يقدّم
كتاب "الانحراف في فهم السنة عند
الجماعات المتشددة"، الصادر بالإنجليزية بعنوان Deviation in Interpreting the Prophetic Sunnah by Radical
Groups، قراءة علمية معمَّقة لقضية محورية في الفكر
الإسلامي المعاصر: التأويل الخاطئ للأحاديث النبوية من قبل الجماعات المتطرفة،
واستغلالها وسيلة لتبرير العنف ونشر الفوضى.
الكتاب، الذي يقدمه جناح الأزهر الشريف
بمعرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ57، يعتمد منهجية نقدية دقيقة تكشف
الانحرافات الفكرية والشرعية التي وقعت فيها هذه الجماعات نتيجة قراءة سطحية
وحرفية للنصوص، متجاهلة المقاصد العليا للشريعة والسياق التاريخي والثقافي
للأحاديث.
اختيار اللغة الإنجليزية جاء استراتيجيًا
ليخاطب جمهورًا عالميًا من الباحثين والقراء المهتمين بالدراسات الإسلامية والفكر
الوسطي، سواء في الغرب أو في الدول غير الناطقة بالعربية، وذلك لتعريفهم بالفهم
الصحيح للسنة النبوية وتوضيح التأويلات المغلوطة التي تنتشر في سياقات التطرف.
بهذا، يصبح الكتاب أداة معرفية هامة لنشر الوسطية، وتصحيح المفاهيم المغلوطة،
ومواجهة الأفكار المتطرفة على المستوى الدولي، وليس فقط داخل المجتمعات العربية أو
الإسلامية.
يبرز الكتاب بوضوح أن الجماعات المتطرفة لم
تمتلك الأدوات العلمية المنهجية اللازمة لفهم النصوص الشرعية، سواء من علوم اللغة
العربية وبلاغتها، أو علم أصول الفقه، أو علوم القرآن والحديث، وهو ما أدى إلى
إنتاج تأويلات مشوهة تتحول إلى أيديولوجيا عنيفة تقوض النسيج الاجتماعي. كما يشدد
الكتاب على أن الفهم الصحيح للسنة، كما عرفه جمهور الأمة عبر القرون، قائم على
التوازن بين النص والمقصد، وهو ما يوفّر الحماية الفكرية والروحية للمجتمع المسلم
من الانحرافات، ويعزز قيم الرحمة والسلام والتعايش.
تبقى مسألة إعادة فهم مفهومي التطرف والتشدد ضرورية، إذ أن هذين المفهومين قد استُخدما في كثير من الأحيان لأغراض سياسية بحتة. فغالبًا ما تعمد السلطات، تاريخيًا ومعاصرًا، إلى وصف خصومها، لا سيما من أتباع التيارات الإسلامية، بالتشدد أو التطرف أو الانحراف، بغض النظر عن مدى التزامهم بالضوابط الشرعية أو السلوك الأخلاقي.
من الناحية النقدية، يقدم الكتاب ثلاثة
مباحث رئيسية: المبحث الأول يوضح أسباب الخلل في فهم نصوص الحديث الشريف، مع تحليل
العوامل الفكرية والاجتماعية التي ساهمت في انتشار التأويلات المتطرفة؛ المبحث
الثاني يستعرض الجذور التاريخية للتطرف الفكري، ومواقف العلماء الراسخين في العلم
تجاه الفكر المتطرف، موضحًا أن الضبط العلمي والتاريخي كان دائمًا حصنًا ضد
التشويه؛ والمبحث الثالث يفند مجموعة من الأحاديث التي أساءت الجماعات فهمها، مثل:
"أمرت أن أقاتل الناس" و"جُعل رزقي تحت ظل رمحي" و"لقد
جئتكم بالذبح" و"جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وأسنتكم"،
موضحًا القراءة الصحيحة لهذه النصوص في سياقها الشرعي والتاريخي.
من خلال هذا
العرض النقدي، يقدم الكتاب
مساهمة فكرية واضحة: ليس فقط في كشف الانحرافات الخطيرة، بل في تعزيز منهجية علمية
لفهم السنة النبوية، تعيد الاعتبار للوسطية والاعتدال، وتثبت أن التمسك بالسنة
النبوية هو درع لمواجهة التطرف وليس سببًا له. وبذلك، يشكل الكتاب أداة معرفية
مهمة للقراء الأجانب، والباحثين في الدراسات الإسلامية، والمهتمين بمكافحة الفكر
المتطرف وفهم الإسلام في أبعاده الحضارية والإنسانية.
تبقى مسألة إعادة فهم مفهومي التطرف والتشدد
ضرورية، إذ أن هذين المفهومين قد استُخدما في كثير من الأحيان لأغراض سياسية بحتة.
فغالبًا ما تعمد السلطات، تاريخيًا ومعاصرًا، إلى وصف خصومها، لا سيما من أتباع
التيارات الإسلامية، بالتشدد أو التطرف أو الانحراف، بغض النظر عن مدى التزامهم
بالضوابط الشرعية أو السلوك الأخلاقي.
وقد يكون هذا الجانب السياسي أقل وضوحًا في
بعض إصدارات الأزهر، لكنه يظل حاضرًا في المشهد
المصري العام، حيث نشأت مفاهيم
التشدد والتطرف والانحراف المعاصرة، وغلب الطابع السياسي على هذه الاتهامات، ما
يجعل من الضروري فصل البعد العقائدي الشرعي عن البعد السياسي لتفسير الظاهرة بشكل
موضوعي وعلمي.