلب معرفة العدو الصهيوني فهمًا شاملًا وعميقًا لمفكري الحركة الصهيونية الأوائل، وأفكارهم التأسيسية التي قاموا بنشرها في كتبهم أو مراسلاتهم الشخصية أو غيرها من الوسائل التي تم نشر الكثير منها. والواقع أن هناك أسماء مهمة إلى حد كبير مثل موزس هاس وليون بينسكر وغيرهم ممن كانوا أصحاب تأثير مُهم وتأسيسي في تاريخ الحركة الصهيونية ولعله يتجاوز أحيانًا ما كتبه حتى ثيودور هيرتزل. إلا أننا لا نكاد نجد ترجمات لهؤلاء المؤلفين ولكتبهم بالعربية. أما الكتاب الذي بين يدينا فهو لأحد مؤسسي الكيان الصهيوني، وهو أول رئيس وزراء له، فقد قاد الكيان لأكثر من عشر سنوات في مرحلة التأسيس، ولعب دورًا محوريًا في خطة التطهير العرقي وطرد الشعب الفلسطيني خلال النكبة وما قبلها وبعدها، إنه دافيد بن غوريون.

إن هذه المذكرات تعدت سيرةً ذاتية سياسية لأحد الفاعلين المركزيين في المشروع الصهيوني ومهندس الدولة الإسرائيلية فقط بين أنها نصٌّ مُهم لفهم أنماط التفكير السياسي وصناعة القرار في المرحلة المبكرة من بناء الدولة. فإن بن غوريون لم يكتف بالسرد الشخصي لتحليل تفكيره السياسي، بل أورد منظومة مفاهيمية يربط فيها بين المفاهيم المتعلّقة بالدولة والأمن والشرعية او العلاقة بين الأيديولوجيا ومتطلبات الحكم هذا ما يجعل الكتاب مادة تحليلية ضرورية يدرس منها طلاب علم السياسة خاصة.

ينقسم الكتاب الذي نتناوله هنا إلى عشرة أقسام، يناقش بها قضايا مُختلفة، حيث يبدأ بالحديث عن معنى أن يكون الشخص يهودياً حيث يؤكد على أنه لم يُنفَ شعب آخر ويُشتت ويُكره ويضطهد ويُطارد من بلد إلى آخر مثل اليهود. حتى أوروبا التي من المُفترض أنها "مُتحضرة" كانت مركز اضطهاد اليهود. لذا، فهو يرى أن اليهود يعيشون في الشتات في حالة منفى دائم تحتم عليهم البحث عن الحل والذي يقترحه بأن يكون هناك دولة يهودية في فلسطين. حتى لا يكون اليهود أقلية تعيش تحت رحمة الأغلبية غير اليهودية.

كان لدافيد بن غوريون دورٌ محوريٌ في تنظيم وحدات الهاشومير وهي قوة مكونة من ميليشيات بدائية للمهاجرين الأوائل. لاحقًا وفي ظل الانتداب البريطاني قاد المبادرة بصفته رئيس اتحاد العمل اليهودي في فلسطين لتطوير هاشومير إلى جيش سري على مستوى البلاد، وقد سُمي هذا الجيش الهاغاناه " أي "الدفاع" بالعبرية، بعد تأسيس الكيان في مايو عام ١٩٤٨، أصبحت الهاجاناه هي العمود الفقري لما يسمى "بجيش الدفاع الإسرائيلي."
يدعي الكاتب أن الحياة خارج الدولة اليهودية تعني إما العيش في غيتو مُغلق أو الاندماج مع الأغلبية والذوبان في المجتمعات الأخرى، وهذا يعني فقدان اليهود قوميتهم وهويتهم الخاصة.

يقول بن غوريون في الكتاب عن فترة عام 1906 وبداية سنوات هجرته إلى فلسطين: "كنت متأكدًا حينها أن هذه الأرض ستصبح يهودية بالكامل" (25ص). وهذا بطبيعة الحال يدل على رؤية ونية مؤسسي الحركة الصهيونية بإقامة دولة يهودية لليهود فقط وطرد أو قتل الفلسطينيين السكان الأصليين بالبلاد.

ينتقل الكاتب للحديث عن سنواته الأولى في فلسطين، فهو ولد في 16 أكتوبر 1886 وهاجر بعمر التاسعة عشر لفلسطين. يتحدث عن زيارة هرتزل مدينة بلونسك عندما كان طفلا. يقول: كنا نرى فيه "المسيح المخلص". يقول بن غوريون "لمحة واحدة منه جعلتني مستعداً لاتباعه" (34 ص). ويؤكد أن جيله وبسبب اضطهاد اليهود كان مهيئًا لاعتناق الفكر الصهيوني. فالروس الذين كانوا يسيطرون على بولندا كانوا يكرهون اليهود كما أن معظم البولنديين ينظرون لليهود أنهم قتلة المسيح. في عام 1904 اختار العديد من الصهاينة بمن فيهم هرتزل الاستيطان في أوغندا بدل فلسطين، وكان رده هو الهجرة الفورية الى فلسطين كطريقة لحسم هذه المناقشات.

ينتقل بن غوريون للحديث عن "الأوائل" وهم الذين هاجروا في سبعينيات وتسعينيات القرن التاسع عشر، وهو ما يعرف بالموجة الأولى من المهاجرين. بينما كان بن غوريون من الموجة الثانية وكان ينظر لأولئك الأوائل كمصدر إلهام كبير له ولجيله بشكل عام.

يتحدث عن تجربته الشخصية عن الجوع والمرض وخصوصًا مرض السل الذي أنهكه في بداية هجرته لفلسطين وعن المخاطر والتوتر الليلي بسبب المقاومين الفلسطينيين والعمل الشاق في النهار. كما يتحدث عن صعوبة إيجاد عَمل بسبب ضعف جسده بالمقارنة مع السكان العرب والمهاجرين اليهود الآخرين.

يصرح أن النضال كان شاقًا وطويلًا جدًا حتى إقناع اليهود باعتماد العبرية كلغة رسمية كان شاقًا عليه. يقول بهذا الصدد: كان علينا إعادة بناء كل شيء من الصفر، لإعادة ابتكار المجتمع. لذلك كنا مستعدين لإراقة الدماء باسم "الاستقلال الذاتي"، "وتقرير المصير"، "والدفاع عن النفس." (57 ص)

كان لدافيد بن غوريون دورٌ محوريٌ في تنظيم وحدات الهاشومير وهي قوة مكونة من ميليشيات بدائية للمهاجرين الأوائل. لاحقًا وفي ظل الانتداب البريطاني قاد المبادرة بصفته رئيس اتحاد العمل اليهودي في فلسطين لتطوير هاشومير إلى جيش سري على مستوى البلاد، وقد سُمي هذا الجيش الهاغاناه " أي "الدفاع" بالعبرية، بعد تأسيس الكيان في مايو عام ١٩٤٨، أصبحت الهاجاناه هي العمود الفقري لما يسمى "بجيش الدفاع الإسرائيلي."

يقول بن غوريون عن أهمية الجيش والمبادرة بالعمل العسكري: "من يبادر بالهجوم يفوز بالمعركة." (73ص) كما يقول ـ بالمصادفة ـ بنفس الصفحة: "تقع منطقةُ غزة قبالة أكثرِ مناطقِ إسرائيل كثافةً سكانيةً وعمرانًا وأشدِّها انبساطًا، ما يجعلها الإقليمَ الإسرائيليَّ الأكثرَ هشاشةً من الناحية الجغرافية والأمنية"!

مع مرور الوقت لم تعد مُنظمة هاشومير كافية لتلبية المتطلبات الدفاعية والهجومية لمجتمع يهودي آخذ في النمو ويزداد تنوعًا. إذ لم يكن قوام هذا التنظيم من الحراس يتجاوز أربعين رجلًا وامرأة، كانوا جميعًا متفرغين بالكامل لأداء هذه المهمة. لذا، تم تأسيس الهاغاناه كذراع دفاعي للاتحاد العام للعمال اليهود في فلسطين وكان بن غوريون أول أمين عام له. يقول الكاتب عندما بدأت حرب الاستقلال - أي النكبة الفلسطينية - كان لديهم 45,000 امرأة ورجل قادرين على العمل مرتبطين بـ الهاغاناه وبمنظمة الماك. بالإضافة إلى ذلك، كان هناك عدة آلاف آخرين ينتمون إلى جيوش "خاصة" مختلفة تعمل بشكل مستقل.

يتحدث بن غوريون عن مركزية العسكر في دولة الكيان فيقول: إنه في أي لحظة من النهار أو الليل، يستطيع الجزار، أو الخباز، أو موظف الاستقبال، أو الكاتب او الخياط أو المزارع، أو أستاذ الجامعة، أو صاحب المتجر، أو أي رجل أو امرأة إسرائيليين في الشارع، أن يحملوا بندقية، أو أن يجلسوا في مقعد سائق دبابة، أو خلف لوحة التحكم المعقدة لجهاز تنصت سونار، يكونوا على أهبة الاستعداد لأداء واجباتهم العسكرية بأقصى قدر من الكفاءة. وهذا الأمر بطبيعة الحال يجعلنا نتساءل عن الفرق الجوهري بين العسكري والمدني في داخل بنية دولة الاحتلال.

كما يؤكد الكاتب على محورية الخدمة العسكرية في خلق ثقافة ووعي قومي عند اليهود فيقول الجيش هو أداة تعليمية، يضمن الجيش أنه إلى جانب التدريب القتالي، يغادر كل مُجند الخدمة وهو يمتلك معرفة باللغة العبرية، والكتاب المُقدس، والتاريخ الإسرائيلي، والجغرافيا، والرياضيات، والتربية المدنية، مما يجعله يصل إلى الحد الأدنى من معايير التعليم في هذا الكيان.

يتحدث بن غوريون عن التوراة وكيف أنها أثرت به فيقول: رغم أني لستُ متدينًا، ولم يكن مُعظم بُناة إسرائيل الأوائل مؤمنين. ومع ذلك، فإن شغفهم بهذه الأرض نبع من كتاب الأسفار المقدسة. وهذا يبين التناقض الفكري عند الكثير من الصهاينة وخصوصًا العلمانيين منهم عندما يقولون: لا نؤمن بالإله وبنفس الوقت يجادلون بأن نفس الخالق الذي لا يؤمنون به أعطى أرض فلسطين لليهود قبل الآلاف السنين!

ينتقل بن غوريون للحديث عن النقب في فلسطين، ويدعي أن أرض النقب هي المهد الحقيقي لليهودية. لذا، فقد ترسخت عنده القناعة أن ترسيخ إسرائيل سلطتها على النقب أهم من محاولة إنقاذ مدينة القدس القديمة. هذا شكّل حافزًا له بعد اعتزال الحياة السياسية أن يذهب للعيش في النقب وذلك لكي يشجع اليهود على الاستيطان بها. كما أنه يقول أن تمركز اليهود بملايين في مدن كبرى مثل تل أبيب له آثار أمنية خطيرة على مستقبل إسرائيل، لذا، فبحسب الكاتب يجب أن يتم الاستيطان في النقب حتى يتوزع السكان في الكيان في أكثر من مدينة.

كما يؤكد الكاتب على محورية الخدمة العسكرية في خلق ثقافة ووعي قومي عند اليهود فيقول الجيش هو أداة تعليمية، يضمن الجيش أنه إلى جانب التدريب القتالي، يغادر كل مُجند الخدمة وهو يمتلك معرفة باللغة العبرية، والكتاب المُقدس، والتاريخ الإسرائيلي، والجغرافيا، والرياضيات، والتربية المدنية، مما يجعله يصل إلى الحد الأدنى من معايير التعليم في هذا الكيان.
ينتقل الكاتب للحديث عن ما يسميه "السلام" فرغم أنه المسؤول المباشر عن النكبة الفلسطينية وتهجير الشعب الفلسطيني واحتلال أرضه يدعي أن إسرائيل تريد السلام بل ولا يستطيع أن يفهم سبب العداوة لإسرائيل فيقول: إن العداء ضد إسرائيل في جوهره غامض وغير عقلاني بل ويستحيل التعامل معه على أساس حسن النية أو المنطق. القصور بفهم سبب هذا العداء أنه يرى أن لليهودي المهاجر من أشتات العالم حق في فلسطين ولا يعترف بالهوية الفلسطينية والشعب الفلسطيني أو حق الفلسطيني بتقرير المصير. فالرجل يتعدى ذلك ليدعي بشكل غريب أن إسرائيل لم تخلق العداء.

ثم يوجه بن غوريون رسالةَ في غاية الخطورة لليهود وخصوصًا في خارج الكيان لحثهم على الهجرة للكيان ويقول: "إن العرب يمكن هزيمتهم مئة مرة، وإذا انتصروا في المرة المائة والواحدة، فهذه هي النهاية بالنسبة لنا!" (172ص) وفي هذه الرسالة العميقة والتي لا يزال تأثيرها حاضرًا في إسرائيل حتى اليوم تعبير واضح عن عمق الأزمة وعمق استحضار الخطر الوجودي الدائم على دولة الاحتلال التي يجب أن لا تخسر أبدًا، لأن السردية التي يجب أن تظل حاضرةً عند أعداء هذه الدولة أنها دولة لا تهزم حتى لا يتجرأ أحد على التفكير مبدئيًا في محاربتها.

لذا، ينهي بن غوريون كتابه بالحث على هجرة اليهود إلى فلسطين والعمل لأجل أن تبقى دولتهم قوية ومتينة ومسيطرة ويختم بكلمات أن: "الكلام بلا أفعال لا قيمة له.. يجب أن يُظهر المرء الطريق بالعمل.. فالكلام الذي لا يُحفز على الأفعال لا قيمة له." (180ص) الدور المهم الذي لعبه الرجل في توسيع الاستيطان اليهودي في فلسطين جعل منه رمزاً مِحوريًا في إسرائيل.

أخيرًا وعلى الرغم من أن هذا الكتاب يحمل في مضامينه مغالطات تاريخية ودينية ومحاولة لبث الفكر والسرديات الصهيونية المبنية على أسس دينية أو تاريخية فاسدة إلا أنه من المهم للباحثين والمفكرين الاطلاع على هذه الكتب المؤسسة للفكر الصهيوني والتعمق في هذه الأدبيات يعطي الباحث قدرة على الرد عليها وتفكيكها.

ويبقى القول أن هناك أهمية للاطلاع العميق على الفكر الصهيوني وهذا أساسي للعمل على مقاومة هذا المشروع التوسعي العنصري الإحلالي. الحركة الصهيونية هي سبب الصراع في فلسطين وكما هو معلوم فقبل وجودها لم يكن هناك صراع بين اليهود والفلسطينيين المسيحيين والمسلمين منهم.

إن فكر بن غوريون وكتاباته وخصوصًا هذا الكتاب يبين لنا كيف كانت معاداة اليهود في الغرب هي أهم أسباب تفكيرهم في بناء وطن قومي لهم، إيجاد أرض لليهود كان للتخلص من الاضطهاد الغربي والروسي لهم، ولذا، يمكن القول أن الشعب الفلسطيني هو ضحية من ضحايا عنصرية الغرب والتي لا يزال يدفع ثمنها حتى اليوم بدعم الغرب نفسه لهذا الكيان.

*أستاذ مساعد في قسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة اسطنبول صباح الدين زعيم، ونائب مدير مركز دراسات الإسلام والشؤون الدولية بنفس الجامعة.